الفصل 83: ثلاث نغمات تُبكي الموتى الأحياء

"لكن النار، في النهاية، ستنطفئ... ولن يتبقى سوى الظلام."

"لن يضيء النور هذا العالم، وستدوم الليلة إلى الأبد."

توهّج اللهيب الأول المتقد بدأ يختل فجأة.

كان المشهد وكأن الزمن نفسه يتقطّع… مع كل ومضة، كان اللهيب يضعف ويتضاءل، حتى لم يعد سوى شمعة تتراقص في مهب الريح.

ظلام لا متناهٍ أخذ يزحف من خارج الإطار، يتخمر فيه شيء رهيب، شيء مروّع، يتلوّى ويتمدد، حتى ابتلع آخر ومضة من النور.

شعر ليون بقلق عميق في صدره، عرق بارد بلّل جبينه، وقد غابت لمعة الشعر الذهبي من رأسه كأن الحياة ذاتها انسحبت منه.

قبل لمسهم لنار المخيم الثانية، لم يكن ليتخيل أنه سيرى مثل هذا المشهد.

عصر النار المجيد، ذلك العصر المفعم بالحياة المتدفقة… كل ما جمعوه من المعارف حتى الآن، سواء "رمح الرعد" أو "قسم الحجر الذهبي"، كانت تحكي عن أمجاد الأبطال، عن نور خالد وآلهة باقية.

فلماذا... لماذا بدأت النار الأولى تخبو؟

لماذا جملتان فقط كفيلتان بإغراق الأرواح بهذا القدر من اليأس؟

ذلك الانقلاب الحاد في الأحداث كان كدلْقِ دلوٍ من الماء المثلج على رأسه… منذ لحظة فقط، كان يقول إن عصر النار لن ينتهي، وها هو الآن يبدو كمهرج في مسرح المأساة.

لكن، سواء كان مهرّجًا أم لا، هذا لا يهم.

السؤال الحقيقي هو:

إذا انطفأت النار الأولى… فماذا عن عالمنا الحالي؟

التفت ليون إلى من حوله، ورأى في أعينهم مزيجًا متشابهًا من الذهول والذهول الأكبر.

أما أكثرهم انهيارًا فكان راهب اللهب.

تجمدت ابتسامته عند أول جملة، ثم ما إن رأى تلاشي اللهيب حتى سقط على ركبتيه كأنما هوى عليه جبل، يرتجف كأوراق الخريف، وقد بدا على وشك أن يصرخ بـ"هذا مستحيل!" في أي لحظة.

كانت إرادته تحثه على الصمت.

لا يجوز له إزعاج نار المخيم وهي تنقل سرد التاريخ القديم…

طالما عالمنا ما زال قائمًا، فربما... النار لم تنطفئ بعد!

ربما.

لكن مهما حاول التصرف باتزان، فإن قلبه لم يتوقف عن الاضطراب.

نظر إلى رفاقه، طالبًا العزاء. ارتاح قليلًا عندما رأى الفزع نفسه يقطن وجوههم.

حتى فارس النور ، أكثر من يعارض معتقدات عصر النار، ذاك الذي لطالما أنكر هذه الصور وعدّها خرافة... حتى هو، بدت على وجهه مشاعر مركبة من الصدمة والقلق والأسى.

وأخيرًا، أغلق عينيه، متظاهرًا بالتماسك.

أما ستِلاين، فهي الوحيدة التي نافست ليون في حبه لعصر النار. كانت مشاعرها لا تقل انهيارًا عنه… بل ربما، أسوأ.

"أولئك الذين راقبوا اللهب في الظلال، ما زالوا يطمعون فيه…"

"وحين تنطفئ النار، ويعود العالم إلى الظلام، يعود الهاوية، ويبدأ عصر البحر العميق…"

انطفأ اللهيب.

وغطّى الظلام كل شيء، كفيضان أسود لا يُرد.

عاد العالم إلى ما قبل إشعال الشعلة الأولى…

عصر تنام فيه التنانين القديمة بلا موت، لكن هذه المرة، كانت هناك وحوش أبشع.

حتى الحكام، بجبروتها، لم تصمد طويلاً في هذا الظلام.

أما البشر…

لقد بدأ عصر اليأس.

