【وأنت ترى الناجين المرتجفين، تتّخذ قرارك.】
【الخيار الأول: امنحهم السلام.】
【الخيار الثاني: اترك وراءك أدوات كافية لحمايتهم.】
【الخيار الثالث: غادر مباشرة.】
لم يُفكّر دار كثيرًا؛ اختار الخيار الثاني بوحي من ضميره، وترك خلفه أدوات تكفي لحماية أولئك الناجين.
【لقد اخترت ترك العقد الفضي. هذا الأثر المقدّس، الذي أنعمه الملك غوين، قادر على صدّ كل تآكل للهاوية، وجعل ظلامها يتراجع. لا شكّ أنه سيحمي من تبقّى من البشر.】
... غوين!؟
عند رؤية هذا الاسم الثقيل، أدرك دار فجأة مدى قيمة العقد الفضي الذي تركه.
من يكون هذا الفارس بالضبط، ليحصل على أثرٍ إلهيّ من سيد الشمس ذاته؟
من منظور "إلهي"، يمكن للمراقب أن يخمّن هويّة الفارس، لكن من وجهة نظر دار، ونظرًا لغياب المعطيات، لم يستطع الربط بينه وبين "فارس الذئب".
لم يكن يعلم حتى أن "السير في الهاوية" هو قدرة فريدة تُمنح لمن يبرم عقدًا مع مخلوق هاوية.
شعور خفيف من الندم تسلّل إلى قلبه. لمجرّد قراءته لوصف العقد، أدرك أنه سلاح فعّال ضد الهاوية. وبدونه، فإن المعركة المقبلة ستكون أخطر بأشواط.
كان من أولئك الذين يغوصون في النصوص كما لو أنهم يعيشونها، وبدأ بالفعل يفكّر في ما يجب فعله لاحقًا.
【لقد اتخذت القرار الذي رأيته صائبًا في قلبك. ومهما كانت العواقب، لن تندم عليه.】
【أنت ورفاقك تتوغّلون في أرض موبوءة بالهاوية، تقطعون أشلاء الوحوش واحدًا تلو الآخر، وتتقدّمون بعزم نحو الظلمة التي يسكنها ربّ الهاوية.】
【لكن، دون حماية العقد الفضي، فإن هجمات وحوش الهاوية تُلوّثك شيئًا فشيئًا، وتبدأ بالفساد.】
【نلت نعمة: عدوى الهاوية】
【ظلمة الهاوية بدأت يتآكلك. رغم أن الجرعة ضئيلة، إلا أنها كافية لسلب حياتك والتأثير على حالتك العقلية. كل قفزة زمنية ستُعمّق العدوى.】
【نلت نعمة: تمجيد الناجين】
【الناجون الذين أنقذتهم سيتذكّرون بطولتك إلى الأبد. سيصلّون من أجلك، وقد تجلب هذه البركات الطيبة تأثيرات غير متوقّعة.】
وقبل نهاية الحدث، رأى "نفسه" يُقاتل وحوشًا غريبة وسط الظلمة. سحر تلك الكائنات أصابه وعمّق عدوى الهاوية تدريجيًا، لكن "هو" لم يتوقّف رغم جراحه، وراح يلوّح بسيفه الضخم قاطعًا جميع الغرباء.
ثم تغيّرت المشاهد. احتشد الناجون حول العقد الفضي، وراحوا يطأطئون رؤوسهم ويصلّون للفارس، تحت نور ينبعث من الأثر المقدّس.
ما وراء الضوء، كانت الهاوية تمور وتراقب بصمت، كما لو أنها تتربّص بمصيرهم النهائي.
عند خروجه من الحدث، بقي دار شاردًا للحظات.
ما الذي يعنيه هذا الخاتمة؟ هل لم يتمكّن الناجون في النهاية من الإفلات من أنياب الهاوية؟
هبط مزاجه قليلًا.
شعر أن كل القصص التي شهدها داخل زنزانة ساين... محبطة.
سواء كانت "نار المخيم"، أو "فيلق فارون الموتى الأحياء"، أو حتى هذا الفارس والناجين، فالجميع بدا أن مصيرهم واحد: لا امل.
