دوسليبو هو أحد ملوك السماوات الأربعة التابعين لجماعات القتال في العِرق الشيطاني.
وكل ملك سماوي من العِرق الشيطاني يمتلك عدة فرق قتالية، وتنقسم كل فرقة إلى وحدات صغرى يقودها جنرالات. ودوسليبو هو القائد الأعلى لإحدى تلك الوحدات.
قد يبدو كأنه شخصية ثانوية... لكن في الحقيقة، هذه مكانة تُعَدُّ فوق عشرات الآلاف من الأرواح؛ فكل قائد وحدة هو مرشح لمنصب الجنرال، وليس من المبالغة أن يُلقب بـ"نائب الجنرال".
وحده قادر على تدمير مدينة فال، لكنه اختار، لسبب ما، أن يفسد المدينة بهدوء في الخفاء، مستعينًا بعدد من تابعيه ودُفعاتٍ من "البيضات الشيطانية" لزيادة عدد المُشوَّهين، حتى نجح أخيرًا في تحويل المدينة إلى "مدينة من لحم ودم"!
لكن لماذا فعل هذا؟ ما المكسب من تحويل مدينة فال إلى معجزة لحمية؟ ما جلبه ذلك إلا حملة تطهير غير مبررة!
أصل كل هذا يعود إلى تغيّرٍ وقع داخل العِرق الشيطاني: الكاهن القديم، الذي كان متمسكًا بالتقاليد، قُتل، وخلفه كاهن جديد تمرد على كل الأعراف، وبدأ سلسلة إصلاحات واسعة.
وكانت تلك الإصلاحات ما دفع دوسليبو لأن يستميت في إنشاء معجزة على هذه القارة.
"هل تم تسجيل كل شيء؟"
في بركة من الدم، كان يحتسي سائلاً أحمر، قد يكون نبيذًا أو دمًا طازجًا، بكل هدوء، في مشهد يتناقض مع سلطته الرهيبة.
"نعم يا سيدي، كما طلبت، تم ملء عشرة أحجار ذاكرة"، أجابه تابعه، شيطان على هيئة خفاش يُدعى كيجِي، بانحناءة.
"أرسلها إلى القادة التسعة الآخرين، وآخر واحدة للكاهن."
ظل دوسليبو يبتسم برضًا،
"هذه المرة سأتجاوز الجميع بالنقاط."
"مولاي هو الخيار الأمثل للترقية إلى جنرال!" سارع كيجِي بمدحه، ثم أضاف: "قوات التحالف البشري اقتربت من المدينة، وقد أرسلتُ المُشوَّهين لصدهم، لكنهم لن يصمدوا أكثر من نصف ساعة على الأرجح."
"المُشوَّهون" هو الاسم الذي يطلقه العِرق الشيطاني على البشر الذين تم تحويلهم إلى شياطين باستخدام "البيضات الشيطانية الساقط".
انقضى يومان منذ إرسال جيش مدينة بيد رسميًا، وقوات التحالف على وشك الوصول إلى مدينة فال... والملحمة تقترب.
"جيد جدًا."
ابتسم دوسليبو، وقد بدت ملامحه خبيثة وماكرة.
"لا بأس إن مات المزيد من المُشوَّهين... فهم بشر في الأصل. هذه حرب أهلية بشرية."
رفع رأسه إلى السماء، حيث بدأت خيوط حمراء من الدم تتقاطر نحو "مدينة اللحم والدم". سواء مات البشر أو المُشوَّهون، فإن المدينة تمتص ما تبقى من أجسادهم ودمائهم.
ليس فقط قصر الحاكم، بل المدينة بأسرها تحولت إلى كتلة لحم نابض، كأن شيئًا ما يُحتضن داخلها.
لا يمكن تخيل كم عدد الأبرياء الذين أُزهقت أرواحهم لصنع هذه المدينة المقيتة.
الكره والغضب المتكدّس في اللحم والدم بدا كأنه تحوّل إلى سحب سوداء كثيفة في السماء، مظلمة إلى حدٍ جعلها تبدو وكأنها على وشك السقوط، مع دويّ الرعد المكتوم يتردد في الأفق.
"تنمو بشكل جيد..."
مسح دوسليبو على عينه، مفعّلًا تعويذة بصرية طويلة المدى، فرأى ساحة المعركة القريبة.
آلاف من قوات التحالف كانوا يذبحون المُشوَّهين بلا رحمة، فهؤلاء مجرد وقود حرب أمام مغامرين تمرّسوا على أهوال الزنزانات... وخصوصًا زنزانة معيّنة يعرفها الجميع.
وفي أقل من نصف ساعة، تم القضاء على الموجة الأولى من المُشوَّهين، وبلغت القوات أبواب مدينة فال.
هناك، وقف الجميع مدهوشين أمام البنية المشوهة المقرفة لمدينة اللحم والدم. الهالة الدموية المنتشرة حولها كانت كافية لجعل بعض الحراس الضعفاء يتقيؤون فورًا.
"هيهيهي..." ضحك دوسليبو بغلٍّ.
