في الشمال البعيد، وفي تلك الليلة، كان كايل ولوسيليا يعدّان عشاءً بسيطًا من بعض المكونات التي أحضرها كايل في حقيبته. خبز، قليل من الجبن، وبقايا لحم مجفف.

النار الصغيرة في وسط المعبد كانت تشتعل بهدوء، وظلالها تتحرك على الجدران القديمة.

كان العجوز جالسًا غير بعيد، ظهره مستند إلى الجدار، عصاه بين يديه، رأسه مائل قليلًا كأنه يستمع أكثر مما يرى.

قالت لوسيليا وهي تنظر حولها:

-«غريب أن يكون معبد بهذه العظمة مهجورًا تمامًا. كنت أظنه مليئًا بالكهنة».

توقف العجوز عن تحريك عصاه، ثم قال بهدوء:

-«هذا المكان لم يُبنَ للزوار».

نظر كايل إلى لوسيليا، شعر أن كلامها لم يكن في مكانه، لكنه لم يقل شيئًا.

بعد أن انتهوا من العشاء، ساد صمت قصير، وفجأة انفتح باب المعبد بقوة.

دخل عدد من الرجال، مسلحين بالسيوف، وانتشروا بسرعة وأحاطوا بالمكان.

تقدم كايل خطوة إلى الأمام، رغم التوتر الذي ضرب صدره، وقال:

-«إن كنتم تريدون المال، فسأعطيكم ما تطلبون. أنا من عائلة فون أركاد. سأدفع لكم أضعاف ما تتخيلون إن تركتمونا وشأننا».

لم ينتظروا الرد، بل اندفع اثنان منهم نحوه وانهالوا عليه ضربًا.

سقط كايل على الأرض، والهواء يخرج من رئتيه بصعوبة.

في تلك اللحظة، تقدمت لوسيليا بهدوء نحو قائدهم، ووقفت أمامه، ثم قبّلته.

تجمد كايل.

قال القائد ضاحكًا:

-«أحسنتِ التمثيل».

التفتت لوسيليا إلى كايل وقالت:

-«انتهى كل شيء».

بقي العجوز جالسًا في مكانه، لم يتحرك، عصاه لا تزال بين يديه.

تقدم أحد قطاع الطرق نحوه وقال:

-«أيها الأعمى، أين سوار الشمس؟ نحن نعلم أنه هنا».

رغم الألم الذي كان يمزق جسده، فكر كايل في نفسه:

-«سوار الشمس، ذُكر في الرواية، دون شرح، دون صورة، دون تفسير لقوته».

قال العجوز وهو مقبض حاجبه:

-«ولماذا تريدونه؟».

أخذت لوسيليا سيفًا من أحد الرجال، وتقدمت خطوة، ثم وضعت السيف على عنق العجوز، ثم قالت:

-«لبيعه في مزاد 33. سنبيعه بثروة تكفينا بقية حياتنا».

اتسعت عينا كايل.

مزاد 33.

المزاد الذي يجتمع فيه المجرمون، النبلاء، الجنرالات، الكهنة، والمنظمات الإجرامية لبيع الآثار النادرة.

قال العجوز:

-«سوار الشمس وُجد ليحمي العالم من الشياطين. وحتى قوته لن تتفاعل إلا مع من يستحقه».

ضحك قائد قطاع الطرق وقال باستهزاء:

-«ربما المستحق هو فارس الشمس نفسه. ربما عاد من الموت».

بدأ الغضب يتصاعد في وجه العجوز.

اقترب أحد الرجال من كايل، وضع سيفه على رقبته، وضغط قليلًا.

سال الدم على أرض المعبد، وبنقرة واحدة من إصبع العجوز، تحطم السيف الذي كانت لوسيليا تمسكه.

اندفع الحديد واخترق صدرها، عندها وقف العجوز ببطء، ثم قال:

-«مرت مئات السنين، والبشر لا يزال الشر يسكن قلوبهم، يجب تطهيركم».

