---
كانت المساء تزحف ببطء نحو الغروب، والسماء تلطّخت بخطوط أرجوانية وحمراء كأنها لوحة دماء مرسومة . الهواء كان خانقًا، كأن الغابة بأكملها تتنفس أنفاسًا ثقيلة، والظلال الطويلة بدأت تلتف حول كل شيء مثل أصابع شيطانية.
التفت دانتي نحو هرمن وقال ببرود:
ــ "لنذهب… لم يكن يجدر بنا أن ننقذ تلك الفتاة المتكبرة، هيا لنذهب قبل ان تجلب لنا المشاكل"
لكن صوتًا غاضبًا انطلق من الخلف، كان صوت بلاك ويذ وهي ترفع حاجبيها بتكبّر وترد:
ــ "أنت أيها الأحمق، من تظن نفسك لتتحدث عني بهذا الشكل؟"
لم يكلّف دانتي نفسه عناء الرد، فقط أشار لهرمن بيده وقال:
ــ "هيا بنا."
بدأ الاثنان بالابتعاد تاركين بلاك ويذ متسمّرة في مكانها. لكن الغرابة ان حركاتهما جعلتها تشعر بالارتباك. عبست ثم قررت السير خلفهما. سرعان ما استدار دانتي ببطء وعيناه تلمعان بسخرية:
ــ "أأنتِ تتبعيننا؟"
رفعت رأسها بغرور وأجابت:
ــ "أنا لا أتبعكما… أنا فقط أسير في نفس الاتجاه."
ابتسم دانتي بخبث، غمز لهرمن ثم ركض فجأة كالصاعقة في تلك القرية المهجورة، تبعه هرمن وهو يضحك. لتشعر بلاك ويذ بالغضب، فصرخت وهي تركض وراءهما:
ــ "عودا إلى هنا أيها الوغدان! سحقًا لكما!"
وفجأة… توقّف الركض. إذ ارتطم دانتي وهرمن بجدار بشريّ غريب. كانت مجموعة أخرى تقف في تقاطع طريق اخر : جود ورفاقه،و التوائم الثلاث.
بينما كان جود يحمل فيفيان المغشيّ عليها على ظهره. تبادل الطرفان النظرات الحادة، وكأنهم ذئاب برية على وشك الانقضاض.
في تلك اللحظة، انطلقت بلاك ويذ من الخلف وهي تصرخ:
ــ "اللعنة عليكما! ألم أقل لكما أن تنتظراني؟!"
لكن ما إن وقعت عيناها على المجموعة حتى شهقت بدهشة، ثم صاحت بصوت ساخر:
ــ "مستحيل! المزيد من الفاشلين؟!"
تقدمت ليلي وكاميليا بخطوتين للأمام، وقالتا في وقت واحد وقد اتسعت أعينهما:
ــ "بلاك ويذ؟! المغنية المشهورة؟! ماذا تفعلين هنا؟!"
ابتسمت بلاك ويذ بغرور كأنها لا تزال فوق خشبة المسرح:
ــ "لست هنا بإرادتي، صدقوني."
ساد الصمت لحظة. العيون تتفحص، القلوب تدق بارتباك، والجوّ يتشبع بالخوف. عندها اقترح جود بصوت حازم:
ــ "الليل يقترب… لا وقت لدينا. يجب أن نجد مأوى."
هزّت كاميليا رأسها:
ــ "معك حق… المكان خطير."
لكن جيسون قاطع:
ــ "أي بيت؟ كل البيوت متشابهة… ولا نعلم إن كانت تحتوي على طعامًا أو ماء… أو حتى مصابيح."
لم يكن هناك خيار. فاختاروا منزلًا عشوائيًا بدا أفضل من غيره، ثم تسلّلوا إليه جميعا وأغلقوا الأبواب والنوافذ بإحكام.
الصدمة الكبرى جاءت حين فتحت ليلي الثلاجة برفقة راي. داخلها كان الطعام طازجًا، كأنه قد وُضع قبل دقائق. وفي الجانب الآخر، لمس دانتي أحد المفاتيح، فأضاءت المصابيح كلها دفعة واحدة. الضوء كان ناصعًا بشكل مزعج. كان الامر مفاجئاً و جود كهرباء في مكان مهجور كهذا.....
جلسوا جميعًا في غرفة المعيشة المرتبة بشكل غريب، الأرائك نظيفة، الستائر مسدلة بإتقان، ورائحة المكان عطرة بشكل مصطنع.
ابتسمت بلاك ويذ وهي تقلب بين الأطعمة:
ــ "طعام، ماء، وضوء؟ لا بد أن هناك أمرًا غريبًا وراء هذا."
رد كارم بنبرة ثقيلة:
ــ "هذا أشبه باختبار نجاة… مثل مجموعة فئران في سباق للحصول على قطعة جبن."
لتقول كاميليا و هي تنظر في الارجاء:
"هذا غريب لم تم احضارنا الى هنا و لما نحن بالتحديد"
لم يكن اي احد يعرف الاجابة......
حلّ الليل. وبدأت الأصوات بالخارج.
صرير… ثم خطوات ثقيلة، أصوات همهمة غامضة، وضربات أظافر على الزجاج. كان جود يقف خلف الستار، يختلس النظر. العتمة في الخارج بدت حيّة، تتحرك، تتنفس.
ــ "هل نحن الوحيدين الذين أحضرونا هنا؟" تساءل جود.