رأى رجلًا في لباس فاخر وسط الحشود، كان يصدر الأوامر وينظم الصفوف، خاصة بين الكهنة والسحرة.
"لابد أنه نبيل بشري..." تمتم، "يستحق أن أُمسك به."
وفي تلك اللحظة، اندفعت موجة ثانية أقوى من المُشوَّهين من تحت الأرض، متجهة نحو قوات التحالف.
لكن هذه الأخيرة لم تهلع، بل ردّت بحزم وتنظيم، كأنها توقعت هذا الهجوم سلفًا. من خلف الجنود، كانت آلات الحصار تتقدم بهدوء: منجنيقات ومقاليع ثقيلة.
"هاهاهاها، معركة حصار؟ تفكير بشري كلاسيكي."
عاد بنظره نحو المدينة وقال: "لقد صمتنا طويلاً... وها قد نسيَ العالم رعب العِرق الشيطاني. حان وقت التذكير!"
ضحك كيجِي بسخرية كذلك، وعندها أمره دوسليبو:
"اذهب إلى الزنزانة... أيقظ إخوتنا، حان وقت إرواء عطشهم الدموي."
"وعندما أُبيد البشر حتى آخر رمق، أخرجوهم كلهم، ودعوهم يذوقون اليأس الحقيقي! لا نجاة لأحد!"
"ولا تنسَ... صوّر بطولتي! ستمنحني نقاطًا إضافية."
خارج مدينة فال، وقف كارون يُحدّق في مدينة اللحم والدم بوجه كئيب.
لقد صارت المدينة تشبه قلعة عملاقة مقيتة... مجرد وجودها هو إهانة لحاكم جميعًا.
"سيدي، الأسلحة جاهزة!" أبلغ حارسه الشخصي.
"أتظن أن الحجارة المجردة تنفع أمام هذا الشر؟" رد كارون باستهزاء.
"إذاً..."
"للتعامل مع الشياطين، لا شيء أنجع من النور المقدس. احموا جماعة الكهنة جيدًا. أمّا أسلحة الحصار، فأبقوها في الخلف للاحتياط."
"أمرٌ مفهوم!"
بعد انصراف الحارس، التفت كارون إلى مرتزق ضخم يقف بجانبه.
كان الرجل عريض البنية، يضع خوذة ذات قرنين، وعباءته مصنوعة من فرو وحش مجهول، ويبدو كوحش يمشي على قدمين.
"هل تملك حقًا وسيلة للتعامل معهم؟" سأل كارون، بنبرة تشي بعدم الثقة.
"ما دمنا اتفقنا على التعاون، فلا داعي للشك." أجابه الرجل بصوت أجش، أشبه بزئير حيوان.
"لا أحد يعرف دوسليبو أكثر مني."
"..."
سكت كارون قليلًا، ثم قال:
"بعد أن يتحرّك كهنة النور، أنتم تحرّكون. لا تُلفتوا الأنظار."
لم يرد المرتزق، بل اكتفى بالتحديق في مدينة اللحم والدم بابتسامة سخرية.
وبالفعل، كانت الموجة الثانية من المُشوَّهين تستهدف الكهنة، لكنهم فشلوا، بفضل الحماية القوية التي أُحيط بها الكهنة.
وفي الوقت ذاته، أكمل الكهنة ترتيلهم، فوحّدوا قوتهم لإطلاق تعويذة نور مقدس من المستوى الملكي!
وهج ناصع، كهبوط ملاك من السماء، تجمّع فوق مدينة فال. تبددت الغيوم السوداء، واستعد الضوء لينقضّ عليها.
"رررررمممببل——"
بدأت الأرض تهتز.
"هاه؟ هل تأثير النور المقدس يتضمن الزلازل؟"
"هل أنت غبي؟ انظر هناك، اللعنة!"
شهق الجميع بدهشة.
"مدينة فال... تنهض!!"
من تحت المدينة، خرجت أربعة أرجل ضخمة تهتز... مخلوق عملاق قام من قاعدته، شاهقًا إلى مئة متر!
هذا المشهد يُذكّر بنكته قديمة من عالم Warhammer:
"ظننت أنك نُقلت إلى عالم العصور الوسطى؟ ظننت أن الوقت قد حان لتقود ثورة ضد النبلاء؟ لكن عندما تصل إلى قصر النبيل…"
"ما معنى أن القصر نفسه نَهَض؟!"
وفوق هذه القلعة المريعة، كان دوسليبو يضحك بجنون.
بالنسبة له، هذا المخلوق العملاق سيسحق البشر كما تُسحق الحشرات.
والآن، كل ما تبقى… أن يُطلِق كيجيه إخوتهم من الزنزانة، ويجعل العالم يشعر باليأس!
دخل كيجي، ذو الهيئة الشبيهة بالخفاش، الزنزانة مسرعًا وهو يصرخ بأعلى صوته:
"استعدوا لاستقبال الدماء والمجد، يا أيها الأوغاد!"
