"رئيسة، ماذا اخترتِ؟"
نظرت مالو إلى البركات الثلاث الظاهرة أمامها، مترددة بعض الشيء، ثم التفتت إلى ليون.
لكن ليون لم يجبها، واكتفى بهزّ رأسه في صمت.
كان وجهه مشوشًا، متأرجحًا بين الضحك المكبوت، والجدية التي لا يستطيع التمسك بها، وبين لوم النفس وكأنه ارتكب خطأً، دون أن يعرف إن كان فعلًا قد ارتكبه.
لا أحد يعلم كيف يمكن لهذا الكمّ من المشاعر أن يتزاحم على وجهٍ واحد.
في النهاية، اختارت مالو بركة 【الضَبَاب السام】، والتي تسمح لها بترك ضباب أسود خلفها عند تفادي الهجمات. كانت واثقة بأنها لن تُشلّ بسبب السمّ.
أما تيل، فقد اختار بركة تدعى 【العجلة الدوّارة】، والتي تُضخّم قوة التصادم والضرر لديه حين يتكوّر ويتدحرج.
ويبدو أن البركات كانت قابلة للتكرار بين الأفراد.
أما ديلو، فقد ظلّ صامتًا طويلًا أمام شاهد القبر. إذ كل ما ظهر له بدا عديم الجدوى:
【هدية الرحيل: بعد الموت، يبقى جسدك متحركًا لبضع ثوانٍ ثم ينفجر ببركة ملك القبور】
【أغنية الفناء: بعد موتك، يُلهِم رفاقك سقوطك البطولي】
【زنزانة الموت: بعد موتك، تُستدعى قفص عظمي يحبس الكائن الذي قتلك】
"هل أنا حقًا مُقدّر لي أن أموت اليوم؟"
شعر ديلو أن قلبه سينفجر من القهر، واختار في النهاية بركة "أغنية الفناء".
وبعد أن اختار الجميع بركاتهم، لم يعد شاهد القبر يستجيب للعالم الخارجي. وفي اللحظة نفسها، رُفِع الختم المحرّم عن صندوق النقل في نهاية الغرفة.
"هل يُفترض بنا أن ننتقل للمنطقة التالية عبر فخ النقل؟"
كان ليون يتفكّر في سبب هذا التصميم. ذكر شاهد القبر أن الزمكان هنا مضطرب، ولهذا لا توجد وسيلة عبور سوى عبر النقل؟
تخمين جيد!
فجأة، هجم غابال بسيفه، فانشطر الجدار فورًا، وانكشفت وراءه ظلمة لا قاع لها.
أخذ حجرًا صغيرًا وألقاه داخله... لكن لم يُسمع له ارتطام، وكأنه اختفى إلى الأبد.
"أستاذ!" اندفع ليون بسرعة، خائفًا أن يكون هناك خطر، لكن لحسن الحظ، لم يحدث شيء.
"ظننت أني سأجد ممرًا خفيًا." قال غابال وهو يهزّ رأسه. "طوال الطريق، كنتم تتحدثون عن أبوابٍ خفية تظهر بعد ضربة سيف."
في الواقع، كان الفريق قد تبادل باستمرار معلومات حول زنزانة ساين، الصغيرة منها والكبيرة.
الجميع كان يعرف هذه المعلومات مسبقًا؛ لكنهم كانوا يخبروها لغابال، بطريقة غير مباشرة: "يا عجوز، طرقك قديمة، تعال وانظر كيف الجيل الجديد يفتح الزنزانات!"
لكن لا أحد يجرؤ أن يقول ذلك مباشرة لقدّيس السيف.
"آه، هذا..." تمتم ليون. من الضروري أن يشرح لمعلمه لاحقًا أن الأبواب الخفية ليست في كل مكان.
لكن غابال كشف أفكاره وقال: "كنت أبحث عن عذر لأتدرّب. هل تظنني لا أفهم؟"
لكن من ينظر إليه، يصعب أن يعرف إن كان يمزح أم جادًا.
فُتح صندوق النقل مرة أخرى، وانتقل الجميع إلى غرفة جديدة تُشبه السابقة، لكن هذه المرّة... كانت مليئة بالوحوش.
جميعها هياكل عظمية!
