السرد وأسماء العناصر:
الفصل 112:
كان "دليل الصيد" عنصراً جديداً ابتكره "قونغ تشي يينغ".
وظيفته أشبه بموسوعة مصغّرة، تُفتح فيها معلومات عن الوحوش التي هزمها حاملها، والعناصر التي حصل عليها، والمشاهد الخاصة التي واجهها، وحتى بعض الخلفيات الغامضة للأحداث.
ببساطة، كان هذا الدليل تجسيداً مرئياً للمعلومات التي تظهر تلقائياً في ذهن المغامر عند حصوله على عنصر جديد.
تصنيع هذا العنصر لم يستهلك كثيراً من الطاقة الذهنية، وكان يعزز من اندماج اللاعبين وشعورهم بالإنجاز، كما يدعم سردية الزنزانة.
علاوةً على ذلك، كان هناك دوماً أولئك المهووسون بإكمال كل شيء، ممن يسعون لفتح كل إدخالات الموسوعة. هؤلاء لا غنى عنهم في أي عالم.
لكن الحصول على "دليل الصيد" لم يكن سهلاً؛ فالمطلوب إطفاء مشعلين من حصون فارون، والاستمرار في قتال الصيادين الغازين لفترة معيّنة، أو التغلب عليهم.
أما "باتشز"، فكان شخصية سرّية (Easter Egg)، تظهر علامة استدعائه قرب الصيادين.
عند استدعائه، تتراجع قوة الصياد القتالية، ويدخل في عرض تمثيلي مع "باتشز"، مما يضمن تقريباً حصول المغامر على دليل الصيد.
ولكن ما الثمن؟
مطاردة من قبل وحوش نصف حصن فارون! مع احتمال أن يُخدع من قِبل "باتشز" أيضاً!
الصيادون و"باتشز" كانوا من صنع "قونغ تشي يينغ"، لا يختلفون في طبيعتهم عن "تجسيد روح خامسة".
الفرق الوحيد، أن "باتشز" امتلك بعض الذكاء البسيط؛ يستطيع الرد على أسئلة غير معقدة، ويحاول بشتى الطرق استعادة قدر امكان شخصيته الأصلية الماكرة، التي تتمحور حول... خداع الآخرين.
كان معظم ردوده مبرمجة مسبقاً. ولا يتحدث مطلقاً عندما يُستدعى كمساعد في القتال. لكن إن تفرّق المغامرون إثر موجة وحوش ووجدوا أنفسهم معزولين، سيظهر "باتشز" في أماكن محددة، بل قد يظهر بعدّة نسخ في الوقت ذاته.
غالباً ما كانت هذه الأماكن تقع على منحدرات عالية، مهيّأة تماماً لـ... ركل اللاعبين من فوقها!
لكن عدا موقع "مالو"، الذي يسقط فيه المغامرون إلى حتفهم مباشرة، كانت بقية المنحدرات تؤدي إلى مناطق جديدة للاستكشاف.
من يدري، لعل "مالو" كان محظوظاً... أو منحوساً...
رأى "قونغ تشي يينغ" أن هذه التصاميم ليست قاتلة، لكنها مثيرة بما يكفي لرفع معنويات المغامرين.
لكن المغامرين الذين خُدعوا لم يشاركوه هذا الرأي.
"تباً!"
أسند "دار" ظهره إلى الجدار الصخري، ويده اليسرى تنزف بغزارة جراء إصابة بجرح حجري حاد أثناء سقوطه. بدأ على الفور بلف الجرح بضمادة متنقلة.
وضعه المالي لم يكن جيداً إطلاقاً. لم يكن يمتلك الكثير من جرعات العلاج. على عكس مالو ورفاقه الذين يشربون الجرعات كأنها ماء، كان عليه الادخار قدر الإمكان. الجرح النازف لا يستحق إهدار جرعة.
رغم أنه وصل إلى رتبة الفضي، فإن حالته المالية لم تكن أفضل من المغامرين العاديين، بل أسوأ في الواقع. وهذا كان غريباً للغاية.
قال وهو يُحكم الضماد:
"ما كان يجب أن أُصدق الآخرين."
ثم رفع رأسه نحو الحافة العالية التي سقط منها، وعيناه تشعان غضباً وندماً.
كان بلا شك ضحية جديدة من ضحايا "باتشز".
لحسن حظه، لم يمت بعد أن رُكل من على المنحدر. لكن لسوء حظه، فقد سيفه. وسيفه ذاك كان قطعة ثمينة ادّخر لشرائه نصف عام! فكرة فقدانه وحدها تؤلمه.
في المرة القادمة التي يرى فيها "باتشز"، سيجعله يذوق معنى الألم الحقيقي!