ضحك أحد قطاع الطرق، ثم تبول على رمز الشمس المرسوم على الجدار.

وقال قاطع طريق:

-«أنا أشعر بالخوف، لا تأذني فأنا لدي أطفال أيها عجوز الحقير، اقصد طيب».

قال العجوز بصوت ارتجف غضبًا:

-«هذا معبد بناه فارس الشمس ليحمي البشر من الشياطين، أنتم الشياطين».

أضاءت عيناه، و اندلعت نار ذهبية غطت جسده بالكامل.

بدأت المجزرة، حيث قطع رأس أحدهم بيده، ومزق جسد آخر إلى نصفين.

اقتلع أطراف ثالث، أما لوسيليا، فقد اخترق ذراعه صدرها وسقطت دون صوت.

حاول قائد قطاع الطرق الهرب، قفز على حصانه.

التقط العجوز حجرًا صغيرًا، ورماه، حيث اخترق الحجر رأس الحصان، فسقط ميتًا.

زحف القائد على الأرض وقال وهو يتوسل للرجل عجوز ودموع في عينيه:

-«أرجوك، اتركني أعيش وسوف أصبح رجل صالحا».

قال العجوز بغضب شديد وهو يشكل قبضته باحكام:

-«بصفتي تلميذ فارس الشمس، وبنور الشمس، حكمت عليك بالموت».

قتله بكلمة واحدة في وجهه، حيث تهشم وجه قائد قطاع طرق كليا، ومات.

انطفأت النار، و عاد العجوز إلى حالته، لكنه كان متعبًا بشدة، نهض كايل بصعوبة، اقترب منه، وساعده على الجلوس قرب الجدار.

قال العجوز:

-«نظّف المعبد. واعتنِ به، وكن خادما للمعبد في مقابل أن اقتلك، وسوف اعلمك كل شيء عن شمس المقدسة، وكيف تعيش في هذا العالم».

قال كايل: « أنا موافق، ولكن في المقابل، علّمني هذه القوة».

سكت العجوز لحظة، ثم قال:

-«موافق أن استطعت صمود ».

في نفس الوقت، وفي مملكة أغارين، بعيدًا عن أعين القصر الملكي، كانت هناك غرفة سرية ومعزولة.

الجدران في تلك الغرفة مصنوعة من حجر رمادي، والضوء الخافت يأتي من بعض الشموع المشتعلة على الحوامل المعدنية.

في وسط الغرفة وُضع صندوق زجاجي كبير، ملفوف بسلاسل حديدية سميكة.

داخل الصندوق، كان رمح المصير الذهبي، وحول الصندوق، نخبة من الحراس المدججين بالأسلحة يقفون في صفوف، كل واحد منهم يراقب الرمّاح والرمز الذهبي بعناية، لا يسمح لأحد بالاقتراب، وميضه يكاد يقطع الظلام. كان رمحًا ليس مجرد قطعة معدنية، بل قلب قوة قديمة، سلاح استعمله فارس الشمس الأول قبل ألف عام ضد الشياطين القدماء

الملكة وقفت أمام الصندوق، إلى جانبها المستشار الملكي، و أيضا الجنرالات، وجميعهم يراقبون الرمّاح بحذر.

اقترب أحد الجنرالات، وكان اسمه كريس دي دراج، عيناه تلمعان، يشير للرمح:

-« جلالتك اعذريني، ولكن لطالما تسائلت، لماذا اسمه رمح المصير؟».

نظر أحد الجنرالات هو الآخر إلى الرمح بفضول، ثم قال:

-«وما الذي يجعل هذا السلاح مختلفًا عن أي سلاح آخر؟».

أخذت الملكة نفسًا عميقًا، ونظرت إلى الجنرالات بعينين تكادان تحرقان المكان:

-«لأنه لا يخضع لإرادة البشر، و أيضا البشرية تعتمد عليه لقتل كل شياطين».

2026/02/07 · 4 مشاهدة · 784 كلمة
Overminder
نادي الروايات - 2026