مملكة آرنور، العاصمة الملكية رولد.

يُقال إن نبلاء العاصمة الملكية هم نبلاء بحق... فهم لا يفعلون شيئًا طوال اليوم سوى الأكل والنوم—لا أكثر ولا أقل!

حتى أماكن مثل مدينة بيدي، تلك القرى الريفية المتنكرة، لا تستحق منهم حتى نظرة جانبية.

لقد مضى أربعمائة عام منذ أن أسّس آرنور الأول المملكة خلال زمن الفوضى.

حروب، صراعات داخلية، أقارب أجانب ينتزعون السلطة، وفيات مبكرة، وفيات مفاجئة... كل هذه العوامل تضافرت لتجعل دماء الملك أنزي الثالث الحالية باهتة، مشوّشة؛ وربما، في الحقيقة، انقرض الدم الملكي الشرعي منذ زمن. لكن... الدماء ليست سوى أسماء، أما القوة؟ فهي الحقيقة الصلبة الوحيدة.

ولحسن حظه، فإن أنزي الثالث قد ورث مملكةً قوية ومرتبة، تركها له والده بعد أن أخضع الدول المجاورة. كانت الجيوش في أوج استعدادها، والدوقات الأربعة على الحدود كانوا جميعًا نماذج في الولاء والإخلاص.

ولهذا، عاش أنزي الثالث حياة مترفة، خالية من القلق.

لكن يبدو أن الحاكمة أرادت أن تعلّمه معنى الانزعاج الحقيقي.

كان هناك أربع كوارث أزعجت أنزي الثالث.

الكارثة الأولى: عودة سباق الشياطين.

منذ قرن مضى، نُفيت الشياطين إلى أراضي الغرب القاحلة، بعد أن اتحدت ضدها كل الأعراق المحبة للسلام. تلك الكائنات الخبيثة، المخادعة، ظلت راقدة هناك لما يقارب المئة عام... حتى بدأت تكشر عن أنيابها قبل بضع سنوات فقط.

لا يزال أنزي الثالث يتذكر: كانت ليلة صاعقة ومطر، حين اقتحم الساحر الملكي القصر، ووجهه شاحب مذعور، حاملاً نبأ المذبحة—الشياطين أبادوا عدة مدن حدودية!

اللعنة! أولئك الشياطين القذرين، المتسولين من الغرب، جاءوا يطلبون الطعام من مملكة آرنور؟!

لكن حين أُعدّ الجيش التأديبي، اختفوا، كما لو أنهم حسبوا توقيتهم بدقة مرعبة.

منذ تلك الليلة، والهجمات الشيطانية تتكرر، صغيرة كانت أم كبيرة، سواء على الحدود أو حتى في عمق المملكة. بل وصل الأمر إلى دول الجوار... لا أحد يعرف مدى اختراقهم.

طُرحت فكرة مهاجمة الغرب، لكن الضباب السام في أراضي الشياطين جعل الجميع يتراجع.

لحسن الحظ، أثارت المجازر عزيمة الناس، فارتفعت معدلات التجنيد، وظهرت موجة جديدة من المغامرين، خاصةً أولئك الذين لقبوا أنفسهم بـصائدي الشياطين.

لكن...

القلق الأكبر كان من شائعة بدأت تتسرب من مصدر مجهول: "ملك الشياطين... على وشك العودة."

الكارثة الثانية: اضطرابات الزنزانات.

بدأ الأمر هذا العام... زنزانة تدعى ساين خضعت لتحوّل غريب.

كائنات لم تُرَ من قبل ظهرت بداخلها، والتخطيط الداخلي تغيّر بالكامل، الخطر ارتفع، وأصبحت قريبة من مستوى الزنزانات العليا.

انتشر الخبر في أوساط المغامرين كالنار في الهشيم. نصفهم قرر الذهاب فورًا... لكن ما حدث لاحقًا أوقفهم.

فقد بدأت زنزانات أخرى تتشوّه!

بعد ثلاثة أيام من خلل زنزانة ساين، تشوّهت زنزانة الغابة الخضراء، ثم زنزانة الصدى.

في اليوم الخامس: زنزانة الدم الأبيض، وزنزانة الدمى، وزنزانة التنين المائي، وزنزانة البصل.

وفي اليوم السادس، ثم السابع...

وحتى هذه اللحظة، ما زالت البلاغات تنهال دون توقف، حتى غرق مقر نقابة المغامرين في سيل من الأوراق والخريطة الممزقة.

وبينما بدأ المغامرون يتوافدون على تلك الزنزانات كما لو تم حقنهم بمنشطات، انخفض الإقبال على زنزانة ساين إلى النصف.

لا أحد يعلم، هل هذه الاضطرابات خير أم شر؟ أم أنها نذير كارثة كبرى قادمة؟

الكارثة الثالثة: المرض الغامض للملك أنزي الثالث.

"آه... هسسس..."

