---
في الغرفة الكبيرة المخصصة للفتيات في الميتم كانت تضج بالهمسات وحفيف الأغطية، عشرات الأسرّة مصطفة على الجانبين، ضوء أصفر باهت يتدلّى من السقف المتهالك، وجدران مشققة تحكي قصصاً قديمة.
على السرير الأخير بجوار النافذة جلست ليندا وروزي الأكبر سنّاً بين الفتيات. ووجههما غارق في القلق على ما جرى لإلياس .
صوت المطر الخفيف على الزجاج أعاد إلى أذهانهما ذكرى مؤلمة…
فلاش باك – قبل ثلاث سنوات
كان فناء الميتم مليئاً بالزوار، رجال ونساء بملابس أنيقة جاءوا "لرؤية الأطفال". المديرة، بابتسامة مصطنعة، كانت تمسك بيد ليندا الصغيرة أمام الحشد، وكأنها الأم الحنون.
لكن ما إن انفضّ الضيوف، حتى تبددت الابتسامة، وتحوّل وجهها إلى قناع غضب. أمسكت بعصا طويلة، وأمرت الأطفال بالوقوف صفاً.
تقدمت نحو ليندا، التي كانت قد كسرت بالخطأ مزهرية في الصباح، وضربتها أمام الجميع، ضربات عنيفة جعلت جسدها الصغير يرتجف. كانت روزي حينها تقف عاجزة، تحاول الصراخ، لكن المديرة التفتت إليها وقالت ببرود:
"من يتحدث… ينال نصيبه."
في تلك اللحظة أدركتا أن اللطف في الميتم ليس سوى قناع مؤقت، وأن العقاب يمكن أن يكون أقسى من الجوع نفسه.
نهاية الفلاش باك
عادتا إلى الحاضر، وعيناهما ما زالتا معلّقتين على صورة إلياس في مخيلتهما، وهو يُسحب منذ قليل كالمجرم امامهم.
---
في صباح اليوم التالي، اجتمع الأصدقاء الأربعة في ركن معزول خلف ساحة الميتم، بعيداً عن أعين باقي الأطفال.
تقدمت ليندا بخطوة نحو إلياس، عيناها مليئتان بالقلق:
– "هل أنت بخير… بسبب ما حدث أمس؟"
أجاب بابتسامة باهتة:
– "لا بأس… كان مجرد عقاب صغير."
لكن ويليام، الذي كان جالساً على حجر قديم، قاطعه بحدة:
– "كفاك كذباً، لقد تحملت العقاب عنا جميعاً، وأنت تعرف أن الأمر لم يكن سهلاً."
تنهد إلياس ونظر إلى الأرض:
– "لا بأس… بقي لي شهران فقط وأغادر هذا الجحيم. أما أنتم، فبقي أمامكم وقت طويل، ولا أريد أن تحقد المديرة عليكم."
ثم رفع رأسه لسماء، و تنهدا بصوت عاليا:
– "حين أخرج من هنا… سأعيش وحدي، سأجد عملاً، وأكمل دراستي في الجامعة."
ابتسم ويليام ابتسامة حقيقية هذه المرة:
– "وأنا سألحق بك."
قفزت ليندا فجأة، ووضعت يديها على كتفيهما:
– "لا يا رفاق! لقد وعدتموني أن نعيش معاً دائماً… لا أحد يترك الآخر!"
روزي، بابتسامتها المعتادة، أومأت:
– "بالطبع، نحن عائلة."
رفع ويليام نظره إلى السماء الرمادية وقال:
– "سنكون سعداء وقتها… بعيداً عن هذا المكان."
---
في المساء، كان الأطفال يلعبون الصحن الطائر، والضحكات تملأ الساحة. رمى ويليام الصحن بعيداً عن الجميع، فانطلقت ليندا لالتقاطه، تركض بخفة حتى مرّت بجانب درج قديم مغطى بالغبار. لم تنتبه لدرجاته المكسورة، فانزلقت قدمها اليسرى وسقطت تتدحرج بشكل دائري حتى وصلت إلى أسفله.
