يا إلهي… فارس البوتقة!
شعرت ستيلاين كما لو أن مطرقة ثقيلة ضربة رأسها، والذكرى التي لم تكن تود استحضارها انفجرت كحمم الندم في عقلها.
كانت تلك أول مرة تقطع فيها نصفين، من عند الخصر تمامًا، أول مرة!
والمأساة أنها لم تمت حتى في معركة شريفة، بل لأن وحشًا أزرقَ أبلهَ المظهر، ووبوفيت داس على ظلها، مما شلّ حركتها تمامًا… ثم أتى فارس البوتقة قطعها كما تُفتح علبة سردين.
لو أنها قاتلت بجد، قتالًا حقيقيًّا، لكانت نجت! هي مقتنعة بذلك.
لكنها لم تعثر على الصندوق السريّ الذي يقود مباشرة إلى منطقة فارس البوتقة مرة أخرى. بل حتى لم تعُد تراه في أرجاء الطبقات السفلى. لقد اختفى، وكأنه خيال أحرقها وذاب.
بالمناسبة، لم تكن تعرف حتى أن اسمه فارس البوتقة. بالنسبة لها، كان مجرد "الوحش المدرع الغامض الذي قطعني الى نصفين".
لبضعة أيام بعدها، ظلت ترى كوابيس مرعبة، يُقطع جسدها بطرق فنية مختلفة على يد فارس البوتقة، وفي إحدى الليالي كان ووبوفيت يبتسم بجانبه، ذلك التحالف الجهنمي جعل نومها جحيمًا.
والآن… ها هو، يظهر من جديد وسط زنزانة ساين. كيف لا تُفاجأ؟
بل السؤال الحقيقي: ما الذي جاء به إلى الطبقة العليا؟
كيف من المفترض أن يواصل المغامرون الضعفاء رحلتهم إن كانت هذه الكارثة تتجول هنا؟
أرجلها ارتجفت قليلاً، لكنها لم تتراجع، بل واجهته بنظرة مصمّمة.
"همف."
لكن الشياطين رصدت الخطر قبله. وبدلاً من الاستمرار في مطاردة ستيلان، انعطفوا جميعًا نحوه. يبدو أنهم اعتقدوا أن التخلص منه أولًا سيكون حكيمًا.
فارس البوتقة لم يتكلم، لكنه رفع رأسه بازدراء واضح تجاه الوحوش التي تجرأت على مواجهته.
انطلِق، أيها الفارس المجهول!
في أعماق قلبها، شجّعته ستيلان، رغم كل شيء.
إن خُيّرت بطريقة موتها، فلتكن على يد فارس البوتقة! على الأقل مظهره… أنيقٌ ومهيب.
"آآآغوووو!"
أول من هاجم كان الشيطان الريشي، جسده مغطى بريش متصلب يلمع بلون معدني، نصفه الأعلى شبيه بطائر، لكن رأسه رأس أفعى.
لم يكن يطير، لكن دفاعه كان من الأقوى.
انطلقت ريشاته كالسكاكين، عشرات الريشات تطايرت كشلال حاد نحو فارس البوتقة.
هل ستنجح؟ مستحيل، صحيح؟ ذلك الدرع يبدو من معدن أسطوري.
"طن، طن، طن، طراخ—"
سلسلة من الأصوات المعدنية انطلقت كألعاب نارية، لكن فارس البوتقة لم يتحرك سوى لرفع درعه الكبير، صدّ به الهجمة بأكملها دون أن يتراجع خطوة.
آه، صحيح… لديه درع.
ستيلاين حدّقت بصمت، وشعرت أنها بالغت في القلق.
"غاغو؟"
الشيطان الريشي أصابه الذهول، ولم يستطع سوى إصدار صرخة غرغرة.
أما الشيطانان الآخران، فلم ينتظرا طويلًا؛ أحدهما اندفع بقوة جسدية همجية، والآخر غرس يديه في الأرض لتنبثق نباتات مشوهة، كثيفة وملتوية، نحو فارس البوتقة.
لكن فارس البوتقة خفّض درعه فجأة، وانبعث نور قديم من جسده… ثم نبت من كتفه قرن ضخم يشبه قرن وحشٍ أسطوري!
قرن البوتقة!
"غاه؟!"
شعر الشيطان الريشي بخطر مميت، لكنه لم يتمكن من الفرار.
في لحظة، انطلق فارس البوتقة كعربة شحن مسرعة، صدم الريشي مباشرة، وطار كلاهما عبر الحائط المهترئ، وتحطم المنزل الذي خلفه بالكامل.
صرخات الريشي كانت كصوت الموت، تتردد في أرجاء قرية المرضى.
"كركركرررررر—"
الغبار ارتفع. الرؤية انعدمت.
خطوات ثقيلة تقدمت وسط الدخان.
وظهر من خلال الضباب…
فارس البوتقة، وحده، يمشي ببطء، ثم رمى رأس الريشي المهشّم على الأرض، وسحقه بحذائه المدرع.
الشيطانان الآخران ترددا، أرادا الهرب، لكن شيئًا مظلمًا داخلهما تولى زمام الإرادة، فهاجما بجنون.
"وآااااااه!"
تلك كانت صرخة ستيلان… لا أحد آخر.
فارس البوتقة ركلها جانبًا، كما يُركل حجر على الطريق.
ثم، بحركته الرشيقة، دفع درعه الثقيل نحو الشيطان الضخم، وسيفه تأرجح باتجاه النباتات الغريبة.
وما لبث أن رمى سيفه، فاخترق جسد الشيطان النحيف، وثبّته على الأرض كوتد.
أما الشيطان الضخم، فانقضّ، ظنًّا أن الفارس بلا سلاح، لكن من ظهر فارس البوتقة انبثق ذيل ثقيل، لطمه كالسوط.
ذيل البوتقة!
ثم سحقه، سحقًا متواصلًا، حتى لم يتبقَّ سوى معجونٍ من لحم.
وأخيرًا، أجهز على الشيطان الأخير.
ثم… نظر إلى ستيلاين.
لكنه لم يتحرك.
ستيلان تجمدت.
كان يبدو أقوى حتى من ذاكرتِها الأولى… كيف ستنجو الآن؟
لكن الفارس ظلّ ساكنًا، كأن شيئًا ما يمنعه.
هل… سيتغاضى عن وجودها؟
ببطء، خطت خطوة إلى الوراء… لم يهاجم.
خطر ببالها خاطر مجنون: هل… سيسمح لي بالرحيل؟
هي لن تُفوّت الفرصة.
هربت.
لكن، كفتاة تربت جيدًا، استدارت لتقول شكرًا.
وما رأته… كان السيف العظيم، يكبر في مجال رؤيتها.
"هاه؟"
ثم تدحرج جسدها، ونظرت وهي تسقط لترى نصفها السفلي.
لا... ليس مجددًا...