صرخاتٌ غريبة، لا تشبه الإنسان ولا الوحش، تتردد أصداؤها داخل جناح نوم الملك. أنينٌ مشحون بألم مكبوت، وأصوات هذيان تدوي في أذنه... حتى صاح كالمجنون.

في قاعة النوم الواسعة، لم يكن هناك خادمٌ واحد. فالملك بنفسه أمر بإخلاء الجناح.

حتى دون أمر، لم يكن أحدٌ يجرؤ على البقاء.

ذلك أن مرض الملك الغريب حين يثور... يقتل.

بل يُقال إنه يشرب الدم البشري نيئًا!

حتى الساحر الملكي الأشهر لم يجد علاجًا له، بينما كانت كنيسة النور المقدس تجهّز طقسًا للتطهير... على أمل أن تزيل النور المقدس هذه اللعنة.

لكن في الوقت الراهن، لا يوجد ما يخفف آلام الملك سوى شيء واحد:

إكسير علاج الدم!

ومن خلف الستائر الثقيلة، امتدت يد مغطاة بشعر طويل، أمسكت بزجاجة من ذلك الإكسير القرمزي، ثم...

"آه... آه... أهاه..."

تنهد مَن خلف الستارة براحة عابرة، ليلقي بعد ذلك بعشر زجاجات فارغة ومحقنة على الأرض.

"ليس كافيًا... أحتاج المزيد..."

وما لبث أن عاد الصراخ يملأ الجناح:

"آآآآه!!!"

الكارثة الرابعة: أنزي الثالث لا يملك وريثًا.

أو بالأحرى، لا وريثًا "شرعيًا".

ولهذا، حينما ضربه المرض، لم يكن هناك شخص موثوق ليرعاه.

كم هذا... بائس.

مدينة بيدي – ملاذ السكينة.

في ذلك اليوم، كان مقر نقابة المغامرين هادئًا بشكل غير مسبوق.

بعيدًا عن صخبه المعتاد، جلس الجميع بهدوء، آذانهم مشدودة نحو الطابق العلوي.

كان صوت الحطب في المدفأة، وصوت عقارب الساعة العتيقة... واضحين تمامًا وسط هذا الصمت الغريب.

كلما دخل شخص جديد وصرخ، ناله سيل من النظرات الغاضبة، ثم لحق بالبقية دون أن يفهم لماذا.

السبب بسيط:

شخص ما اكتشف خريطة سرية لزنزانة ساين!

المنطقة التي تُنتج مكونات طعامٍ خاصة، تم كشفها بهذه السرعة!

الآن، المكتشفون في الأعلى، يتفاوضون مع مسؤول النقابة، ليبيعوا المعلومات بسعر مناسب.

ما إن يتم التأكد من صحتها، ستُعرض الخريطة للبيع للعامة، بسعر رمزي... لا يزيد عن ثمن وجبة.

الكثير من المغامرين كانوا مستعدين للدفع. ليس فقط للحصول على المعلومات، بل أيضًا...

لتكريم من اكتشفها.

المغامرة ليست دربًا فرديًا،

بل قصة جماعية يخوضها الجميع سويًا.

من يكتشف المعلومة أولًا، يفتح الطريق للآخرين... سواء باعها أو وهبها، طالما كانت صحيحة ونافعة—فإنه يستحق الاحترام.

كان البعض ينتظر ليأخذ الخريطة مجانًا بعد أيام.

لكن... هل من اشترى الخريطة أحمق؟

قطعًا لا.

"تك... تك... تك..."

خطوات خفيفة على السلالم. نزل رجل نحيل، ملامحه نصف إلفية. أحدهم همس:

"إنه غيرولت عديم الظل! يُقال إنه يمتلك موهبة فريدة، نادرة، تمكنه من عبور آلاف الأمتار في لحظة!"

"النقابة تستعين به دائمًا للتحقق من الخرائط... يبدو أننا سنعرف النتيجة قريبًا."

"اركض، اركض، اركض!"

وبينما كانت العيون تلاحقه، تحوّل غيرولت إلى ظلٍ ضبابي، واختفى باتجاه زنزانة ساين.

ومضت الدقائق.

دقيقة... اثنتان... خمس... نصف ساعة... ساعة...

حتى...

"بااام!"

باب النقابة يُفتح بركلة عنيفة—إنه غيرولت!

حبس الجميع أنفاسهم.

كان يتصبب عرقًا، لكنه بدا غريبًا بعض الشيء...

"آآآرع!"

تجشأ وهو يمسح فُتات الطعام عن زاوية فمه، وبطنه منتفخة بشكل مريب.

ثم... ابتسم ابتسامة ساحرة، ورفع إبهامه عاليًا.

"أوه أوه أوه أوه أوه أوه!!!"

وانفجر الحشد بالهتاف.

2025/07/06 · 34 مشاهدة · 933 كلمة
Salahab
نادي الروايات - 2026