مدينة إيلدار، وهي مدينة ساحلية بعيدة عن أغارين، حيث الهواء فيها رطب، والناس يتحدثون بصوت منخفض.
جلس الثلاثة في نُزل بسيط قرب الميناء.
إيرون كان ينظر إلى رسالة مفتوحة على الطاولة، ثم قال:
-«لم أتوقع أن تعود وتطلبنا بعد كل هذا الوقت».
ماريس قالت وهي تقلب الصفحة الأخيرة:
-«ابنة آل ماكسويل لا تطلب شيئًا دون سبب».
كايرن كان صامتًا كعادته، لكنه قال أخيرًا:
-«المكان؟»
أجاب إيرون:
-«مخزن قديم في الرصيف الشرقي، وشحنة وصلت سرًا قبل يومين».
ماريس أضافت:
-«وهي لا تريد الحرس، ولا تريد اسم عائلتها أن يُذكر».
صمت قصير، ثم إن إيرون نهض:
-«إذن الأمر كبير».
في تلك الليلة، وفي منتصف الليل تحديدا، وقف الثلاثة فوق سطح مبنى مقابل المخزن.
كان هناك حراس، ولكنهم ليسوا جنود مدينة، حيث ملابسهم سوداء.
حركتهم منضبطة.
قالت ماريس بهدوء:
-«ليسوا تجارًا».
قال إيرون:
-«ولا مرتزقة عاديين».
كايرن ركّز نظره على باب خلفي يُفتح للحظة، ثم رأى صندوقا يُنزل بحذر.
همس لرفيقيه:
-«هذا ما جئنا لأجله».
بعد دقائق، كانوا داخل المخزن، وبهدوء، ودون أي ضجيج.
إيرون أسقط أول حارس بضربة واحدة، وماريس كمّمت فم الثاني.
كايرن تحرّك كظل، حيث وصلوا إلى الصندوق، وقد كان معدنيًا، مغلقًا بأقفال ثلاثة.
قالت ماريس:
-«لنفتح صندوق بسرعة قبل مجيء مزيد من حراس».
قال إيرون:
-«حسنا».
مدّت يدها، ولكنها توقفت فجأة، وقالت:
-«انتظروا».
صوت تصفيق بطيء جاء من خلفهم، حيث سمع شخص يقول لهم:
-«مثير للإعجاب».
استداروا، ورأو رجل طويل، معطفه داكن، يقف بين الصناديق، حيث قال هذا الأخير:
-«كنت أتساءل متى سترسل آل ماكسويل كلابها».
إيرون ابتسم بسخرية:
-«قلها مرة أخرى».
الرجل تجاهل التهديد.
-«تأخرتم. ما في الصندوق لم يعد مهمًا».
كايرن قال:
-«ماذا تقصد؟»
ابتسم الرجل:
-«لقد استُخدم».
صمت ساد المكان، ثم فجأة اهتزّ المخزن، حيث شيء ما تحرّك داخل الصندوق رغم أن الأقفال ما زالت مغلقة.
تشقق المعدن، وقالت ماريس بصوت حاد:
-«هذا خطأ».
انفجر القفل الأول، ثم قال الرجل وهو يتراجع للخلف:
-«مهمتكم لم تكن السرقة».
انفجر القفل الثاني.
-«بل التأكد أنكم ستشهدون البداية».
انفجر القفل الثالث، وانفتح الصندوق من الداخل، ولم يكن بداخله شيء كبير.
فقط مجرد قلب ينبض، وكأنه بداخل جسد، ولكنه لم يكن، ولكن كل نبضة جعلت الهواء أثقل.
كايرن شدّ رمحه، بقوة وكأنه يستعد لطعن ذلك القلب.
إيرون قال ببطء:
-«هذا القلب لا تقل لي أنه . . . . ».
ماريس نظرت إلى القلب وقالت:
-«هذه طقوس».
الرجل ابتسم وهو يختفي نحو الباب الخلفي:
-«وأغارين ستكون أول من يسمع النبض».
القلب نبض مرة أقوى، وعندها تشققت أرض المخزن.
إيرون صرخ:
-«إما نحطّمه الآن أو نغرق معه».
