---
تماسك جود بعد لحظة صمت طويلة، ثم قرر أن يقترب من النافذة ليختلس النظر إلى الخارج. وقبل أن يمد يده نحو الستارة، أمسكت كاميليا بمعصمه بقوة، وعيناها ترتجفان خوفًا وهي تهمس:
ــ لا، لا تفعل… أرجوك.
ابتسم جود ابتسامة باهتة وهو يحاول طمأنتها:
ــ لا بأس… أشعر أن الغيلان قد غادرت. سأكون بخير.
لكن كاميليا لم تستسلم، إذ قالت:
ــ فقط… انتظر قليلًا.
وفجأة، دوى في أرجاء المكان صوت طرقات قوية على الباب، جعلت الجميع يتجمدون في أماكنهم، ينظرون لبعضهم البعض بخوف، دهشة و صمت......
تداخل مع الطرقات صوت أنثوي هادئ يقول:
ــ مرحبًا… هل من أحد هنا؟
ارتفع همس القلق بينهم، لتهمس كاميليا وهي تتراجع خطوة:
ــ ماذا؟… هل… هل هناك بشر آخرون؟ لا أصدق…
كانت على وشك التوجه لفتح الباب، لكن جيسون أوقفها بحدة:
ــ توقفي! ماذا لو كان هذا مجرد فخ؟ الغيلان قد تقلد الأصوات… لا تفتحي.
قاطعتهم ليلي بجدية:
ــ لكننا سمعنا قبل قليل أصوات إطلاق نار… ربما هم بشر فعلًا.
من خلف الباب، عاد الصوت مرة أخرى:
ــ مرحبًا! أنا هنا للمساعدة… لست وحشًا. جئت لأنقذكم.
اقتربت كاميليا من الباب وهي ترتجف وسألت بخفوت:
ــ من أنتِ؟… وماذا حدث للغيلان؟
أجابتها الفتاة من الخارج:
ــ اسمي ليندا… لقد قتلت الغيلان جميعًا.
ساد الصمت، وبدت الصدمة على وجوههم جميعًا. عقد كارم حاجبيه وهو يهمس:
ــ لا تفتحوا… إنها بالتأكيد خدعة. فتاة وحدها لا يمكن أن تهزم هذا الكم من الغيلان!
لكن كاميليا عادت وسألت:
ــ هل أنتِ وحدك؟
لتقول ليندا مجدد:
ــ لا، لست وحدي… معي صديق، جئنا معًا لنساعدكم.
التفتت كاميليا إلى رفاقها وهم يتناقشون بارتباك، ثم قال جود بحسم:
ــ كاميليا… افتحي الباب ببطء، وسنكون نحن جميعًا على استعداد… كل واحد يحمل سلاحه.
تنفست بعمق ومدت يدها المرتجفة نحو القفل. ما إن فُتح الباب قليلًا حتى التقت عيناها بعيني فتاة شابة ذات نظرة دافئة بشعر اسود قصير و عيون سوداء ، وإلى جانبها شاب متماسك الملامح يحمل سكينًا. ارتسمت على وجه ليندا ابتسامة ارتياح، وقالت بسرعة:
ــ هل أنتم بخير؟… هل أنت وحدك هنا؟
لم تتردد كاميليا، فأدخلتهما بسرعة إلى الداخل وأغلقت الباب خلفهما. في اللحظة ذاتها، ارتفعت فوهات الأسلحة باتجاه الضيفين. رفعت ليندا يديها مستسلمة:
ــ انتظروا! لم نأتِ لقتلكم… نحن فقط ساعدناكم.
ليخفض الجميع أسلحتهم شيئًا فشيئًا، ليقول الياس بنبرة هادئة:
ــ لم أتوقع أن نجد هذا العدد من الناس هنا…
بادرت ليندا بالتعريف بنفسها:
ــ مرحبًا… أنا ليندا، وهذا صديقي إلياس نحن ايضا هنا عالقون في هذا المكان...
تقدم كارم بخطوة وهو يتساءل بذهول:
ــ لكن… كيف تمكنتما من القضاء على كل تلك الغيلان بالخارج؟
ابتسمت ليندا بثقة وأجابت:
ــ استدرجتهم نحو حبل حاد وجدته في احد البيوت و كنت قد ربطته بعاموديين ثم استدرجت الغيلان ناحيته ليقسمهم الى قسمين. و لاكن لم أتصور أنني سأجد هذا العدد الكبير من الناجين هنا.
أومأ جود برأسه وهو يتنفس بعمق:
ــ أجل… كلنا نجونا بأعجوبة.
