# الفصل التاسع:

مرت بضعة أيام هادئة ظاهرياً، لكن تحت السطح، كانت التيارات الخفية تتحرك بقوة. قضى لين فنغ معظم وقته في شقته الجديدة الآمنة، التي تحولت إلى مركز عمليات مؤقت. لم يكن مكتباً فاخراً يليق بوريث مجموعة لين، بل مساحة عملية ذات جدران عازلة للصوت وأنظمة اتصالات مشفرة، حيث يمكنه التفكير والتخطيط بعيداً عن الأعين المتطفلة.

أمامه على الشاشة، كان تقرير موجز أعده تشاو فو حول جيانغ يو. لم يكن التقرير شاملاً بعد، فالتحقيق في حياة شخص ما بعمق يتطلب وقتاً وموارد، لكن النتائج الأولية كانت مثيرة للاهتمام ومقلقة في آن واحد. أشار التقرير إلى أن شركة الاستشارات المالية الصغيرة التي يديرها جيانغ يو، "غولدن بريدج للاستشارات"، كانت تعاني من صعوبات مالية حادة خلال الأشهر الستة الماضية. فقدت الشركة عميلين رئيسيين، وتراكمت عليها بعض الديون قصيرة الأجل. لم يكن هناك دليل مباشر على تورط جيانغ يو في أي أنشطة غير قانونية أو ارتباطه بأي فخ منصوب للين فنغ، لكن وضعه المالي اليائس كان كافياً لزيادة شكوك لين فنغ.

"رجل يائس قد يفعل أي شيء..." تمتم لين فنغ لنفسه، وأصابعه تنقر بخفة على سطح المكتب المصقول. هل كان جيانغ يو مجرد انتهازي يحاول استغلال الوضع لصالحه، مقدماً معلومات حقيقية مقابل مكافأة مستقبلية محتملة؟ أم كان الوضع المالي مجرد غطاء، وكان يعمل بالفعل لصالح تشو فان أو طرف آخر، مقدماً طُعماً مسموماً؟ الاحتمالات كانت لا تزال مفتوحة. المعلومات التي قدمها جيانغ يو بدت دقيقة ومتماسكة مع ما كشفته مي لين، لكن الدافع وراء تقديمها ظل غامضاً ومريباً. تنهد لين فنغ، وشعر بثقل القرار. تجاهل المعلومات كان مخاطرة، لكن الوثوق بها بشكل أعمى كان مخاطرة أكبر.

قطع حبل أفكاره صوت تنبيه خافت من جهاز الاتصال المشفر. كانت رسالة من مي لين. فتحها بسرعة، وعيناه تمسحان النص المقتضب:

"تأكيد وجود مشروع واحة الأفق وشركة فينيكس إنترناشيونال ككيانات مسجلة. تم رصد بعض التعاملات المالية بينهما وبين مقاولين من الباطن في المشروع. لكن الوصول إلى تفاصيل العقود أو سجلات المحاسبة الداخلية لتيان لونغ أو فينيكس يواجه صعوبة بالغة. جدران الحماية الرقمية والمادية قوية للغاية، والمعلومات مجزأة وموزعة. لا يوجد دليل مباشر يربط فينيكس بعمليات احتيال أو بالموظفين لي وي وتشانغ هاو حتى الآن. أحتاج المزيد من الوقت، أو نقطة بداية أكثر تحديداً لاختراق دفاعاتهم. سأواصل المحاولة بحذر."

شعر لين فنغ بوخزة خفيفة من الإحباط. كان يأمل في تحقيق اختراق أسرع، لكنه كان يعلم أيضاً أن مواجهة عملاق مثل تيان لونغ لن تكون سهلة. مي لين كانت من أفضل قراصنة المعلومات الذين يعرفهم، وإذا كانت تواجه صعوبة، فهذا يعني أن تشو فان قد أحكم دفاعاته جيداً. لم يكن الأمر مفاجئاً، لكنه كان تذكيراً بواقعية التحدي الذي يواجهه. رد برسالة مقتضبة بنفس القدر: "استمري بحذر. الأولوية لسلامتك. أبلغيني بأي تطور فوراً."

أغلق جهاز الاتصال، وعاد لينظر من النافذة الزجاجية الكبيرة التي تطل على جزء من أفق المدينة المزدحم. كانت التحقيقات تسير ببطء، والمخاطر تتزايد. كان يشعر وكأنه يسير على حبل مشدود فوق هوة سحيقة. كل خطوة يجب أن تكون محسوبة بدقة.

