كانت عيناي تشتعلان بالحكة، وكأن نار الجنون على وشك أن يتجذر بداخلي.

في اللحظة التي رأى فيها كيجِي الرجل العجوز المحظور اللمس، انعكست ألسنة النار الصفراء في عينيه، وكأن عقله بدأ يحترق، تاركًا وراءه شظايا من الجنون.

فأيًّا كان نوع المخلوق، حين يُدرك أن وجودًا مرعبًا وغير قابل للفهم قد بدأ يغزوه، لا بدّ أن يعتريه الخوف، حتى لو كان شيطانًا.

صرخ كيجِي بصوت مبحوح وهرب راكضًا، ولكن نظرة واحدة فقط نحو الشيخ المحظور كانت كفيلة بإشعال جنونه.

ببساطة، مؤشر هيجانه بلغ ذروته.

"آآآآآه!!"

قبض على عينيه بكلتا يديه، يصرخ بعويل مليء بالرعب. لم يُصدر مثل هذا الصوت من قبل، حتى عندما رأى بني جنسه وهم ينهشون بعضهم في طفولته. كان هذا خوفًا لم يعهده قط؛ إنه يأس كائن ضعيف تجاه حاكم غريب لا يمكن وصفه.

حتى بعدما غطى عينيه بإحكام، ظل اللهيب الأصفر يتسرب من بين أصابعه، وكأن نيرانًا ستندلع من جمجمته في أي لحظة.

في تلك اللحظة، تمنى لو أنه يستطيع اقتلاع عينيه بيديه!

إحساس النار وهو يرقص داخل الرأس... كفيل بجعل أيّ مخلوق ينهار.

"لا، لا، أريد الخروج!"

خفض يديه، لكن مآقيه كانت مشتعلة بضوء أصفر، وبقايا إرادته جعلته يجرّ قدميه نحو الأمام بصعوبة.

لكن الظل المحنيّ والمشوّه ظهر فجأة أمامه، ولوّح بعصا ملتوية ليطعن بها كيجِي.

"ابتعد عني!"

الخوف إذا بلغ مداه، يتحوّل إلى غضب. صرخ كيجِي بوحشية، وضرب عصا الشيخ المحظور ضربة طائشة.

لقد... لمس الشيخ المحظور!

حين أدرك كيجِي الفعل المحرّم الذي ارتكبه، تبدّد غضبه، وانفجر رعبًا.

"آآآآآه——"

صرخة مزّقت سكون مدينة فال التحتية، وترددت في أنحائها، لتجعل عظام الشياطين الأخرى ترتجف، وظهورهم تتصبب عرقًا باردًا.

تبادلوا النظرات المرتعشة، وكلٌّ منهم يرى اليأس في عين الآخر.

الهروب؟ مجرد التفكير به صار ترفًا. فبوابة النقل محروسة من كيان لا يُرى، ظلّه يخيّم على المدينة، وأي شيطان اقترب منها قُطع رأسه بسكين سوداء في لحظة.

أولئك الشياطين... كانوا محظوظين. قُبض عليهم قبل أن تفتك بهم لعنة العفن القرمزي أو نار الجنون، وسُجنوا هنا أحياء.

العفن القرمزي ونار الجنون لا يظهران إلا في منتصف الزنزانة أو نهايتها. أمّا القسم الأول، فكان بالفعل منطقة آمنة نسبيًا.

لكن ما لم يفهمه الشياطين حتى الآن: لماذا ظهرت هذه الكائنات المرعبة في زنزانة فال؟ ألم تكن زنزانة؟

فعندما تُستنزف طاقة الزنزانة ، تدخل في حالة "السكون"، ولا تعود تتحرك حتى تختار عشوائيًا سيدًا جديدًا — قد يستغرق ذلك شهرين أو حتى عقودًا.

"دوسليبو" ومن معه من الشياطين اختاروا هذه زنزانة كمخبأ، تحديدًا لأنها كانت ساكنة.

لكنهم لم يعلموا أن سيدًا لا يزال هنا... غولم يُدعى "كيد"، يراقبهم في صمت قاتل.

في أنحاء زنزانة، تفتحت أزهار العفن القرمزي، وانتشرت الجذور المتعفنة في كل زاوية، جزيئات حمراء تتطاير في الهواء، وأزهار جميلة تتفتح على أجساد الشياطين المحتضرة.

في أعماق الزنزانة، كان الشيخ المحظور يسير في صمت، تتصاعد من خطواته لهب أصفر لا يمتد أبعد من موضع قدميه.

وراءه مباشرة، كان هناك خفّاش بشري يركع على الأرض، يضغط على عينيه، واللهب يتراقص في مقلتيه، بينما تمزق فمه من شدّة الألم والرعب. بدا كتمثال رعب، منحوتًا في وضعية السجود الأبدي.

حقًا... لقد تحوّل المكان إلى "منطقة محرّمة على الحياة".

في غرفة السيد، كان "غونغ تشي يينغ" يتأمل المشهد من خلال صفيحة معدنية، يردّد في نفسه:

"كلما ازداد الخطر... ازداد الجمال."

رؤية العفن القرمزي وهو يغمر أنقاض البرونز بالكامل، محوّلاً المدينة إلى عمل فني مميت... جعلته يفهم أخيرًا لماذا كان بنو العفن مهووسين بجعل "الفالكيري" تتفتح.

لكنّه يعلم يقينًا أن تكرار هذا المشهد... لا يكون إلا في حرب طاحنة بين الزنزانات.