بعد أن استعاد قليلاً من قوته، بدأ يعرج داخل المنطقة الغريبة التي سقط فيها.
أسقطه "باتشز" في مساحة صغيرة أسفل الجرف، ولحسن حظه لم يكن السقوط قاتلاً.
هذه مساحة صغيرة كانت موصولة بنفق مظلم ينبعث منه هواء مشؤوم. لكنه لم يكن ليعود أدراجه الآن. إن مات هنا، ستُفقد آلاف الأرواح التي جمعها، وهي كافية للارتقاء بمستواه مرة! لا يستطيع تحمل خسارتها.
وبما أن عدد الأرواح يُصفّر عند مغادرة الزنزانة، لا يمكن تخزينها أو نقلها.
تقدم ببطء، مستنداً إلى الجدار، وبيده خنجر صغير فقط.
"شَم… شَم..."
تحرك أنفه بخفة، وتمتم:
"رائحة وحوش… لكن عددها قليل. ورائحة فراء حيوانات برية. والرياح تشير إلى وجود مخرج قريب."
كان يثق بأنفه كثيراً. فمنذ صغره، دُربت حواسه في كنف قطيع من الذئاب.
نعم، لقد تربى "دار" بين الذئاب.
لم يعد يتذكّر وجهي والديه البيولوجيين. كلما فكّر في "العائلة"، لا يتبادر إلى ذهنه سوى صورة "أمه الذئبة" التي ربّته.
وكلما حاول تذكّر والديه الحقيقيين، تظهر في ذاكرته كوابيس.
كان من الغريب كيف لم يلتهمه القطيع حينها...
ربما بفضل حياته وسط الوحوش، امتلك قدرة إبصار ليليّة أقوى من الآخرين. لذا، لم تكن ظلمة الكهف عائقاً له.
"تبدو وكأن هناك رسومات على الجدران..."
ظل حذراً من أي وحش قد يظهر، بينما اقترب لفحص تلك الرسومات.
كانت الرسومات بدائية، معظمها خطوط بسيطة وأشكال عصيّ.
في البداية، ظهر جمع من الأشخاص يرقصون ويغنون حول نار مشتعلة. مشهد سلام ووئام.
ثم ظهرت مجموعة أخرى بأشكال مشوّهة. ذبحوا الأولين، ودمروا كل شيء.
أسفل أقدام هؤلاء، كانت الأرض مغطاة ببقع سوداء كثيفة. وكلما تقدموا، انتشرت الظلمة.
عقد "دار" حاجبيه، وأحسّ بضيق من هذا اللون الأسود.
هؤلاء المخلوقات استمروا في إبادتهم للحياة. حيثما حلّ الظلام، لا تنبت نبتة، والبشر الذين يلامسونه يتشوهون بدورهم.
إلى أن ظهر شخص يحمل سيفاً ودرعاً، يسير فوق الظلمة دون أن يتأذى، ويتمكن وحده من دحر الأتباع المظلمين. ثم ترك شيئاً خلفه، ومضى بثبات نحو عمق الظلام.
لكن وسط هذه الرسومات، ظهرت فجوات وتشققات جعلت قراءة القصة شبه مستحيلة.
تأمل "دار" ملياً، مفكراً: طالما أن هذه الرسومات داخل حصن فارون، فلا بد أنها مرتبطة بتاريخ هذا المكان.
لكنه لم يكن جيداً في التخمين؛ قيل عنه إنه شخص ممل وخالي من الخيال. لذا لم يفلح في فهم المعنى العميق لتلك الجداريات.
ربما الشخص الذي يحمل السيف والدرع هو من فيلق فارون الموتى الأحياء من ؟ إذن، لا بد أنهم كانوا يقاتلون الهاوية... لم يستطع "دار" أن يتجاوز هذا الحد من التفكير.
وبعد مزيد من التقدم، ظهرت رسومات أوضح: مجموعة من الناس يركعون أمام وحش بري عملاق، يقومون بطقوس غامضة.
رغم الرسم البدائي، تعرف "دار" على ذاك الوحش: كان ذئباً عملاقاً!
تساءل بدهشة:
"لماذا يعبد هؤلاء ذئباً؟"
وفجأة...
"عووووو!"
عوى ذئب صغير، لتليه أصوات وحوش أخرى.
لم تكن من نوع "الغورس"، ولا "ضفدع اللعنة"، ولا "الزاحف"، بل كانت أقرب إلى أنين بشري.
عواء الذئب كان غاضباً، وكأنه يواجه وحشاً، لكنه بدا ضعيفاً؛ كان مجرد ذئب صغير مصاب!
سارع "دار" بالانبطاح والزحف نحو مصدر الصوت. وعندما انعطف قليلاً، رأى المشهد بوضوح.