وبينما كانت تتحدث، لمحها راي فجأة وتذكر ملامحها:
ــ لحظة… أنا أعرفك! ألست انت هي بطلة المقامرة الشهيرة؟
نظرت له ليندا بدهشة ثم ابتسمت حين تذكرت:
ــ آه… أجل، أنت كنت من الحاضرين في مبارياتي دائمًا! لكن… ماذا تفعل هنا؟
ثم لمحت بين الوجوه وجهًا مألوفًا آخر، لتشهق بدهشة:
ــ مستحيل! بلاك ويذ؟ المغنية الشهيرة؟ أول مرة أراك على أرض الواقع! لكن… ما هذا؟! أنتم جميعًا مشاهير! كيف… ولماذا جمعوكم هنا؟
أجاب راي وهو يرفع كتفيه بحيرة:
ــ لا أحد يعلم…
في تلك اللحظة قال إلياس بحزم:
ــ أظن أنه قد حان وقت المغادرة. يجب أن نعود قبل حلول الليل.
تدخلت ليندا باستنكار:
ــ وماذا عنهم؟
ليرد الياس بستغراب:
ــ ماذا عنهم؟ هذا مكانهم… ونحن يجب أن نعود.
وقفت ليندا امامه بعزم:
ــ لا! علينا أن نأخذهم معنا. القصر أكثر أمانًا من هنا، وهو يتسع للجميع. البقاء معًا سيمنحنا الأمل.
نظر إليها إلياس بصمت، وكأن كلماتها أيقظت داخله صدى من الماضي. وبعد لحظة تمتم:
ــ … حسنًا.
استدارت ليندا بحماس نحو المجموعة وقالت:
ــ ما رأيكم أن تأتوا معنا إلى مكان آمن بدلًا من البقاء هنا؟
ساد الهمس والتشاور بينهم. وكانت فيفيان أول من قالت:
ــ أنا أوافق… سأذهب معهما.
أمسك جود بيدها بقلق:
ــ فيفيان، لا نعرفهما بعد… لا يمكننا الوثوق بهما بهذه السرعة.
لكن فيفيان أجابته وهي تبتسم بعينين دامعتين:
ــ إنها… إنها تشبه لورا كثيرًا… انها تذكرني بها.
ــ هذا لا يكفي، فيفيان!
ــ لا بأس… سأذهب معها وحدي إن لزم الأمر.
في تلك اللحظة رفع دانتي يده وقال ببرود:
ــ حسنًا، سأذهب معهما أنا وهرمن. تبدوان قويين، وقد تساعداننا كثيرًا.
نظرت ليندا نحوه، لتلمح كتابة على رأسه: "نينا". جمدت في مكانها وهمست:
ــ نينا…؟ أين سمعت هذا الاسم من قبل؟
ابتسم دانتي بخفة بينما يلامس الاسم الذي كان على رأسه:
ــ آه، هذا اسم أختنا الكبرى.
فجأة، تذكرت ليندا ذلك المشهد القديم في القصر… حينما كانت تربط حذاءها بجوار الغرفة، وسمعت صوت فتاة تصرخ:
ــ اهربوا جميعًا! سوف تموتون! إنهم غيلان وسيأكلونكم! … اسمي نينا، انجو بحياتكم!
هزت رأسها سريعًا وكأنها تطرد ذكرى قديمة:
ــ … مجرد صدفة.
وبعد نقاش طويل، قرر الجميع أخيرًا الانضمام إلى ليندا وإلياس. خرجوا في صف واحد من المنزل، وخلفهم ظل الخوف، بينما تقدمت ليندا بخطوات ثابتة. وحين وصلوا إلى حيث الغيلان المقطعة، نظر جود بدهشة وقال:
ــ خطة ذكية حقًا…
توقفت ليندا أمام الحبل الممزق، التقطت سكينها، وقاطعته بجدية:
ــ كنا على وشك أن نُقطع مثلهم تمامًا…
ثم أكملت طريقها. وما إن وصلوا إلى القصر حتى وقفوا جميعًا منبهرين بجماله وروعة هندسته. دخلوا بسرعة وأغلقوا الأبواب خلفهم.
حاول كارم أن يشغل التلفاز، لكن إلياس قال ببرود:
ــ لا جدوى… لن يعمل.
ابتسمت ليندا للجميع وهي تشير إلى الممرات الطويلة:
ــ هناك العديد من الغرف… اختاروا ما شئتم.
ليتوزع الجميع نحو الغرف، فيما بقي جود واقفًا يراقب ليندا. كان ينظر إليها وهي تتحدث مع إلياس بعينين تحملان سؤالًا غامضًا: كيف لفتاة مثلها أن تخطط بخطة الحبل المميتة، وتتصرف بكل هذه الشجاعة؟… وكيف وجدت هذا المكان أصلًا؟انها حقا حقا رائعة......
---