وقفت وهي تمسك رأسها، والدوار يربك خطواتها… ثم لاحظت أن باباً حديدياً المتواجد اسفل الدرج كان مفتوحاً قليلاً. فضولها تغلّب على ألمها، فدفعته ببطء و دخلت.
أمامها امتد رواق طويل وجميل بشكل غريب، مضاء بثريات ذهبية، جدرانه مزينة بلوحات زيتية قديمة، وأرضه من الرخام النقي. بدا وكأنه عالم آخر… لا علاقة له بالميتم البائس فوقه.
خطت خطوات مترددة، تنظر يميناً ويساراً، أمام غرف أنيقة مغلقة.
"لماذا يوجد هنا مكان بهذا الجمال… ونحن نعيش في العفن فوقه؟" همست لنفسها.
بينما كانت تتابع استكشافها، توقفت فجأة حين سمعت أصواتاً تقترب. اختبأت خلف عمود رخامي، تتنفس بصعوبة.
صوت رجل:
– "أريد تبني أكثر من طفل واحد… و اريدهم مراهقين لا اطفال......"
صوت المديرة:
– "أنت تعلم أن هذا ممنوع يا سيدي."
الرجل:
– "وماذا عن هذا المال؟"
صمتت المديرة، ثم ضحكت بخبث:
– "حسناً… يسعدني أن يكون هناك رجل كريم و طيب مثلك.....سوف اقول هذا الكلام لك فقط..... تستطيع تبني اكثر من طفل.... "
ثم سمعت صوت أوراق تتحرك، والمديرة تتابع:
– "هذه صورة الطفل الأكبر… اسمه إلياس. وهذه الصور لويليام، الطفل الثاني. أما هاتان، فهما لروزي وليندا. هؤلاء هم الأكبر سناً في الميتم."
الرجل:
– "ممم… جيد. يسعدني أن آخذهم جميعاً… سأجعلهم مثل أولادي."
المديرة:
– "هذا رائع يا سيدي.... سوف نجهز أوراق التبني فوراً."
وضعت ليندا يدها على فمها، قلبها كان يخفق بقوة. ابتعدت بخطوات سريعة، لكن الرواق كان طويلاً ومعقداً. لتقرر الاختباء خلف عمود رخامي اخرى...
من حسن حظها انهم لم يستديرو عند خروجهم....
لتعود إلى الساحة، و تجد أصدقاءها يبحثون عنها بقلق.
ركضت نحوهم، وابتسامة غريبة على وجهها:
– "هناك رجل ثري… يريد تبنينا جميعاً! سمعت المديرة وهي تتحدث معه."
تبادلوا النظرات بدهشة.
سألها ويليام:
– "من أين عرفتِ؟"
فأخبرتهم بكل ما رأته وسمعته.
لكن إلياس عبس وقال بحدة:
– "تبنينا؟ لا، هم يسخرون منا. من يتبنى مراهقين في عمرنا؟ هذا ليس تبنياً… ربما يريدنا للعمل أو لشيء أسوأ."
ويليام أومأ موافقاً:
– "كلامه منطقي."
لكن ليندا حاولت إقناعهم، عيناها تتلألأ بالأمل:
– "أخيراً سنعيش تحت سقف واحد… لن نفترق!"
روزي رفعت حاجبها وقالت:
– "غريب… في العادة، يتبنون طفلاً واحداً فقط، لا أربعة. أشعر أن هناك خدعة وراء هذا."
إلياس قاطعهم:
– "خدعة أو لا… لا أريد أن يربطني أحد. بعد شهرين سأكون حراً. رفضت كل الأسر التي حاولت تبنيني، ولن أغيّر رأيي."
وقفف كل من روزي و ويليام إلى جانبه، باستثناء ليندا التي ما زالت تحاول زرع الأمل فيهم… لكن الجو أصبح ثقيلاً، والشك بدأ يزحف إلى قلوبهم جميعاً.
---