كانت "سيدي النبيل البالغ من العمر ستة وعشرين عامًا" عملاً أدبيًا غير مسبوق، تحفةً نُسجت خيوطها من شائعات جَمَعَتها جماعة "أخوية الظل"، مُطعّمة بلمسات من الخيال الجامح، ومُدوّنة بلغة أدبية رفيعة.

ورغم أن الأسماء لم تُذكر صراحةً، إلا أن أي شخص ليس بغبيٍ تمامًا كان قادرًا على أن يفهم الإشارة الواضحة إلى الكونت فيليب.

غونغ تشي ينغ تابع القراءة وقد تملّكه مزيج من الحماسة والترقّب.

تحكي القصة من وجهة نظر تاجرة ثرية وقعت في حب نبيل شاب مفلس. تضمنت القصة كل العناصر الرائجة في سوق الأدب المعاصر: حب مأساوي، مثلثات عاطفية، ذكريات حب قديم... حتى أنها تضمنت منحى شاذًا حين بدأ النبيل يتودد إلى بعض النبلاء الأثرياء.

في نهاية الرواية، ودّعت التاجرة النبيل بالدموع، بعدما خمد حبه لها. استولى على معظم ثروتها، وعاد إلى عائلته، ليصبح ربّها الشرعي، ويغسل ماضيه المُخزي بنجاح.

لحظة...

غونغ تشي ينغ أعاد قراءة السطور بتمعّن، حتى أدرك أخيرًا مغزى الرواية.

ألَم تكن هذه الرواية تُشير بوضوح إلى أن الكونت فيليب كان يبيع جسده في شبابه؟!

"هراء! هذا هراء صريح!"

الكونت فيليب مزّق المنشور بيدين مرتجفتين، وعيناه محمرتان من شدة الغضب.

"افتراء! سأعتقل وأعدم كل هؤلاء الحثالة الذين تجرؤوا على تشويه سمعة النبلاء!"

خدمه نظروا إليه بعيون غريبة.

المنشور لم يذكر اسمك صراحةً... ألا يمكنك فقط إنكار الأمر ببساطة؟ لِمَ كل هذا الهياج؟

البعض من ذوي الميول السليمة تراجعوا خطوتين إلى الوراء بهدوء، في حين أن البعض الآخر، من أصحاب الأذواق الشاذة، نظروا إلى الكونت بعينين لامعتين.

بات الكونت عاجزًا أكثر فأكثر عن التحكم في انفعالاته مؤخرًا، وكأن قوة إرادته قد تآكلت، دون أن يُدرك ذلك بنفسه.

وعندما قلب المنشور ورأى ما كُتب على الجهة الخلفية، انفجر غضبه حتى بصق دمًا.

كانت هناك قائمة بأسماء عُشّاقه السريين، مئات الأسماء، كُتبت بخط صغير مكثّف يغطي الصفحة.

كثير من النبلاء قد يتباهون بعدد عشيقاتهم، لكن فيليب لم يكن واحدًا منهم.

بل إنه لم يحب بعد زواجه سوى امرأة واحدة، والدة سالِ.

ومنذ وفاة والدة سالِ، أغلق فيليب قلبه على الحب، فلم يستطع أحد أن يضاهي تلك "الضوء الأبيض في قلبه".

"هذا تشويه بحت!"

أمر غاضبًا جنوده أن يطلقوا السهام لإسقاط منطاد جماعة الظل فورًا!

لكن السهام، كالسحر، ارتطمت بحاجز أسود يحيط بالمنطاد، ولم تقترب منه قيد أنملة.

ازداد جنونه أكثر.

وفي هذه اللحظة، بدأ الناس يكتشفون منشورات بمحتوى مختلف.

كانت تلك المنشورات توثق بتمعّن ما ارتكبه الكونت فيليب من تجاوزات وجرائم على مرّ السنين. فبعيدًا عن استغلال العمال وغش الجرعات، تطرقت المنشورات إلى قضايا أخطر بكثير.

كأن يتعمد تنظيم هجوم من الوحوش على حامية مدينة مجاورة من أجل الاستيلاء على منجم في منطقة حدودية، مما أسفر عن مذبحة، وأدى إلى إصابة ابن حاكم المدينة المجاورة – والذي كان ابنه المُدلل – بإعاقة دائمة.

تلك كانت الفضائح القاتلة.

الشائعات تدمّر السمعة، أما هذه، فتمزق شرف العائلة النبيلة إربًا.

لم يُفكّر فيليب مطولًا في كيف تمكن أخوية الظل من الوصول إلى هذه المعلومات؛ بل أمر فورًا بجمع كل المنشورات بأي ثمن!

لكن... جماعة الظل لم يكن لديهم منطاد واحد.

بل عشرة مناطيد سحرية، أطلقت بأقصى طاقتها، نشرت المنشورات على المدن الكبرى كافة. لم يعد بالإمكان إيقافهم!

