---
حلّ الصباح أخيرًا، لكن لم يحمل معه أي سلام.
داخل البيت، كان الجو خانقًا، ممتلئًا بالنظرات الحادة والأنفاس الثقيلة. كل كلمة أصبحت قابلة للاشتعال، وكل حركة تحمل تهديدًا صامتًا.
قال جود وهو يكسر الصمت:
ــ "علينا أن نقرر ماذا سنفعل… الوضع في الخارج أخطر مما نتصور."
رد جيسون ببرود، بعجز داخلي:
ــ "وهل هناك مخرج أصلًا؟ لا أظن أننا سنجد سبيلًا للهروب."
قهقه كارم ضاحكًا بسخرية مريرة:
ــ "إذا كان هناك مخرج، لكانت الغيلان خرجت منه منذ زمن، ربما وضعونا هنا عمدًا… طُعمًا لتلك الوحوش."
شهقت ليلي وكأنها تلقت طعنة:
ــ "مستحيل! لا بد أن هناك مخرجًا. والدي يبحث عني الآن، لن يترك حجرًا إلا ويقلبه. هو حتمًا سيأتي لإنقاذنا."
ابتسم كارم :
ــ "وماذا لو لم يجدك؟؟, ليست عائلتك الوحيد التي تبحث عنك"
صرخت ليلي والدموع تلمع في عينيها:
ــ "سيجدني! حتما سيجدني!! لا تفهم…لا اريد البقاء هنااا.. مازلت صغيرة على الموت… أريد ان أعيش… سحقًا!"
وضعت كاميليا يدها على كتفها مواسية:
ــ "كلنا كنا نملك أحلامًا يا ليلي… والآن ليس أمامنا إلا النجاة."
أطرق جود رأسه قليلًا ثم تساءل:
ــ "هل نحن الوحيدين الذين جُلبوا إلى هذا الجحيم؟ أم أن هناك آخرين مثلنا؟"
ثم رفع عينيه نحو دانتي:
ــ "أنت قلت إنكما تربيتما في الميتم و تما تبنيكم من طرف احد الرجال … أخبرنا. هل رأيت من أخذكم؟"
تنهد دانتي ببطء، وكأن الذاكرة نفسها جرح قديم:
ــ "لا، لم نرَ وجوههم. في اليوم الذي أرادوا اصطحابنا، جاء ثلاثة أشخاص مقنّعين… أقنعة قردة. أخذونا إلى قصر مبهر… أكبر قصر رأيته في حياتي. لكنه لم يدم طويلًا، فبمجرد دخولنا الى داخله تحوّل القصر إلى ما يشبه مصحة للأمراض النفسية، وسُجنا في غرفة معتمة. لم نعرف أين نحن، ولا لماذا."
تساءلت كاميليا بفضول مرتجف:
ــ "وكيف بدا ذلك القصر؟"
أجاب دانتي وهو يحدّق في الفراغ:
ــ "كان ضخمًا… جدرانه بيضاء وواجهته كالجليد، مزخرف بالذهب، و تحيطه حدائق واسعة. كان يشبه الأحلام."
قهقهت بلاك ويذ ساخرة:
ــ "هاه، ربما كان مجرد بيت عادي، وأنت في خيالك رأيته قصرًا."
التفت إليها دانتي بعينين مشتعلة:
ــ "اخرسي! لم أسألك."
أمالت رأسها بابتسامة باردة:
ــ "هممم، أنا فقط أقول الحقيقة."
توتر الجو أكثر، لكن فجأة قاطعهم صوت حفيف بعيد.
جود رفع إصبعه صارخًا:
ــ "اصمتوا جميعًا! أطفئوا الضوء حالًا… هناك غيلان قريبة."
ليقول راي بغضب:
_"سحقا مجددا... لما لا نخرج و نقاتلها...!؟"
ليقول كارم و يداه ترتجف:
_"انت تمزح كيف يمكننا مقاتلتها"
ليرد جود ببطئ:
_"راي انت تعلم ان هذا مستحيل عددها كبير للغاية في الخارج"
ليخرج جيسو عن صمته:
_"اذا هل تخطط لابقائنا هنا ام ماذا!؟"
ساد صمت قاتل في ارجاء المنزل، تغزوه نظرات غريبة كل طرف ينازر الاخر بعدوانية... كانها ساحة معركة.
