في داخل القاعة الكبرى، جثت صوفي على ركبة واحدة أمام أخيها الأكبر، الدوق لانسفروز أفرون فون آيسفيرن، فارس الشتاء الذي لا يُقهَر. لم تكن سمعته مجرد أسطورة محلية، بل كان أسطورة حية؛ محارب يملك ناصية الثلج ذاته، وفارسًا يهابه الجميع في ريغاريا وما وراءها.
كان الهواء مشبعًا بتوتر صامت، ومع ذلك، لم يكن يُسمع سوى حفيف النار الخفيف في الموقد، وكأن ألسنة اللهب ذاتها لم تجرؤ على قطع الصمت.
وقف لانسفروز أمامها، صورته الطويلة المدرعة تشكل صورة ظلية مهيبة تتراءى أمام خلفية المشهد الشمالي الظاهر عبر النافذة الكبيرة. كان درعه يتلألأ بالصقيع، وكأن الشتاء نفسه مقيّد به. ثِقل نظراته كان يرزح عليها، لكن رأس صوفي ظل منكسًا، عيناها مثبتتين على الأرض في إيماءة احترام ورسمية.
شعرها الأبيض الذي يشبه ثلوج الشتاء، والذي رُبط بإتقان في ضفيرة سوداء، كان يتناقض بحدة مع الرخام الأزرق النقي الذي يقع تحتها.
“كفى، صوفي،” صدح صوت لانسفروز العميق والآمر في أرجاء القاعة. “انهضي. لا حاجة لكل هذا. أنتِ أختي، ولستِ مجرد خادمة.”
لكن صوفي ظلت بلا حراك، هيئتها راسخة. “لا أستطيع النهوض حتى أفهم،” أجابت بصوت خفيض، صوتها ثابت رغم الاضطراب الذي كان يعصف بداخلها. “أرجوك، أخي، يجب أن أعرف: لماذا الآن؟ لماذا فُسخت الخطوبة؟” حملت كلماتها مزيجًا من الإحباط والارتباك، مشاعر دفنتها لسنوات، لكنها الآن تتفجر على السطح.
لطالما رفض لانسفروز طلباتها بفسخ الخطوبة. لقد كان درافن أركانوم فون دراخان، العبقري القاسي القلب، ظلًا يلوح في أفق حياتها، خطوبة لم تخترها ولم ترغب بها. ومع ذلك، أصرّ أخوها وسيدها أنها ضرورية — حتى الآن.
أطلق لانسفروز تنهيدة خفيفة، بخاره يظهر بوضوح في الهواء البارد. لقد توقع هذه اللحظة، لكن ذلك لم يجعلها أسهل. “لقد كنتِ دائمًا عنيدة، صوفي،” تمتم، رغم أن نبرة صوته كانت تحمل شيئًا من الرقة، كسرًا نادرًا لوقاره الصارم.
درست عيناه الزرقاوان الجليديتان وجهها لحظة طويلة قبل أن يتحرك نحو المكتب الكبير المصنوع من خشب البلوط، حذائه الثقيل يتردد صداه على الأرضية الحجرية.
مد يده إلى درج، استخرج لانسفروز منه مظروفًا صغيرًا؛ ختمه الشمعي الأحمر الداكن لا يزال سليمًا. أمسكه بين أصابعه المرتدية القفازات، وقلّبه مرة واحدة قبل أن يمدّه إليها.
“اقرئيه عندما تكونين وحدكِ، في غرفتكِ،” قال، وصوته يحمل ثقلًا من الحسم. “سيفسر لكِ كل شيء.”
ترددت صوفي للحظة، عيناها تلتقيان بعينيه. بحثت في وجهه عن إجابات، لكن تعابير وجه لانسفروز ظلت يتعذر فك شفرتها. “لم يكن هذا قراري وحدي،” أضاف، وصوته أخفض الآن. “لقد قدم درافن السبب، وأنا... أعتقد أن هذا كان المسار الصحيح للعمل.”