كانت النسخ الموزعة في المدن الأخرى مختلفة عن تلك في مدينة بيد؛ لم تتطرق إلى الفضائح، بل قدّمت شرحًا مفصلًا لآلية تطوير "نار المخيم" داخل زنزانة سيين، ورؤية مستقبلية لها، بل واستشهدت بكلمات لعلماء بارزين.

وحتى الرؤى التي تظهر داخل نار المخيم، تم توثيقها، ثم حُوِّلت إلى ملحمة أدبية خيالية تضخّمت فيها الأساطير والمعتقدات.

وفي خاتمة المنشور، كُتبت دعوة غاضبة:

"انطلقوا! التاريخ، الأسرار، الكائنات العجيبة، جميعها وُضعت من قِبل الخالق في زنزانة ساين!"

"تسقط عائلة بيد الشريرة الجشعة! استعيدوا الزنزانة التي خُلقت للناس كافة!"

قد لا يفهم البعض مدى تأثير أخوية الظل.

لكن يمكن تلخيصه ببساطة: كل من في السلطة يكرهونهم ويريدون القضاء عليهم، لكن لم يتمكن أحد من معرفة مقرهم.

أما عامة الناس، فقد أحبوهم حد الجنون!

ليس فقط لأنهم جلبوا الترفيه إلى حياة مملة، بل لأنهم – في بعض الأحيان – فضحوا فساد السلطة، متى ما كان ذلك مثيرًا كفاية.

حاكمة "بهجة الظل"، وهي واحدة من أكثر الحاكمات غموضًا، لا يُعرف عنها شيء تقريبًا. يبدو أن جماعة الظل تستمد وجودها من بركتها.

نظر فيليب إلى المدينة وهي تُغرق بالمنشورات كما لو أن السماء نفسها سقطت عليه.

هو مجرد سيد لمدينة حدودية صغيرة؛ لا يملك القوة الكافية لتجاهل الرأي العام.

لا، فحتى دوق عظيم لن ينجو من لعنة إخوة الظل.

فكيف لكونت مثله أن يصمد؟

بات فيليب هو مادة السخرية الجديدة في الإمبراطورية.

بعد ثلاثة أيام.

منذ أن جاءت جماعة الظل، لم يخرج فيليب من قصره، حتى خدمه لم يروه.

أصبحت الفضيحة موضوع الحديث الأوحد في المقاهي والساحات. النبلاء أدّعوا عدم اهتمامهم، لكنهم سهروا ليالي كاملة يضحكون عليها.

أما المغامرون – الذين طالما كرهوا عائلة بيد – فقد وجدوا في هذه الكارثة فرصة للثأر.

جمعوا المال، واستأجروا شاعرًا غنائيًا لتحويل "سيدي النبيل البالغ من العمر ستة وعشرين عامًا" إلى أغنية شعبية، أصبحت الآن على كل لسان.

منذ ذلك الحين، انحنى رأس عائلة بيد. جنودهم خفت نبرتهم، ولم يعودوا يدفعون العمال أولًا إلى الزنزانة. الحديث عن الضرائب والرسوم أصبح ميتًا قبل أن يُولد.

الأغرب من ذلك... أن بعض العمال بدأوا يتحدثون عن وحوش لم يسبق رؤيتها: أفاعٍ تتنكر في هيئة صخور، وتنانين تُسقِط قنابل من السماء.

لكن حين اقتحم المغامرون أعماق الزنزانة بحثًا عنها، لم يجدوا شيئًا.

تلك الوحوش ظهرت فجأة، ثم اختفت كأنها حلم.

ومع ذلك، هناك شائعات تقول إن فرقة مغامرين قُتلت مؤخرًا بسبب قنابل سقطت من السماء، دون أن يتمكنوا حتى من معرفة مصدرها.

أما مدينة فال المجاورة، والتي ظلمها فيليب سابقن، فقد اشتعلت نيران الغضب فيها. أعلن سيدتها الحرب، وسعى للثأر من آل بيد.

حتى أنهم شكّلوا فرقة سحرية تُطلق مدافع سحرية على مشارف مدينة بيد كل يوم. لم تُصب أحدًا، لكنها أرهقت أعصاب الجميع.

مدن أخرى كانت قد تضررت سرًا من فيليب بدأت الآن بالكشف عن كراهيتها له، حتى أن بعضها أرسل قوات مستعدة للقتال.

في خضم هذا الفوضى، اضطُرت سالِ للخروج والمساعدة في إنقاذ سمعة العائلة.

وخلال كل هذا، بقي فيليب في عزلته، حتى ظهر أخيرًا بعد سبعة أيام.

كان شاحب الوجه، حافي الرأس، كمن خرج من كهف الجنون.

أما كلماته الأولى، فكانت:

"أغلقوا زنزانة ساين... لا يدخلها أحد بعد اليوم."

2025/07/14 · 42 مشاهدة · 973 كلمة
Salahab
نادي الروايات - 2026