النار كانت تُنقل من يدٍ إلى يد بفضل تضحياتٍ مستمرة، لكن، ماذا لو لم يعد أحد راغبًا في التضحية؟ حتى الآن، أولئك الذين يدرسون زنزانة ساين ما زالوا يجهلون الحقيقة الكاملة بشأن "نار".
أما فيلق فارون، فقد فسد هو الآخر في معركته ضد الهاوية، وأعضاؤه جنّ جنونهم الواحد تلو الآخر. وفي النهاية، سقط فيلقهم في صراع داخلي لا نهاية له، ولم يبقَ سوى شخصٍ واحد، ينتظر النهاية وحيدًا.
أما الناجون، فقد وجدوا في العقد الفضي هدنة مؤقّتة، لكن دون قدرة حقيقية على الفرار من الأرض الموبوءة. مصيرهم... كان كذلك يأسًا.
اللعنة، ألا يوجد في زنزانة ساين قصة مفعمة بالحب والنور؟
كلما تأمّل دار تلك الحكايات، ازداد إحساسه أن الحقبة القديمة كانت حالكة السواد، حتى إن مزاجه تأثّر بذلك.
"لا يزال هناك أمل! الفارس مضى فعلًا لمواجهة سيد الهاوية. إذا تمكّن من هزيمته— لا، بل سيهزمه حتمًا! حينها يمكن إنقاذ جميع الناجين."
قال ليون ذلك بعد أن استمع لرواية دار عن الحدث.
رفع دار بصره، متأمّلًا تعابير وجهه. ظنّ أنه يواسيه.
لكن وجه ليون كان مشعًّا باليقين والسموّ، يشعّ منه الإيمان بعدالة القضية والثقة التامة بانتصار النور على الظلام. ما يعني أنه فعليًا، كان يؤمن أن الفارس قادر على الانتصار.
تحرّكت شفتا دار، لكنه لم يقل شيئًا في النهاية. تمتم في سرّه: "شخصيته متفائلة جدًا، لكن لماذا أسلوبه القتالي بهذا القدر من... البرود؟"
كان يشعر دومًا أن ليون متناقض: أفكاره نبيلة، لكن قتاله "خبيث". ومع ذلك، لم يكن الأمر مزعجًا... بل وجده ممتعًا نوعًا ما، وشعر أن بينهما رابطًا يستحق البناء.
رابط؟ نعم، لكنّه أقسم ألا يتعلّم أسلوبه القتالي!
أبدًا!
بالمقارنة، كان الحدث الذي مرّ به ليون هذه المرة أبسط بكثير. التقى بساحرٍ سأله إن كان يرغب في إنفاق أرواحٍ لتعلّم السحر.
الأرواح التي تُحصَل من المراحل الشبيهة الروغلايك تُحسب بمعزل عن الأرواح الأخرى في زنزانة ساين، ويمكن استخدامها كعملة في بعض الأماكن.
نظر ليون إلى الاختيارات المتاحة. لم يكن هناك سوى ثلاث تعاويذ:
حصى الأحجار الكريمة، حصى الأحجار الكريمة السريعة، قوس الأحجار الكريمة.
الثمن لم يكن المشكلة، إنما المشكلة الحقيقية كانت... أنه لا يمتلك عصًا سحرية، لذا حتى لو تعلّمها، فلن يكون لها نفع. وهكذا، لم يتعلّم شيئًا.
لو كان جابار هنا، لابتهج؛ لطالما أراد تعلّم السحر.
هذه "الأحجار الكريمة" بدت مألوفة له، كأنها شيء ذُكر على لسان أساتذة رابطة السحر. ربما سيكون لهم اهتمام بهذه المنطقة.
فكّر ليون في الأمر. لم يكن على تواصل مع أولئك السحرة، وسمع أنهم ليسوا ودودين كثيرًا. لذا قرّر إبلاغ درو، وترك له الخيار في ما إذا كان عليه التواصل معهم.
رغم أن الاحتمال ضئيل، إلا أنه سبق ورأى درو يشتم الأساتذة طوال الليل، دون أن يكرّر الشتيمة ذاتها مرتين.