---
في الجهة الأخرى…
كان الياس ما يزال جالسًا على ركبتيه أمام باب الحمام ، دموعه لم تجف بعد. وفجأة… فتح الباب ببطء، وخرجت ليندا.
وقف الياس مصعوقًا، ثم اندفع نحوها يحتضنها بجنون، صوته مبحوح:
ــ "ظننت أنني فقدتك… لا تتركيني، أرجوك!"
ليندا، التي لطالما كانت ترى الياس كشخص بارد، وجدت نفسها مصدومة من انهياره. رفعت يدها تربت على شعره كالأخت:
ــ "مستحيل… أنا هنا. لا تقلق، لن يحدث لي شيء."
لكن حين ابتعد قليلًا لينظر إليها، تجمّد.
ــ "شعرك… ماذا فعلتِ؟"
ابتسمت ابتسامة باهتة:
ــ "قصصته. لم أعد أريده ان يعيقني. كل ما أريده الآن… النجاة."
شعرها الأسود الطويل الذي كان ينسدل حتى أسفل ظهرها، أصبح قصيرًا، باهتًا، غير مرتب. عيناها صارتا سوداوتين كأن الروح غادرت، وملامحها تحولت من فتاة بريئة إلى امرأة كئيبة متحجرة الملامح.
ما لم يعرفه الياس أن ليندا تركت وراءها في الحمام شعرها المبتور، وعلى خصلة منه قلادتها القديمة… نصف قلب كان يربطها بذكرى "روزي".
رفعت رأسها بثبات وقالت:
ــ "علينا المغادرة. هذا المكان لم يعد آمنًا."
ليخرج كلاهما للخارج:
ليتبعها الياس مذهولًا، يحاول استيعاب تحولها.
لكن الخطر لم ينتظر طويلًا، إذ ظهر غول ضخم من بين المنازل، يزحف مخترقًا الطريق.
سحبها الياس بسرعة إلى احد مدخل بيت مهجور، التصقا بالحائط، حتى مر الغول بمحاذاتهما دون أن ينتبه، تاركًا خلفه زفيرًا يجلجل الهواء.
حين اطمأنا، واصلا السير حتى وجدا ممرًا ضيقًا، وكأنه يقود إلى عمق الغابة. تبادلا نظرة صامتة ثم تبعاه، حتى انتهى بهما إلى مشهد لم يتوقعاه…
قصر ضخم، شامخ، ثلاث طوابق، تحيطه أعمدة من الرخام، وبابه الكبير كفم مفتوح يدعو الداخلين.
تقدمت ليندا أولًا، يد الياس تمسك بيدها بقوة، عيناه لا تفارقان المكان وكأنه يتوقع هجومًا في أي لحظة.
دفعت الباب الثقيل، فانفتح بصرير عميق.
الداخل كان أشبه بعالم آخر: سجاد فاخر، أرائك حريرية، درج لولبي يصعد إلى الأعلى، وثريا كريستالية تلمع.....
ركض الياس نحو التلفاز الضخم يحاول تشغيله، لكنه اكتشف أن الأسلاك قُطعت عمدًا.
أما ليندا فبدأت تتفقد الغرف. كانت نظيفة، مرتبة، وكأن أحدًا يعيش هنا، كانت ليندا تأمل وجود اشخاص اخرين غيرهم في هذا الكان، لكن لا أثر لروح بشرية و اي احد...
نظرا لبعضهما واتفقا بصمت: هذا القصر سيكون ملجأهما الجديد.
---
وفي نفس الوقت، عند المجموعة الأخرى…
بينما كان الجميع يناقشون النجاة بصوت خافت، سُمعت خطوات متثاقلة تقترب من المطبخ.
التفتوا فجأة… لتظهر "فيفيان"، شاحبة، متعرقة، تمشي متكئة على الجدار.
بصوت واهن سألت:
ــ "من… أنتم؟ وأين… أنا؟"
انتفض جود من مكانه وتقدم نحوها بقلق حقيقي في عينيه.
---