سواءً كانت مرفقة بعجلات، أو متدثرة بخرق وتحمل مناجل، أو مدرّعة تحمل سيوفًا ضخمة، فإن القاسم المشترك بينها: عظام صِرفة.
وكان عددها يفوق المئة!
اندلع قتال عنيف فورًا.
هل سبق لك أن رأيت عشرات المحاربين الهياكل يقفزون معًا ويهجمون بحركة "شقّ الجبل"؟
الفريق رآها الآن... وكانت مشهدًا لا يُنسى.
تفادوا بسرعة. ديلو نشر درعه السحري كعادته، لكنه تكسر فور ظهوره، شمل الجميع في الداخل، بينما غابال خرج منه طوعًا.
وقف بلا حركة، يده على غمد سيفه دون أن يسله. وسط وابل الوحوش، أغلق عينيه كأنه في سباتٍ هادئ.
لم يكن قد سحب سيفه بعد، لكن الهالة الحادة بدأت تنبعث من حوله، ونيّة السيف تصعد إلى السماء.
كان قد تلقى "معلم السيف" من الموتى. بركة ملك القبور كانت فعلًا معجزة؛ حتى قدّيس السيف حقق اختراقًا. شعر الآن وكأنه قادر على شقّ كل شيء.
إحساس ساحر، رغم أن الثمن هو الموت إن لمسته الوحوش.
لكن الوحوش تجنّبته، وهاجمت الباقين.
اندفعت عدة عجلات عظميّة نحو الحاجز.
كان من المعلوم أن هذه العجلات قادرة على تحطيم الحواجز السحرية بسهولة.
"أنا سأتكفّل!" صاح تيل، وجثا فجأة على الأرض، ملتفًا حول نفسه.
وضعية قتال من أنقى نوع!
"اركُلني!" صرخ.
تردّد ليون للحظة، ثم سدد له ركلة قوية!
انطلقت مهارة 【العجلة الدوّارة】. تسارع تيل بشكل هائل، واصطدم بالعجلات العظمية!
تناثرت شظايا الهياكل؛ لقد انتصر تيل!
لكن... أين هو؟
"ساعدوني! علقت!"
قوة التصادم كانت هائلة، حتى أنه علق في الجدار، نصف جسده غاطس داخله.
لو تقدّم أكثر بخطوة، لأصبح كالحجر الذي اختفى في الظلام.
"منظر مقرف." قالت مالو وهي تصرف نظرها.
مظهر تيل حاليًا يمكن تلخيصه في:
كائن غير بشري، ملتصق بالحائط، مؤلم للنظر
"ننقذك لاحقًا!" صرخت مالو، وواصل الجميع القتال.
ليون كان يتردّد طوال الوقت، يمد يده إلى أسفل ظهره كأنه يريد رمي شيء... لكنه تراجع.
ليس لأنه خائف، بل يتساءل: "هل يمكن تسميم هياكل عظمية؟"
على الأرجح لا.
أشار إلى ديلو، الذي فهم فورًا، وألقى عدة تعاويذ بطيئة على مجموعة من الوحوش، كافية لتأخيرهم لثوانٍ.
لكن ذلك كان كافيًا.
تأثير سلبي تم تفعيله!
ارتفعت معنويات ليون. اندفع للأمام، وراح يحصد العظام كأنها قش.
وحين بدأ الفريق يتعب بعد أن قضى على نصف الوحوش، تحرّك جعفر أخيرًا، وأنهى الباقين بسرعة البرق.
ظهرت رسالة:
"لقد اجتزتم محنة الخدم الأوفياء لملك القبور. حان وقت مواجهة الهاوية الحقيقية."
وحصلوا على إنسانيّة أخرى.
في هذه الغرفة، ظهر مذبح من العدم. اقتربوا منه، فظهرت لهم خاصية: تقديم إنسانية مقابل بركة.
لكن… ألم يكن ذلك يحدث أمام شاهد قبر؟
ثم ظهرت البركات.
"هاه؟"
تفاجأ ليون.
كل بركة كان لها رمز صغير في نهايتها.
في المرة السابقة، كانت كل البركات سوداء بخلفية نصّ أبيض، ورمز في نهايتها عبارة عن جماجم متلاصقة... ترمز إلى ملك القبور.
لكن هذه المرة، ظهرت رموز أخرى!