في تلك اللحظة، رن هاتفه الشخصي، ليس الهاتف المشفر، بل هاتفه العادي الذي نادراً ما كان يستخدمه مؤخراً. تردد للحظة قبل أن ينظر إلى هوية المتصل. تجمدت ملامحه قليلاً عندما رأى الاسم: الجد لين تشن.

أخذ نفساً عميقاً، وحاول تهدئة دقات قلبه المتسارعة قليلاً. لم يتحدث مع جده مباشرة منذ مغادرته المستشفى. كان يعلم أن هذه المكالمة قادمة لا محالة، لكنه لم يكن يتوقعها بهذه السرعة. أجاب بصوت هادئ ومحترم قدر الإمكان: "جدي."

جاء صوت لين تشن عبر الهاتف، حاداً وقاطعاً كالعادة، لا يحمل أي دفء أو مجاملة. "لين فنغ. أين أنت؟ ولماذا لم ترد على مكالمات والدك؟"

"أنا بخير يا جدي. كنت مشغولاً ببعض الأمور الشخصية،" رد لين فنغ بحذر، مختاراً كلماته بعناية. "لم أرغب في إزعاجكم بتفاصيل غير مهمة."

"أمور شخصية؟" سخر لين تشن. "هل بيع أسهمك في شركات المجموعة وتصفية بعض ممتلكاتك العقارية يعتبر أمراً شخصياً وغير مهم؟ هل تعيين محامٍ خاص بك دون استشارة محامي العائلة يعتبر أمراً شخصياً؟ هل تجاهلك المتعمد لواجباتك تجاه المجموعة يعتبر أمراً شخصياً؟"

كانت كل كلمة كضربة مطرقة. كان الجد يعلم بكل شيء. لم يكن لين فنغ يتوقع أقل من ذلك، فشبكة معلومات جده كانت واسعة وقوية. شعر ببرودة تسري في عموده الفقري، لكنه حافظ على هدوء صوته.

"جدي، بعد الحادث الأخير، أدركت أنني بحاجة لبعض الوقت لإعادة تقييم الأمور وترتيب أولوياتي. القرارات التي اتخذتها كانت ضرورية لضمان استقلاليتي المالية والشخصية في هذه المرحلة."

"استقلاليتك؟" ارتفع صوت الجد قليلاً، حاملاً نبرة تهديد واضحة. "هل نسيت من أنت يا لين فنغ؟ أنت وريث مجموعة لين! استقلاليتك تأتي من المجموعة، وليس بعيداً عنها! تصرفاتك هذه طائشة وغير مسؤولة. إنها تضر بسمعة العائلة والمجموعة. هل تعتقد أنني سأسمح لك بتدمير كل ما بنيناه بأفعالك الصبيانية هذه؟"

شعر لين فنغ بالضغط يتزايد. لم يكن الأمر مجرد استياء، بل كان تهديداً مباشراً. كان يعلم أن جده لا يمزح. كلمة واحدة منه يمكن أن تجمد جميع أصوله المتبقية أو تقطع عنه أي دعم من العائلة.

"جدي، أنا لا أنوي الإضرار بالعائلة أو المجموعة،" قال لين فنغ، محاولاً كسب بعض الوقت. "كل ما أطلبه هو بعض الوقت والمساحة لأفهم ما حدث لي ولمن يقف وراءه. بمجرد أن تتضح الأمور، سأعود لتولي مسؤولياتي."

"لمن يقف وراءه؟" رد الجد بحدة. "هل ما زلت تصر على هذه الأوهام؟ الحادث كان مجرد حادث مؤسف. الشرطة أغلقت التحقيق. لا تختلق الأعذار لتهربك من المسؤولية! أمامك أسبوع واحد لتعود إلى رشدك، وتلغي قرار تعيين هذا المحامي، وتعود إلى مكتبك في المجموعة. وإلا، ستواجه عواقب لن تعجبك أبداً. هل كلامي واضح؟"

لم ينتظر لين تشن رداً. أنهى المكالمة فجأة، تاركاً لين فنغ يحدق في الهاتف بصمت، وصوت الجد القاسي لا يزال يرن في أذنيه. شعر بمزيج من الغضب والعجز. الغضب من تحكم جده المطلق، والعجز أمام قوته ونفوذه. كان يعلم أن تحدي جده بشكل مباشر سيكون انتحاراً، لكن التراجع الآن يعني التخلي عن كل شيء، عن فرصة كشف الحقيقة والانتقام، وعن أي أمل في بناء حياة خاصة به بعيداً عن ظل العائلة.