رفع الشياطين المتفرقين في الساحة وجوههم إليه، وارتسمت على ملامحهم علامات الفرح.
سأل كيجي بحيرة، وهو يرى العدد القليل منهم:
"لماذا أنتم قليلون؟"
تبادل الشياطين النظرات، وكانت تعبيرات وجوههم مترددة وغريبة. حاولوا التحدث، لكن الكلمات لم تخرج.
ابتسموا في النهاية، مع تعرق بارد، كأنهم يخفيون سرًا.
فهم كيجي الحال على الفور، وتورمت عروقه في جبينه.
"هل لا يزال هؤلاء الحمقى نائمين؟! لقد أخبرتهم مسبقًا: لا مكان للكسل اليوم!"
اندفع مسرعًا في أروقة الأنقاض البرونزية، متلويا بين الممرات المعقدة حتى وصل إلى باب مهجع.
كان الباب مغلقًا بإحكام، كأن ساكنيه لا يزالون نائمين عميقًا.
وفي زاوية صغيرة غير ملحوظة، نما ما يشبه الفطريات الغريبة، بعضها شاحب وبعضها أحمر زاهٍ. ومن يعاني من رهاب التجاويف لكان قد مات رعبًا عند رؤيتها.
لو كان الجنرال رادان، الملقب بـ"قاهر النجوم"، هنا، لعرف هذه الكائنات على الفور.
ذلك هو...
انهال كيجي غضبًا، رافعًا قدمه ليركل الباب البرونزي الضخم.
مع صوت "بوم" مدوٍ، انفتح الباب فجأة.
لكن الشياطين الممددين على الأسرّة ظلوا بلا حراك، كأنهم مصممون على مواصلة النوم.
اندفع كيجيه نحو أحدهم، وهو يسبّ:
"هل ما زلت نائمًا أيها الوغد؟ هل تجرؤ على النوم؟ أنت—"
توقف فجأة، وكاد يختنق.
كان ذلك الشيطان البدين مغطى بنموات غريبة تشبه الفطر. جسده الممتلئ كان أفضل بيئة لتكاثر الفساد، وكان مظهره مرعبًا كأنه رأى شيئًا مروعًا.
توقف كيجي للحظة قبل أن يستوعب الأمر.
يبدو أن بعضهم قد مات بالفعل.
"ما الذي يجري؟"
موجة من القلق تسللت إلى قلبه.
أمسك بعدة شياطين آخرين، ووجدهم جميعًا في الحالة نفسها!
هل هذه لعنة؟ أم وباء معدٍ؟ متى ظهر هذا في الزنزانة؟
سعل كيجي مرتين فجأة، وتحولت ملامحه إلى رعب.
"أنا… مصاب؟"
اندفع خارج الغرفة، وركل باب مهجع آخر.
ما أن فتح الباب، حتى انطلقت منه سحابة حمراء كثيفة!
"آه… أها!"
تراجع كيجي متكئًا على الجدار، وهو يسعل بقوة، محاولًا طرد ما استنشقه، لكن دون جدوى.
شعر بشيء يغرس جذوره وينمو في داخله، وكأنه على وشك أن يثمر.
المخلوق الذي أطلق السحاب كان كائنًا مستديرًا، ممتلئًا، يبدو بريئًا تمامًا.
[كائن البحر البريء – نسخة العفن القرمزي]
نعم، ما كان ينمو في الأنقاض البرونزية هو الكابوس من لعبة "إلدن رينغ"—العفن القرمزي!
قد يُعتبر مرضًا، لعنة، أو حتى هبة من حاكم غامض، لكن في كل الأحوال، أي مخلوق يصاب به يموت ببطء تحت وطأة التحلل المؤلم.
هذا العفن أشد فتكًا بعشرة آلاف مرة من السموم؛ حتى أن أنصاف الحكام الشجعان يُعذّبون من جراءه، فما بال شياطين الزنزانة!
تقيأ كيجي كمية كبيرة من الدماء، وشعر بحياته تتلاشى بسرعة.
الإرتباك والخوف ملأا قلبه. وعندما نظر خلفه، رأى أن الطريق الذي اتبعه قد امتلأ بكرات كائنات البحر البريئة التي تطلق الفساد باستمرار.
"عليّ الهروب! عليّ الهروب!"
رفرف بأجنحته وفرّ مسرعًا إلى عمق المنطقة، متمنيًا ألا يجد سُحبًا حمراء هناك، ومُترجّياً أن يعثر على علاج.
لكن في لحظة دخوله إلى العمق، ظهر أمام عينيه نصٌّ واضح:
[احذر، لا تدعهم يجدونك]
ماذا يعني ألا يجدوه؟
لم يتردد كيجي، وواصل الركض إلى الداخل.
وهناك، التقى بنظرة كائن مقوّس الظهر.
عندما رآه، شعر بحكة في عينيه، كما لو أنه رأى وميضًا أصفر من النيران.
وكانت هوية هذا الكائن الحقيقة هي—
[الرجل العجوز المحظور اللمس]
■■■■
الرجل العجوز المحظور اللمس