ذئب صغير يحدق في وحش غريب. لم يكن قادراً على الحركة بسبب إصابته، لكنه حشد كل ما فيه من قوة ليبدو شرساً.
أما ذاك الوحش...
ارتعشت عينا "دار".
كان يشبه البشر في هيئته، لكن جسده كان مليئاً بالتشوهات: حراشف أفاعٍ، مجسات، مخالب عظمية... خليط من كائنات عديدة!
"سلالة الشياطين!" لا شك في ذلك!
لكن قلبه ارتاب فجأة. نظر إلى الأسفل...
مادة سوداء كثيفة كانت تتسرب من تحت أقدام الوحش!
ارتسمت مشاهد الجداريات في ذهنه كوميض. بدأ يلهث. هذا الكائن كان من أولئك المذكورين في الرسومات...
إنه من الهاوية!
لكن... كيف يشبه الشياطين بهذا الشكل؟ هل يمكن أن يكون هناك ارتباط؟...
الخوف من المجهول جمّده في مكانه. كان ينوي مهاجمة الوحش خلسة، لكنه تردد.
الخصم لا يبدو قوياً. إن كان فعلاً تابعاً للهاوية، فلعله مجرد تابع بسيط.
كان يستطيع الانتظار حتى يتقاتل الذئب الصغير مع الوحش، ثم يتدخل بعد ذلك...
تباً... لماذا يجب أن يكون الذئب هو الضحية؟ لو كان أي وحش آخر، لما ترددت!
وفجأة، التفت الذئب الصغير ونظر إلى "دار". بدا وكأنه على وشك أن يطلق عواءً نحوه.
انكشفت!
لكن... لم يعوِ.
بل استدار وعوى باتجاه آخر، مما جعل الوحش يستدير نحو ذلك الاتجاه.
وفي تلك اللحظة، اندفع "دار" كالسهم.
"غآك؟"
شعر الوحش بالخطر وهمّ بالدفاع، لكن الذئب عض كاحله فجأة بكل قوته!
"شط!"
ضربة سريعة... وانفصل رأس الوحش عن جسده.
"عوو!"
نبَح الذئب الصغير بفرح، وكأنه يشكر منقذه.
لكن "دار" نظر إليه ببرود وقال:
"لا تقترب."
رغم حبه للذئاب، إلا أنه يفرّق بين الحق والباطل. مخلوقات الزنزانة ليست كالكائنات السطحية. لا يمكن ترويضها.
فقد حاول أحدهم سابقاً ترويض وحش من الزنزانة، وكان يبدو ناجحاً في البداية، لكن في اليوم التالي، عندما دخل الزنزانة مجدداً، كانت الوحوش قد أعادت ضبط حالتها، ونسيت كل ما كان.
"عوو..."
خفض الذئب رأسه، لكنه استمر في النظر إلى "دار" بنظرة خجولة... كانت نظرة بريئة.
"تشش..."
زفر "دار" بغضب.
"هذا المخلوق يعرف كيف يتصنّع اللطافة؟"
لكن... قال إنه لن يهتم به، ولن يهتم به! لا يتوقع منه أي تعاطف!
بعد لحظات...
"أحذّرك، إن تحركت فسأكسر عنقك."
كان "دار" قد أمسك رقبة الذئب بيد، وبدأ يلف ساقه المصابة باليد الأخرى.
لا يمكن استخدام جرعة علاج عليه، فهو بالكاد يملك ما يكفي لنفسه.
لكن الذئب ظل ساكناً، مختلفاً تماماً عن وحوش الزنزانة الأخرى. ربما كان فصيلة خاصة؟
إن كان كذلك، فلعل الاهتمام به أمر منطقي.
"آه يا دار... ألم تقل إنك لن تعتني به؟"
تنهد، شاعراً وكأن الذئاب ستظل تطارده طوال حياته.
كان جسد الذئب الصغير مليئاً بالجراح، والدم ينزف بغزارة.
وفي ذراع "دار"، التي أصيبت خلال المعركة، سالت قطرة دم من الذئب... والتقت بجراحه.
"همم؟"
نظر حوله فجأة. دون أن يدري، بدأت همسات خافتة تتسلل إلى أذنيه.
الأصوات تتردد... والرؤية تغيم أمام عينيه.
"عووووو!"
عواء ذئب حزين شق السماء.
ارتجف "دار" بعنف. ووجد نفسه فجأة واقفاً عند مدخل حصن فارون!
لكن... هذا ليس جسده!
ثم سمع صوتاً هامساً بجانبه:
"اذهب، أطفئ المشاعل الثلاثة... دم الذئب الذي تريده بانتظارك."