جلس لين فنغ مرة أخرى، وشعر بالإرهاق يغمره. الضغط كان يأتي من كل اتجاه. تشو فان كان يتربص في الظل، التحقيقات كانت تسير ببطء، والآن عائلته نفسها كانت تضيق الخناق عليه. كان بحاجة إلى خطوة جريئة، خطوة قد تغير موازين القوى أو على الأقل تشتت انتباه أعدائه وتمنحه بعض الوقت للتنفس.

فكر في الخيارات المتاحة. معلومات جيانغ يو كانت لا تزال غير مؤكدة المصدر، لكنها كانت الخيط الأقوى لديه حتى الآن. مشروع "واحة الأفق" وشركة "فينيكس إنترناشيونال"... إذا كانت هذه هي الواجهة التي يستخدمها تشو فان لعملياته الاحتيالية، فإن كشفها سيكون ضربة قاصمة له.

لكن كيف يمكن كشفها دون دليل قاطع ودون تعريض نفسه ومصادره للخطر؟ فكر في اقتراح مي لين حول الحاجة لنقطة بداية أكثر تحديداً. ربما كان التركيز على أحد الموظفين المتورطين، لي وي أو تشانغ هاو، هو الحل. تحقيق مكثف وسري حول أحدهما قد يكشف عن ثغرة، عن دليل مادي، عن خطأ يمكن استغلاله.

لكن هذا أيضاً سيستغرق وقتاً، وقته كان ينفد بسرعة بسبب إنذار جده. كان بحاجة إلى شيء أسرع، شيء يحدث ضجة، ولو صغيرة.

تبلورت فكرة في ذهنه، فكرة محفوفة بالمخاطر لكنها قد تكون فعالة. تسريب معلومة غامضة. ليس اتهاماً مباشراً، بل مجرد تلميح، بذرة شك تزرع في المكان المناسب.

اتصل بتشاو فو مرة أخرى عبر الخط المشفر.

"تشاو فو، لدي مهمة جديدة وحساسة للغاية،" قال لين فنغ بصوت هادئ وحازم. "أريدك أن تجد طريقة لتسريب معلومة بسيطة ومجهولة المصدر إلى صحفي مالي محدد، شخص معروف بتحقيقاته المعمقة واستقلاليته... ربما شخص مثل 'ليو مينغ' من 'فاينانشال تايمز ويكلي'. المعلومة يجب أن تكون غامضة جداً، مجرد تلميح حول وجود تدقيق داخلي محتمل أو شبهات حول تقييمات غير دقيقة تتعلق بشركة استثمار خارجية غير معروفة تدعى 'فينيكس إنترناشيونال' وعلاقتها ببعض المشاريع العقارية الكبرى في منطقة التطوير الجديدة. لا تذكر اسم تيان لونغ أو تشو فان أو أي تفاصيل محددة أخرى. مجرد إثارة فضول الصحفي ل يبدأ بالبحث بنفسه. الأهم من ذلك، يجب أن يكون التسريب غير قابل للتتبع إلينا بأي شكل من الأشكال. هل يمكنك فعل ذلك؟"

صمت تشاو فو للحظة، ثم رد بثقة: "سأجد طريقة آمنة، سيدي. الأمر يتطلب بعض الترتيبات، لكن يمكن تنفيذه."

"جيد. ابدأ بذلك فوراً. أريد أن تزرع هذه البذرة في أقرب وقت ممكن. قد لا تؤدي إلى شيء، لكنها قد تحدث أيضاً بعض التموجات التي نحتاجها."

أنهى لين فنغ المكالمة، وشعر ببعض الارتياح الممزوج بالقلق. لقد اتخذ خطوة أخرى في الظلام، خطوة قد تأتي بنتائج عكسية. لكنه لم يعد يستطيع البقاء في موقف دفاعي. كان عليه أن يبدأ بتحريك البيادق بنفسه، حتى لو كانت تحركاته محفوفة بالمخاطر.

وقف مرة أخرى أمام النافذة، ونظر إلى أضواء المدينة المتلألئة في الأسفل. كانت تبدو جميلة وهادئة من هذا الارتفاع، لكنه كان يعلم أن تحت هذا البريق الظاهري، كانت هناك شبكة معقدة من الصراعات والمؤامرات والمصالح المتضاربة. وهو الآن، شاء أم أبى، أصبح جزءاً لا يتجزأ من هذه الشبكة، يحاول التنقل فيها بحذر، ويبحث عن مخرج، أو ربما... عن طريقة لتغيير قواعد اللعبة بأكملها. ثقل قراراته بدا هائلاً، وشعوره بالعزلة كان عميقاً، لكن وميضاً من التحدي والإصرار كان لا يزال يلمع في عينيه. المعركة كانت قد بدأت للتو.

2025/06/02 · 37 مشاهدة · 1423 كلمة
Thanos
نادي الروايات - 2026