شاهد الجميع الهاوية وهي تتفجّر من تحت الأرض، مخلوقاتها تتجول بحرية، بلا كابح…

ومع اختفاء النار، فقد العالم توازنه، وصار الشيطان هو السيد.

تحولت العاصمة الملكية إلى خرائب.

وغابت الحشود.

ثم ظهرت علامة... سوداء... على أجساد الناس.

"بدأت علامة الظلام الملعونة في الظهور بين الناس…"

سكنت الأصوات، وغابت الصور… لم يبقَ سوى ظلام الهاوية، لا أمل فيه.

ساد الصمت.

ولم يجرؤ أحد على الحديث.

غاصت قلوبهم في وحل يسمى "اليأس".

ليون فتح فمه ليقول شيئًا يعيد الأمل، فلم يجد كلمات.

بل لم يجد حتى الرغبة في الكلام.

ما نقله لهب المخيم لم يكن مجرد تسجيل بصري.

بل كان غمرًا شعوريًا، انغماسًا روحيًا لا يمكن شرحه.

كان روجر، ذو القلب الأكبر، أول من استعاد هدوءه، فربّت على كتف ديلو وقال بابتسامة باهتة:

"انظر للجانب الإيجابي… نحن ما زلنا أحياء، أليس كذلك؟ ربما… عصر البحر العميق لم يبدأ بعد."

أو ربما…

ربما ما نراه الآن، ليس إلا زيفًا.

ربما ليست هذه الأحداث سوى أوهام.

لكنه لم يجرؤ على قولها بصوتٍ عالٍ، لأن رفاقه لو سمعوه، لربما قتلوه على الفور.

ورغم ذلك، فهناك الكثير من الثغرات في هذه الصور.

لا يمكن أن يكون تاريخ ألفي عام قد اختفى بالكامل…

أسماء الحكام؟ بناء العالم؟ كيف لم يُحفظ أي شيء؟

أول دروس السحرة:

انظر إلى كل شيء بعقلانية.

لكن إن كانت هذه المشاهد حقائق، وتوارثتها نار المخيم نفسها… فما السبب في اختفاء التاريخ؟ من طمسه؟ ولماذا؟

شعر روجر أن العالم، بعد انتشار هذه الأخبار، سينقسم.

فريق سيؤمن بأن الصور حقيقة.

وفريق آخر سيكذّبها.

وسيبدؤون في صراعات بلا نهاية.

لكن في النهاية، طالما لا توجد وثائق، فحتى لو قلنا إن خالق العالم هو معكرونة طائرة، سيجد الفرضية من يصدّقها!

قطّب روجر حاجبيه.

فالمشهد في نار المخيم لم ينتهِ.

لا تزال الصورة... ســــوداء.

هل هناك خلل؟ أم... شيء آخر؟

وفي لحظة الصمت… انطلقت موسيقى.

"دونغ… دونغ… دونغ…"

ثلاث نغمات فقط.

لكنها كانت كفيلة بأن تُغرق أرواحهم بالحزن، حتى أن البعض لم يتمالك نفسه وذرف دموعًا صامتة.

ثم… اشتعل اللهيب فجأة!

كان لهيبًا كثيفًا، هائلًا، لا يقل عن اللهيب الأول نفسه!

طُرد الظلام، وارتدت الشياطين مذعورة إلى الجحيم، وانسحبت الهاوية كما يعود المدّ…

الضوء عاد!

وفي المشهد الأخير، ظهرت يدان ضخمتان تمسكان بالنار.

لا… لم تمسكاها.

بل كان اللهيب يخرج منهما!

وفي اللحظة التي سبقت انطفاء المشهد، ظهر وجه صاحب اليدين…

غوين، سيد الشمس!

"من أجل بقاء هذا العالم…

توالى الأبطال، وبدأوا…"

"رحلة إشعال النار."

عند هذه الجملة…

انتهى كل شيء.

حدّق روجر في انعكاسه على بلورة سحرية بجانبه.

لم يكن بحاجة للنظر.

فهو يعرف ملامح وجهه الآن جيدًا…

مذهول.

2025/07/12 · 34 مشاهدة · 840 كلمة
Salahab
نادي الروايات - 2026