---
في قلب المدينة، وتحت شمس منتصف النهار، كان المسبح الفاخر يعكس بريق المياه الزرقاء كالمرآة. المكان لا يدخله سوى الأثرياء، حيث تصطف الكراسي البيضاء المظللة، ورائحة العطور الراقية تمتزج مع نسيم الصيف.
على طرف المسبح جلس جود، بشعره الاحمر المنسدل ونظراته الواثقة، وإلى جانبه كارم، الذي كان يتجنب النظر إلى أي شخص وكأنه يخشى حتى من ظله، وكاميليا التي كانت تلمع من رأسها حتى قدميها بالمجوهرات المثبتة في أذنيها وأنفها وحتى بطنها.
من الطرف الآخر، تقدم الثلاثة الاشهر: راي وجيسون وليلي، التوائم الذين ينتمي والدهم إلى قائمة أغنى رجال البلاد. وفي الجهة المقابلة، دخلت لورا، بطلة الملاكمة لنساء، متبوعة بخطوات ثابتة وواثقة، ثم فيفيان، عارضة الأزياء الشهيرة، التي جذبت الأنظار فور ظهورها بملابس السباحة الأنيقة وابتسامتها التي تخطف الأنفاس.
لكن الأجواء الهادئة لم تدم، إذ سرعان ما اشتعلت المنافسة المعتادة: جود وراي وجيسن بدأوا يتجادلون حول فيفيان، كل منهم يحاول جذب انتباهها بكلمات المجاملة أو المزاح الثقيل. ارتفعت الأصوات، وتبادلوا نظرات مليئة بالتحدي، بينما البقية ينظرون مستغربين
—بدءة معركة جذب الانظار....!
---
في الميتم، كانت الأجواء مختلفة تماماً.
المديرة استدعت الأربعة: ليندا، روزي، ويليام، وإلياس إلى مكتبها. نظراتها الباردة تسللت إليهم قبل أن تنطق بكلمة.
– "لقد تم قبول طلب تبنيكم… جميعاً."
كانت لهجتها صارمة، وكأن الأمر قد حُسم ولا مجال للنقاش.
لم يتجرأ أحد على الاعتراض… إلا إلياس، الذي نهض بعنف وضرب الطاولة بقبضته، فاهتزت الأوراق فوقها:
– "لماذا تقررين أنت مصيرنا،انا لن اذهب فهمتي؟!"
ابتسمت المديرة ابتسامة متعالية:
– "أنت في ميتمي… وتحت رحمتي. لا تتصرف بتهور وإلا أريتك شيئاً لن يعجبك."
حدّق فيها للحظة، ثم أدار ظهره وخرج بقوة، دافعاً الباب حتى ارتطم بالجدار. لحق به الآخرون وهم ينادونه، لكنهم توقفوا حين رأوه يقف تحت شجرة كبيرة، يضرب جذعها بقبضته، يصرخ ويلعن.
لم يحاولوا تهدئته، لأنهم يعرفون أنه لا يحب الكلام حين يغضب… أما ليندا فكانت تخفي سعادتها لن تضطر للابتعاد عنهم بعد الآن.
---
مرت الأيام سريعاً، وجاء صباح الرحيل.
في ساحة الميتم، اصطف الأطفال الصغار لتوديعهم. البعض كان يبكي بحرقة، والبعض الآخر يصرخ: "لا تذهبوا!"، أصواتهم الممزقة بالدموع علقت في قلوب الأربعة.
حملوا أغراضهم البسيطة وتوجهوا نحو البوابة، حيث كانت المديرة واقفة، تتظاهر بالحزن وهي تقول كلمات الوداع، لكن وجوههم بقيت جامدة، لا أحد منهم يصدق مشاعرها.