لكن الصمت كان الجواب الوحيد.
رفعت ليلي صوتها، كأنها تحاول طرد الرعب بالكلمات:
ــ "الشيء الوحيد الذي يجب أن نفكر فيه هو النجاة. هذا ليس حلمًا، ولا لعبة. رأيتم وجه لورا كيف كان ملقى على الأرض بلا جسد…"
ارتجف جيسون، وابتلع ريقه:
ــ "أجل… الأمر فظيع… وخطير للغاية."
اقترب كارم وسأل بارتباك:
ــ "ك… كيف وصلتم إلى هنا؟"
جلس جيسون، عينيه تغيم بذكرى موجعة، ثم قال:
ــ "كنا في مركز المقامرة كعادتنا. و كنت أترقب كلعادة الفتاة البارعة الملقبة "ملكة المقامرة" في لعبة الطاولة لأتحداها. ولاكن بعد ساعات من انتظار طويلة، لم تظهر الفتاة ابدا لذا قررنا المغادرة. لكننا فوجئنا بسيارة توقفت أمامنا… في مكان معزول اثناء غروب شمس... خرج منها رجال بأقنعة الذئاب والثعالب. حاولت انا التصدي لهم لأترك مجال ليهرب راي مع ليلي و لاكن أفقدونا الوعي بضربة على مأخرة الرأس ليدرجون في السيارة… وعندما فتحنا أعيننا وجدنا أنفسنا هنا."
شهق جود:
ــ "الأقنعة مجددًا…"
صرخت بلاك ويذ فجأة:
ــ "اللعنة! كل ما يحدث سببه هؤلاء الأوغاد من هم...؟؟!"
نظروا إليها باستفهام، فأكملت:
ــ "كنت أقيم حفلة توقيع للمعجبين… وعند المغادرة تقدم رجل ببذلة رسمية وقناع غريب. لم أميز إن كان قناع حمار أو حصان… كنت مرهقة، و اصبحت أُهلوس. قال إنه يريد توقيعًا لمعجب مقعد لا يستطيع المشي، سألته اين هو ليقول أنه بأنتظاري في احد القاعات الفارغة... وحرصًا على سمعتي أمام الناس… وافقت على الذهاب لتوقيع. و بينما انا اتبعه حتى وجدت نفسي في قاعة مظلمة، ليهجم علي فجأة من الخلف بضربة حادة ويفقدني الوعي."
قال جود بقلق:
ــ "غريب… لماذا جمعوا الأثرياء والمشاهير فقط؟ ربما انتقام؟"
رفع دانتي يديه وقال ببرود:
ــ "أنا وهرمن لسنا أغنياء ولا مشاهير… نحن فتيان من ميتم بائس، تبنتنا عائلة فقط في آخر لحظة. و لا نعلم كيف انتهى بنا المطاف هنا."
----
في خارج المنزل...
كان المشهد أكثر رعبًا. ليندا وإلياس كانا عالقين فوق شجرة ضخمة، والغيلان تحوم أسفلهم. أجسادها مشوهة، عيونها حمراء قاتلة، وأصواتها أشبه بزمجرة من أعماق الجحيم.
أمسك إلياس يد ليندا وهمس:
ــ "اهدئي… إنهم عميان، لا يروننا. يعتمدون فقط على رائحتنا وأصواتنا."
بكت ليندا بصوت مرتجف:
ــ "أنا خائفة… مرهقة من الركض… ماذا لو صعدوا؟!"
ليرد الياس بصوت واثق:
ــ "لا تقلقي…انهم لا يجيدون التسلق. سيكون الأمر على ما يرام ليندا انا برفقتك."
لكنها نظرت إليه بعينين دامعتين:
ــ "كان معك حق… لو رفضنا جميعًا من البداية… لو قاومنا، لما كنا هنا. روزي وويليام… لم يكونا ليموتا."
خفض إلياس رأسه وقال بمرارة:
ــ "لا بأس الآن… علينا أن نفكر فقط بكيفية النجاة."
---
عاد المشهد إلى داخل المنزل.
كانت بلاك ويذ جلست تحدق بازدراء نحو دانتي وهرمن.
ــ "من الميتم؟ هذا… مقزز."
اشتعلت عينا دانتي غضبًا:
ــ "ماذا تعنين بالمقزز؟"
ابتسمت بسخرية باردة:
ــ "أجل، مقزز أن يكون بيننا أشخاص من الميتم."
النار اشتعلت بداخله، نهض وهو يصرخ:
ــ "أنتِ حقًا شخص متعجرف… حمقاء متكبرة! هل تظنين أننا اخترنا أن نعيش في الميتم؟! هل تظنين أننا كنا نريد هذه الحياة؟!"
وقف هرمن بدوره، صوته يرتجف لكنه مملوء بالغضب:
ــ "أنتِ فضيعة… لم أرَ يومًا وقاحة كتلك! لا أحد يختار أين يولد او يعيش...."
لكن بلاك ويذ لم تبدُ متأثرة. اكتفت بالضحك الخافت، ضحكة باردة تحاول استفزازهم بها اكثر.
وفي تلك اللحظة، دوّى طرق عنيف على باب المنزل… ثم صرير معدني… كانت صرخة حادة من الخارج، صرخة لم تكن بشرية.
من كثرة الرعب صمت الجميع مرة واحدة و هم يستمعون لهذه الاصوات التي تخنق الانفاس...
--