كايرن اندفع ناحية القلب الذي كان يطفو في هواء، أما ماريس فقد بدأت ترتل.
في تلك اللحظة اندفع كايرن دون تردد، ورمحه اخترق الهواء مباشرة نحو القلب، ولكن في اللحظة التي لامس فيها النصل سطحه، توقف، ولم يخترقه.
تجمّد الرمح وكأنه اصطدم بجدار غير مرئي، عندها نبض القلب بقوة.
دُفع كايرن للخلف وسقط أرضًا.
صرخ إيرون:
-«تراجع».
لكن الأرض تشققت أكثر، ومن من داخل الصندوق خرجت خيوط سوداء، كالعروق، وامتدت على الجدران.
ماريس رفعت كتابها وبدأت تتلو بصوت ثابت:
-«يا نور الشمس، اكشف الزيف، واحرق الفساد».
لم يخرج ضوء، بل ارتجف الهواء فقط، وعندها قالت بقلق:
-«هذا ليس شيطانًا كاملًا، إنه جزء فقط».
نهض كايرن وهو يمسح الدم عن فمه:
-«جزء يكفي لقتلنا».
الخيوط السوداء اندفعت نحوهم، ولكن إيرون قطع إحداها بسيفه، لكنها عادت والتحمت بالأرض.
صرخ:
-«إنه يتغذى على المكان».
القلب نبض مرة أخرى، وهذه المرة سُمِع الصوت في الشارع خارج المخزن.
صرخ أحد الحراس في الخارج، ثم صمت فجأة.
ماريس اتسعت عيناها:
-«إنه يسحب الحياة القريبة منه».
نظر الثلاثة لبعضهم، ولم يكن أمامهم وقت.
قال كايرن:
-«إذا لم نستطع كسره، فعلينا أن نحبسه».
إيرون فهم فورًا:
-«داخل الصندوق؟»
هز كايرن رأسه:
-«لا، تحت الأرض».
ضرب الأرض برمحه، وعندها تشققت أكثر.
صرخ إيرون:
-«أنت مجنون».
أجابه كايرن:
-«أفضل من أن يخرج للمدينة».
الخيوط اندفعت نحوه، ولكن هذه المرة، رمحه توهج للحظة خفيفة.
ليس ضوءًا قويًا، بل مجرد وميض.
ماريس لاحظت ذلك.
-«رمحك».
لكن كايرن لم يرد، وقفز، وضرب الصندوق بكل قوته نحو الشق المتسع في الأرض.
سقط الصندوق في الفتحة، عندها ذلك القلب نبض بعنف، واهتز المخزن بالكامل.
صرخ إيرون:
-«الآن».
ماريس ركعت، وضعت يدها على الأرض، وصرخت:
-«انغلق».
توقفت الخيوط للحظة، وكايرن ضرب الأرض مرة أخيرة.
انهارت الأرضية فوق الفتحة، وسقطوا جميعًا أرضًا، حيث ساد سكون.
فقط صوت أنفاسهم، وبعد لحظات، قال إيرون وهو ينهض ببطء:
-«إذا لم يمت، فهو محبوس».
ماريس أغلقت كتابها:
-«لم يكن الهدف بيع شيء، كان زرع هذا الشيء هنا».
نظر كايرن إلى الرصيف خارج المخزن ثم قال:
-«مدينة ساحلية. طرق تجارة. انتشار سريع».
قال إيرون ببطء:
-«ابنة آل ماكسويل لم تخبرنا بكل شيء».
ماريس أضافت:
-«أو ربما لم تكن تعرف».
في الخارج، بدأت أجراس المدينة تُقرع، والناس يركضون.
أصوات فوضى.
قال كايرن:
-«لم ينتهِ الأمر».
نظر إلى مكان الانهيار.
ثم قال بهدوء:
-«هذا كان اختبارًا».
إيرون شد قبضته على سيفه:
-«لمن؟»
رفع كايرن نظره نحو البحر المظلم:
-«لنا».
في مكان بعيد تحت الأنقاض، وفي نبضة واحدة خافتة صدرت، وكانت ضعيفة.
لكنها موجودة، والليل فوق إيلدار لم يعد هادئًا كما كان