في المراحل اللاحقة، بعد هزيمة الوحوش النخبة، كانت قوّة الوحوش تزداد، لكن المغامرين أيضًا ظلوا متماسكين بفضل "البركات". طالما أن البركات لم تكن سيئة للغاية، يمكنهم مواكبة الوتيرة.
ليون استخدم نعمة "رقصة سيف ملك القبور" ليُصفّي ما تبقى من الوحوش، ثم دخل المرحلة التالية ليواصل القتال.
شراسة القتال داخل نمط الروغلايك كانت أعلى بكثير من خارجه. ففي الخارج، حتى مستنقع فارون كان يحتوي على مناطق هدوء، وكثافة الوحوش لم تكن بهذه الدرجة.
الضغط الناتج عن القتال المستمرّ كان تحدّيًا، لكنه أيضًا فرصة. فذلك "الإدراك القتالي" لا يُكتسَب إلا من خلال معارك كثيرة؛ فالعباقرة لا يولدون، بل يُصقلون.
ورغم أن التعزيزات الناتجة عن النِعم تتلاشى بعد الخروج من الروج-لايك، إلا أن "الإحساس" الذي يتركه بلوغ مستوى أعلى، يظل راسخًا في أعماق المرء. ولعلّ هذا هو ما يسمّيه البعض "بصيرة قتالية".
الانغماس في بصائر قتالية عالية المستوى مسبقًا... فرصة نادرة لمَن يطمح للتقدّم في درب السيف.
كان دار يحرز التقدّم الأسرع. نعمتا 【عدوى الهاوية】 و【مراقب الهاوية】 شكّلتا دورة مثالية: كل قفزة زمنية تُعمّق العدوى، وفي الوقت نفسه، تزيد قوّته.
وحين وصلت العدوى إلى منتصفها، شعر وكأنه قادر على مصارعة قدّيس السيف بيده المجردة!
...مجرد وهم. العدوى جعلت حالته الذهنية متضخّمة.
تعاون الاثنان على هزيمة الوحش النخبوي الثاني. وهذه المرّة أيضًا، لم تسقط أي شظايا من اللوحة. ربّما كان معدّل إسقاط هذه الشظايا منخفضًا أصلًا، وما حدث سابقًا مع ليون كان مجرّد ضربة حظ.
"هل أنت بخير؟" سأل ليون، وهو يحدّق بقلق في دار، الذي بدأ جسده يُظهر آثار طينٍ أسود.
"أنا بخير، بل في أفضل حال!" قال دار، وهو يشعر بقوة لا تنضب تتدفّق في عروقه. العدوى تجاوزت النصف.
لم يجد ليون ما يقوله، ففتح صندوق الانتقال ودخل الغرفة التالية.
هل ستكون المرحلة المقبلة قتالًا أم حدثًا؟ كان يأمل في حدث؛ فهو يفضّل الحكايات.
لكن المشهد الذي استقبلهم... جعل ركبتيه ترتجفان.
لم تكن إحدى تلك الغرف المتكرّرة، بل هوّة عظيمة تعصف بها الرياح العاتية.
كانا يقفان على حافة هاوية. في الجهة المقابلة، بدا أن هناك شيئًا... لكن المسافة بينهما تقارب الكيلومتر!
ولا يوجد شيء في المنتصف. فكيف يفترض أن يعبروا؟
افتقد ليون وجود درو. لو كان هنا، لاستطاع استخدام تعاويذ الطيران.
【سحرة رايا لوكاريا طوّروا تقنية تُدعى "الجسر الخفي"، ويدعونك لتكون أحد المختبرين.】
【كلما تقدّمت على الجسر الخفي، زادت المكافآت التي يمنحك إيّاها السحرة.】
【لكن، رجاءً انتبه: الفخاخ على الجسر... أيضًا غير مرئية.】
"الجسر الخفي؟"
تذكّر أنه قرأ عنه في تقارير نقابة المغامرين. كثيرون واجهوا هذا النوع من الفخاخ في المناطق السفلية من زنزانة ساين، لكنه لم يُجرّبه بنفسه من قبل.
