تحذير الفصل يحتوي على مشاهد عنف و دموية قاسية...
---
بعد غيبوب طويلة لا يعلم احد كم دامت......
فتحت ليندا عينيها فجأة على وقع صرخات تمزق الأذن، لم يكن الأمر كالحلم… لم يكن وهماً. نهضت ببطء وهي تشعر بثقل في رأسها، محاطة بغابة كثيفة تغطيها الأشجار العالية، وأوراقها الداكنة تعكس ضوءاً باهتاً يثير القشعريرة. على الأرض، بجانبها، كانت هناك أسلحة مبعثرة، بعضها بنادق صدئة وأخرى سكاكين غريبة، وكأن أحدهم تركها عمداً هناك.
لكن الصرخات لم تدعها تستوعب الموقف، فاستدارت برعب لتشاهد ما لم تتمنى يوماً أن تراه.
كان ويليام… أو ما تبقى منه. جسده مشوه وممزق بالكامل، ساقاه مقطوعتان، وأعضاؤه الداخلية مبعثرة على التراب، تغرق الأرض بدمائه التي ما زالت دافئة. واجهه الذي بقي كما هو كانت عيناه تنظر لها و لاكن من دون روح...... المشهد كان كابوسياً لدرجة أن عيني ليندا اتسعتا وكادتا تسقطان من محجريهما، بينما قلبها توقف عن الخفقان لثوانٍ.
لم يترك القدر لها فرصة للصدمة، إذ وقع نظرها على مشهد آخر أبشع: روزي، صديقتها، بين يدي غول ضخم، كائن أخضر اللون، جلده مليء بالندوب، طوله يتجاوز الثلاثة أمتار، وفكه يقطر لعاباً ممتزجاً بدماء ضحاياه. كان يمسك روزي كدمية صغيرة، وهي تبكي بحرقة وتنظر نحو ليندا بعينين مليئتين برجاء أخير:
ــ "ساعديني… أرجوكِ…!"
لكن ليندا كانت جالسة على الأرض، عاجزة، تضع يديها على فمها من الصدمة... صرخت روزي لم تحرك بداخلها سوى رعشة ألم. ثم، ببطء وحشي، بدأ الغول يلتهم روزي قطعة تلو الأخرى. بدأ من ذراعيها، ثم صدرها، وصراخها يتلاشى مع كل قضمة. دموعها اختلطت بالدماء وهي تختفي تدريجياً في فم ذلك الوحش، حتى لم يبقَ منها سوى ساقين ابتلعهما أخيراً، تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً وصدمة مطلقة في قلب ليندا.
كانت ليندا كمن فقدت روحها، تنظر إلى الفراغ بعينين فارغتين، وداخلها صوت واحد يصرخ: "ماذا يحدث.... ه. ه.. هل هذا حلم ام ماذا".
لم تعلم ليندا المشهد الذي رأته حقيقة ام خيال....
الغول استدار نحوها، يخطو ببطء، لعابه الأخضر يقطر مختلطاً بدماء رفاقها. كانت هناك بندقية على الأرض بجانبها، لكن أصابعها لم تتحرك. جسدها تجمد، وكأنها مستسلمة لمصيرها، حتى انها لم تحاول الهروب او طلب النجدة.
مد الغول يديه الضخمتين نحوها، قبض عليها، رفعها عالياً، وقرب فكيه إلى رأسها، على وشك ابتلاعها كما فعل بروزي. لم تصرخ، لم تبكِ، فقط عيناها تلمعان بدموع صامتة.
لكن فجأة… دوّى صوت طلقة نارية.
اخترقت الرصاصة جمجمة الغول بدقة، انفجر جزء من رأسه، وسقط لعابه الدموي على وجه ليندا. تبعتها طلقتان أخريان اخترقتا رقبته الغليظة، ليسقط الكائن مترنحاً، يهتز جسده للحظة قبل أن ينهار كجبل ضخم بجانبها.
ارتطمت ليندا بالأرض، ليتناثر عليها دمه الأخضر اللزج، يغطي بشرتها وملابسها حتى شعرت أنها مغمورة به بالكامل. عندها فقط استوعبت أن ما حدث ليس حلماً… أن روزي ماتت امام عينها، وأن ويليام أصبح مجرد أشلاء. انفجرت بالبكاء فجأة، وضعت يديها على رأسها وبدأت تصرخ بكل ما تبقى من روحها:
ــ "لااااااااا! لمَ لم أنقذها؟! لمَا لم أمت أنا بدلاً عنها؟!"
اقترب منها شخص ما، أمسك يديها المرتجفتين. كان الياس، عينيه حمراوان من الدموع، وصوته يرتعش وهو يقول:
ــ "ليندا! استفيقي، لا وقت لدينا… الغيلان هنا كثيرة، سوف يلتهموننا نحن أيضاً!"