أداء "العفن القرمزي" جعله يتيقّن أنه لا يمكن السماح لهذا الشيء بأن يتسرّب خارج زنزانة.

فحتى إن لم يُدمّر العالم بأسره، فإن "مدينة بيد" والمناطق المحيطة بها... ستُمحى من الوجود.

"لا أريد أن تتحول بيد إلى كايلِد."

"هوه، هوه، هاهاها—"

انبعثت ضحكات شيطانية ميكانيكية من أعماق المدينة. أما "كيد"، بصفته السيّد، فقد غمره الفرح حتى فقد صوابه.

تدحرجت عجلاته ذهابًا وإيابًا داخل غرفة السيادة. ذبح الشياطين منحه نشوة لا تُضاهى.

وربما لم يكن يحمل رغبة جامحة في القتل سابقًا، لكن القيود التي وضعها عليه "كيليش" كتمت مشاعره طويلًا، وما إن تحرر منها... حتى انفجر لهيب شغفه.

"مذهل، مذهل بحق، يا سيّد غودوين!" صاح "كيد" وهو يستخدم ألقابًا تشريفية لأول مرة.

حتى "كيليش"، صاحب السلطة من المستوى الرابع، لم يملك شيئًا بمثل هذه العدوى والدمار.

وكيف له أن يعرف ما هو العفن القرمزي؟ "غونغ تشي يينغ" لم يشرح له، لذا ظنّه نوعًا نادرًا من السموم.

من منظوره، ما فعله "غونغ تشي يينغ" لا يتعدى نشر بضعة "كائن البحر البريء" في زنزانة — مخلوقات تنفث ضبابًا أحمر، تُميت الشياطين في أسرّتهم!

تكلفة نسخة الفساد القرمزي من "كائن البحر البريء" تعادل تكلفة خنزير مشوي، بل إن النسخة العادية أرخص من "عفريت"!

لقد خاض معركة مدمّرة بتكلفة لا تُذكر!

بعد أن هدأ قليلاً، اقترب "كيد" وقال:

"سيّد غودوين، ماذا لو... تقدمنا خطوة أخرى؟ لننطلق ونقتلهم جميعًا!"

ضحك "غونغ تشي يينغ" وقال: "ربما يجب أن أسمّيك "شيان تشونغ"، أو حتى "بوبو"..."

ثم هزّ رأسه رافضًا:

"لا يمكننا فعل ذلك الآن."

فهو ليس السيّد الحقيقي بعد، والمدينة لا تمتلك وحوشًا كافية.

حتى إن دخلت "فال" في حالة هيجان، فلن يشعر بها أحد في الخارج... لا وحوش، لا خطر حقيقي.

وإن أراد إرسال "ساين"، فذلك قرار محفوف بالمخاطر.

أولًا: لقد هاج سابقًا، وتكرار ذلك قد يخرق المحظورات.

ثانيًا: سيُثير ذلك الشبهات حول زنزانة.

وثالثًا: علاقته بـ"كيد" ليست عميقة بما يكفي بعد.

رغم خيبة الأمل، سرعان ما عاد "كيد" إلى حالته المرحة، وقال:

"يا سيّد غودوين... حين ينتهي كل شيء، هل تسمح لي بأن أصبح تابعك؟ أريد أن أهبك هذه زنزانة."

ثم تابع بصوت خافت:

"كان مقدّرًا لي أن أخلد في النوم الأبدي... حتى أيقظني هؤلاء الأوغاد. أردت قتلهم، لكن السنين جرفت سلطتي... لذا علّقت أملي عليك."

قالها بإخلاص غريب يصدر من غولم:

"اختياري لك لم يكن مصادفة، بل ربما نعمة من إلهة القدر."

"لن أعود للنوم. حتى لو كنت غولم، فإن من شهد عجائب هذا العالم... لا يعود إلى الظلمة."

"أريد أن أترك كل شيء لك. وإن نُقلت إليك قوتي الروحية... سيتحرر جسدي من قيد السيادة، وأذهب للبحث عن خالقي."

لكن كل من يتخلى عن هوية السيّد... مصيره الموت.

رغم ذلك، بدا الأمر صفقة رابحة.

ربّت "غونغ تشي يينغ" على رأسه وقال:

"لا حاجة للعجلة. دعنا نرَ ما يحدث في الخارج أولًا. فأنت لم ترَ العالم الخارجي قط، أليس كذلك؟"

ردّ "كيد" بدهشة: "العالم الخارجي؟"

ظنّ أن "غونغ تشي يينغ" يمتلك وسيلة تواصل بالخارج، لكنه أخرج فقط كرة بلورية.

وظهرت أمامهم مشاهد من مدينة "فال"، حيث كانت "مدينة اللحم" تعلو، وجيوش الحلفاء تخوض معركة دامية تحتها.

قال "كيد" بدهشة: "ك... كيف فعلت هذا؟"

ردّ "غونغ تشي يينغ" بابتسامة:

"سأشرح لاحقًا... دعنا نشاهد العرض أولًا."

ثم وجّه بصره نحو "مدينة اللحم"، وقال في نفسه:

"هؤلاء المغامرون... لن يسقطوا هنا."

وما زاد من ثقته:

ذاك الشخص، الذي مات آلاف المرات على يد فيلق "فارون"، لم يأتِ اليوم.

هو وقطيع ذئابه... يتّجهون إلى ساحة المعركة.

■■■■■

لهيب الجنون او نار الجنون او اللهب المسعورة

ايش افضل؟

2025/07/21 · 33 مشاهدة · 1091 كلمة
Salahab
نادي الروايات - 2026