في الخارج، توقفت أمامهم سيارة سوداء فاخرة الليموزين. خرج منها رجلان يرتديان بدلات أنيقة للغاية… لكن وجهيهما كانا مغطّيين بالكامل: أحدهما بقناع خنزير، والآخر بقناع حصان، يغطيان الرأس والرقبة. كانت الأقنعة واقعية بشكل مزعج، حتى أن ثقوب الأنف والفم بدت وكأنها تتنفس.
دون أن يتحدثا، أخذا حقائبهم ووضعوها في مؤخرة السيارة، ثم أشارا لهم بالصعود. جلست ليندا وروزي وإلياس وويليام متلاصقين، بينما جلس الرجلان المقنّعان أمامهم، يحدقان فيهم بصمت، عيونهم مخفية في الظلال خلف الأقنعة.
همست روزي وهي تمسك بذراع ليندا:
– "أشعر بشيء غريب… أنا خائفة."
أجابت ليندا بصوت منخفض:
– "وأنا أيضاً."
طول الطريق كانت ليندا تشعر بتوتر شديد و ضيق في صدرها لا تعلم لما.....
رحلة طويلة مرت ببطء، لا صوت سوى هدير المحرك، حتى توقفت السيارة أمام قصر ضخم، جدرانه البيضاء تلمع تحت الشمس، وحديقته تمتد بلا نهاية. انبهروا جميعاً بجماله، باستثناء إلياس الذي تمتم بسخرية.
لتقول ليندا و هي تشعر بالراحة"انه قصر... كنت متخوف من غير سبب... "
ليرد الياس بعصبية:
– "لا تكوني غبية يا ليندا… نحن لا نعرف نواياهم بعد."
دخلوا من البوابة الكبيرة، والرجلان المقنعان يسيران أمامهم، يوجهانهم بإشارات فقط، دون أن ينطقوا كلمة واحدة. لكن بمجرد دخولهم، تبدد سحر القصر؛ من الداخل، بدا وكأنه مصحة نفسية فاخرة—رواق طويل نظيف للغاية، جدرانه بيضاء لامعة، أبواب متشابهة على الجانبين، والإضاءة الباردة تعكس برودة المكان.
قالت ليندا وهي تنظر حولها:
– "ما هذا المكان؟"
أجابت روزي:
– "لا أعرف… نظيف لكنه غريب."
ويليام أضاف:
– "يشبه المتاهة."
حينها، انحل رباط حذاء ليندا، انحنت لتربطه أمام أحد الأبواب. لكن فجأة، جاء صوت هامس من الداخل، صوت أنثوي مرتجف:
– "أنتِ… اهربي بسرعة… أنقذي نفسك… أنا أحذرك."
شهقت ليندا وهمست:
– "ماذا؟ من أنتِ؟"
الصوت جاء أكثر ارتجافاً:
– "أنا… نينا… سوف يقتلونكم… ويأكلونكم… إنهم غيلان… اهربي مهما كلف الأمر."
تجمدت في مكانها، حتى ظهر ظل أمامها. رفعت رأسها، فرأت صاحب قناع الحصان واقفاً يحدق بها. أمال رأسه، مشيراً لها باللحاق به.
ابتسمت بعصبية:
– "كنت فقط أربط عقدة حذائي."
تابعت السير، لكنهم توقفوا فجأة أمام أحد الأبواب. دفع الرجلان ليندا وإلياس للداخل بقوة، وأغلقا الباب خلفهما فوراً.
ليلتفت الاثنان نحو الباب، يطرقانه بعنف، لكن لا أحد أجاب.
في الممر، أمسك رجلان آخران بروزي وويليام من الخلف، وضعا على أنفيهما قطعة قماش مبللة برائحة نفاذة. لم يمضِ ثوانٍ حتى سقط الاثنان فاقدين الوعي.
أما ليندا وإلياس، فقد توقف طرقهما للباب فجأة، حين بدأ ضباب رمادي يتسلل من فتحات صغيرة في الجدران. الرائحة كانت ثقيلة، خانقة، اصبحت رؤوسهم تدور… وأخيراً غابت أصواتهم، وسقطا أرضاً في صمت.