هزت رأسها وهي تبكي:
ــ "لا… لا يا إلياس، كان يجب أن أموت أنا… تركتها تموت أمامي!"
اقترب أكثر، أمسك وجهها بكلتا يديه، وضرب جبهته بجبهتها بقوة ليفيقها من انهيارها، ثم قال بعينين غارقتين بالدموع:
ــ "كفى! لم يكن ذنبك… لو كانت روزي هنا، لصرخت لك بأن تهربي. هيا يا ليندا لا وقت لدينا… لننجُ!"
شد يدها بقوة، وجراها خلفه، بينما أصوات زحف الغيلان تقترب من بين الأشجار بعد أن جذبهم صوت الطلقات. الجو امتلأ بصرخات وحشية، وظلال ضخمة تزحف بينهم.
ركضا بلا توقف، الغابة تهتز حولهما، أصوات خطوات ثقيلة تلاحقهما، وكلما استدارا رأيا أشكالاً مشوهة تخرج من الظلال، عيون تلمع، وأفواه تتقاطر بالدماء.
وفي مكان آخر، بعيداً قليلاً، كانت هناك قرية مهجورة، شوارعها مرصوفة بالحجارة، بيوتها بطابقين، نوافذها مكسورة، وكأنها توقفت عن التنفس منذ زمن بعيد.
هناك، استيقظ جود فجأة بعد غيبوبة منومة، ليجد نفسه ملقى على الأرض. بجانبه كان كارم وكاميليا. هزّهما محاولاً إيقاظهما، حتى فتحا أعينهما بتثاقل.
صرخ كارم بفزع:
ــ "ما الذي يحدث؟ أين نحن؟!"
أجابه جود بغضب وهو يلهث:
ــ "لا أعلم… هل تلك العجوز اللعينة خدعتنا؟!"
وفجأة عاد إلى ذهنه كل شيء…
(فلاش باك)
كانوا في الليلة السابقة يتسكعون وسط شارع مزدحم، أضواء، موسيقى، ضحكات. هناك ظهرت عجوز منحنية الظهر، تحمل أكياساً ثقيلة بيديها، وتطلب المساعدة. جود، بقلبه الطيب، لم يتردد:
ــ "دعينا نساعدك يا خالة."
كاميليا انضمت إليه فوراً، لكن كارم وقف متردداً:
ــ "لا يعجبني الأمر… أشعر أن هناك شيئاً غريباً."
سخر منه جود:
ــ "كف عن الجبن، إنها مجرد عجوز."
حتى كاميليا قالت:
ــ "ألا ترى أنها ضعيفة؟ ساعدها قليلاً على الأقل."
حملوا أكياسها الثقيلة وتبعوها في الأزقة حتى ابتعدوا عن ضجيج المدينة. الطريق أصبح مظلماً، والهدوء ثقيل. قال كارم وهو يتعرق:
ــ "هذا ليس طبيعياً… أرجوكم لنعد أدراجنا."
لكن جود سأل:
ــ "هل بعيد منزلُكِ يا خالة؟"
ابتسمت العجوز ابتسامة غريبة وأجابت:
ــ "في نهاية الطريق… هناك، في تلك العمارة."
وصلوا إلى عمارة قديمة مظلمة، نوافذها مكسورة، مدخلها أشبه بفم وحش. دخل جود وكاميليا خلف العجوز لوضع الأكياس، بينما بقي كارم عند الباب، قلبه يخفق بجنون.
وفجأة من دون انذار امام عينا كارم ظهر أمامه رجلان ببذلات رسمية، أحدهما يرتدي قناع نمر والآخر قناع كلب. وفي لحظة، ضربا جود وكاميليا من الخلف فسقطا مغشيًّا عليهما. التفتت العجوز إلى كارم وقالت بابتسامة شيطانية:
ــ "ههه… نسيتُ واحداً."
قبل أن يفعل شيئاً، تقدم الرجلان نحوه. من هول الموقف المخيف أغمي عليه في الحال، وسال بوله على سرواله.
(العودة للحاضر)
فتح كارم عينيه وهو يبكي ويقول:
ــ "ألم أقل لكما؟! كان يجب ألا نساعدها!"
لكن جود قبض يديه بغضب وهو يصرخ:
ــ "أجل… إنها حيلة من أولئك التوائم الأغبياء! يريدون الانتقام منا، انه محرد خدعة او مقلب منهم لاخافتنا..!"
نظر الثلاثة حولهم إلى القرية المهجورة، والجو ثقيل برائحة موت…
ليهمس جود:
ــ "علينا استكشاف المكان… مهما كان الثمن."
---