【حماية الشمس: تتلقى بركة الشمس، تُعزّز بُنيتك وتقلّ الضرر】
【قفزة الهيكل: تكتسب قدرة القفز الخاصة بمقاتلي العظام】
【حصاد السموم: حين يتأثر العدو بحالة سلبية، تتعزّز روحك وقوتك القتالية】
الأخيرة تطابقت مع التي اختارها ليون سابقًا... فلماذا ظهرت مجددًا؟
البركتان الأخيرتان تحملان رمز ملك القبور، لكن الأولى… خلفيتها ذهبية، ورمزها: شعار الشمس!
"هل هذه بركة من غوين؟"
إذًا ليست كل البركات من نيتو.
ليون احتار بين "حماية الشمس" و"حصاد السموم".
من جهة، يحبّ كل ما له علاقة بالشمس وغوين. من جهة أخرى، فضوله نحو تقوية البركة السابقة كبير.
بعد تردد، قال: "آسف، أيتها الشمس."
واختار "حصاد السموم" مجددًا.
"تم تعزيز بركة ملك القبور."
اختيار نفس البركة يعزّزها!
آلية جديدة! لم تُذكر في أي زنزانة من قبل!
زنزانة ساين… دائمًا تفاجئه.
حصل غابال على بركة 【سيف الجحيم】، والتي تجعل ضرباته تتجاهل دفاع العدو وتُحدث ضررًا حقيقيًا، مقابل تسريع تراكُم الحالات السلبية عليه.
كلما قويت البركة... زادت آثارها الجانبية. لم يعلم أحد السبب.
انتهى الجميع من اختيار البركات، وتقدّموا.
لكن أمامهم ثلاثة صناديق نقل.
ثلاثة!؟
أيهم يختارون؟
لو كان الوضع عاديًا، لانقسموا. لا ضرورة لإكمال الزنزانة دفعة واحدة؛ بل كل محاولة استكشاف تجمع معلومات.
خصوصًا أن حب الاستطلاع كان يُحرّكهم. فالمغامرين مستعدون لمشاهدة تنّين يتزاوج مع أرنب بدافع الفضول.
لكن طالما غابال موجود، فالأفضل أخذ رأيه.
"سآخذ هذا." قال وهو يشير إلى الصندوق الأيسر.
كاد الجميع يتبعونه، لكنه أوقفهم.
"اختاروا بأنفسكم. فليس من الجيد أن تتبعوني بشكل أعمى"
"لكن، أستاذ..."
"اذهبوا. أرى الشرارة في أعينكم." قال مبتسمًا، كجدّ حكيم عطوف. "اختر طريقك بنفسك. ثم... أرغب في الاستكشاف منفردًا."
"أنا فقط... كنت أريد التشبّث بساقك يا معلمي..." تمتم ليون في نفسه.
لكن فات الأوان لقولها علنًا.
"ننقسم؟"
"ننقسم!"
ليون ديلو اختاروا الصندوق الأوسط. تيل ومارو اختاروا الأخير.
"لو أن حكايات الشعراء كانت حقيقية، لانقسامنا هذا يعني نهايتنا." قالت مالو مازحة.
"لكن الاستكشاف هو جوهرنا." أجاب تيل.
قوتهم كانت كافية لدرجة أن كل ثنائي يُعادل فريقًا من رتبة برونزية.
لن نموت بهذه السرعة. لا تقلق.
فُتح صندوق النقل، وأغمض ليون عينيه استعدادًا للمشهد القادم...
لكن المشهد... تأخّر.
【أثناء عبورك الزمكان المشوّش، لمحت جزءًا من الزمن:】
【في فضاء مليء بسائلٍ لزجٍ، رأيت تنينًا أسود ضخمًا، يلتهم الظلام بشراهة. لم تستطع أن تُحدد إن كان مستمتعًا أم لا.】
【لاحظ وجودك، وبدت لمحة جنون في عينيه. قدّم نفسه باسم "ميدير"، وبقايا وعيه دعتك:】
"هل ترغب في تذوق قضمة؟"
【الخيار الأول: اقبل الدعوة، وابتلع الظلام بشراهة.】
【الخيار الثاني: ارفض بأدب، وغادر المكان.】
【الخيار الثالث: اركل ميدير وقل له: "توقف عن أكل القمامة!"】
■■■■■
ميدير