"هشششش~"
رياح عاتية تُزيح السحب الداكنة. مجرّد الوقوف هناك يجعلك تشعر أنك ستُقذَف بعيدًا. نظر ليون إلى أسفل؛ الهوّة لا قاع لها. السقوط هنا يعني الموت المحتوم.
السؤال الآن: من أين يبدأ هذا الجسر الخفي؟
يبدو أنه لا حاجة للتفتيش، لأن حجرًا متوهّجًا طفا في الهواء، وكأنه يُرشدهم.
"يوجد شيء هنا"، قال دار وهو يلتقط كيسًا ممتلئًا بأحجار قوس القزح — أحجار مشعّة تُستخدم لتحديد الطرق.
"إذًا... نبدأ؟" قال ليون بشفاهٍ جافّة. للحظة، شعر برُهاب المرتفعات.
ربّما أُصيب به من مالو.
رما الاثنان حجر قوس قزح للأمام، فتوقّف الحجر بثبات في الهواء.
ثم انحنى ليون على الأرض، بلا مبالاة بصورته، وراح يتحسّس الهواء أمامه. أراد معرفة مدى عرض الجسر الخفي، ليكتشف أنه يبلغ مترين.
لا بأس، أوسع مما توقّع. يمكن حتى الرقص عليه.
طالما أنهم يستخدمون الأحجار لاختبار الطريق أثناء التقدّم، ومع بعض الحذر، فلن تكون هناك مشكلة. الحصول على كل المكافآت عبْر الجسر، مسألة وقت فقط.
تحرّك ليون بخطوات صغيرة، بدا حذرًا للغاية، قطعًا ليس لأنه جبان.
لكن، بعد مضيّ بعض الوقت، تذكّر فجأة سؤالًا مهمًا:
...أين الفخاخ، تلك الأسطورية؟
لو كانت زنزانة عاديّة، لما أقلقه الأمر. لكن هذه زنزانة ساين، ولا مجال فيها للاسترخاء.
"أعتقد أنني أرى الفخاخ،" قال دار فجأة، مشيرًا للأمام.
نظر ليون، ووقع في صمت مذهول.
على بُعد خمسين مترًا فحسب، كانت هناك عدّة وحوشٍ هزيلة ذات رؤوس مخروطية تتدلّى في الهواء، كما لو كانت تنتظر فريستها.
فجأة، بدا كل شيء غير منطقي.
"لماذا الوحوش ليست خفيّة؟" تمتم ليون. "هذا... غباء محض."
"واحد لكل جانب،" قال دار وهو يتقدّم بسيفه.
بدت الوحوش وكأنها لم تلاحظ وجوده حتى اقترب منها، عندها بدأت تتسلّق ببطء بأذرعها النحيلة.
ركل دار أحدها إلى الأسفل، وكأنه استمتع بذلك.
تنهد ليون، وهو يشعر أن هذا الفخ أقل بكثير من معايير زنزانة ساين. مملّ للغاية.
ربّما لم يعُد لدى ساين ما يقدّمه.
انضمّ هو الآخر إلى فريق "ركل الوحوش"، وبصراحة، الأمر كان مُرضيًا للغاية.
سقطت الوحوش الواحدة تلو الأخرى في الهاوية، وتلاشت بسرعة. ومع ذلك، بقي الاثنان غير مشبعين.
كانت هذه المرحلة بمثابة "مكافأة إضافية" لا أكثر.
مسح ليون جبينه، وهمّ بمواصلة السير... لكن في تلك اللحظة، سمع صوتًا غريبًا.
"غغغغغ..."
كان الصوت أشبه بشيءٍ ثقيل يتدحرج بسرعة نحوهم.
الشيء كان ضخمًا ومستديرًا؛ وإلا لما بثّ هذا الشعور الهائل بالضغط.
هل يمكن أن يكون—
كرة حديدية عملاقة؟
تحوّلت تعابير ليون فورًا إلى رعب.
وكأن هناك شيئًا مريبًا لم يلاحظه من قبل، فقد كانوا منشغلين بركل الوحوش فلم ينتبهوا.
لكن الآن، بعد أن هدأ قليلًا وفكّر...
أدرك الحقيقة:
تلك الوحوش كانت طُعمًا!