“لكن لماذا؟” تكسر صوت صوفي قليلًا، يخون عاصفة المشاعر التي ناضلت جاهدة لاحتوائها. “أنت من رفض فسخها كل هذه السنوات. أخبرتني أنها لمصلحة آيسفيرن، وأن هذه الخطوبة ضرورية. ما الذي تغير؟”
تتذكر بوضوح صوت درافن وقت انتفاضة ملك الجوبلن، عندما كادت تفشل في الدفاع عن موطنها، أراضي آيسفيرن.
‘أنتِ فاشلة. خيبة أمل. لا فائدة منكِ يا فاشلة.’
كانت تلك الكلمات مختلفة تمامًا عما قاله وفعله لها عادةً. كان يتوق دائمًا إلى الاقتراب منها، وإلى أن يكون جزءًا من عالمها، وأن يمتلكها كليًا بما في ذلك قلبها.
ولقد كانت ترفض دائمًا.
لكن منذ أن التقته في جامعة برج السحر في ذلك الوقت، عندما كان على وشك إلقاء المحاضرة الافتتاحية في مطلع الفصل الدراسي، شعرت أن شيئًا قد تغير فيه.
رقّت نظرة لانسفروز، وإن ظل وقاره راسخًا. “منطق درافن سليم يا صوفي. ثقي بي عندما أقول إن هذا هو الأفضل. أنتِ حرة الآن.”
رمشت عيناها في حيرة.
‘حرة؟’
لكن قبل أن تتمكن من الاستفسار أكثر، أومأ بيده دلالة على الصرف. “هذا كل ما في الأمر. اذهبي.”
تشبثت صوفي بالمظروف بإحكام، ثم وقفت على قدميها. قدمت انحناءة جافة ورسمية قبل أن تستدير وتخرج من القاعة الكبرى. ومع إغلاق الأبواب الثقيلة خلفها، تعمق الصمت في الغرفة، تاركًا لانسفروز وحيدًا مع أفكاره.
للحظة طويلة، وقف بلا حراك، يحدق في الباب المغلق الذي غادرت منه أخته للتو. أطلق تنهيدة أخرى، تنهيدة مُرهَقة، قبل أن يعود إلى المكتب. لكن بدلًا من الجلوس، سحب درجًا مخفيًا — كان مخبأ بإتقان خلف طبقات من الوثائق والأوراق. ومنه، استخرج مظروفًا ثانيًا، هذا المظروف كان مختومًا بالشمع الأسود.
على عكس الأول، حمل هذا المظروف ثقلًا أحس به لانسفروز في أعماق روحه. كانت هذه هي الرسالة الحقيقية من درافن، رسالة لم تكن موجهة لعيون صوفي. أمسك المظروف في يده للحظة طويلة، يمرر إبهامه على السطح الأملس للختم الأسود، وكأنه يتأمل ما إذا كان سيفتحه مرة أخرى.
‘درافن، إلى أي مدى أنت مستعد للمضي قدمًا؟’ فكر لانسفروز وهو يحدق في الرسالة.
لقد هزته محتويات المظروف الأسود هو نفسه. دقة درافن الباردة كانت معروفة للجميع، لكن هذه الرسالة... كشفت عن شيء أعمق بكثير، شيء يتجاوز السياسة أو الواجب. كان الأمر شخصيًا. رجل مثل درافن لم يكن ليُدفَع بالعواطف، ومع ذلك ألمحت الكلمات في هذه الرسالة إلى شيء يكاد يكون مأساويًا، عمقًا في المشاعر لم يستطع لانسفروز حتى فهمه بالكامل.
ولقد كانت الرسالة مليئة بالتاريخ المأساوي بين عائلة آيسفيرن وعائلة دراخان أيضًا.
ولقد فهم كل شيء.
مشى لانسفروز نحو النافذة، الرسالة لا تزال في يده، ونظر إلى المناظر الطبيعية المتجمدة لآيسفيرن. الجبال المغطاة بالثلوج شامخة في الأفق، قممها تختفي بين الغيوم، شهود صامتة لأسرار لا تُحصى تحتضنها جدران ممتلكات آيسفيرن.
“درافن...” تمتم بصوت خفيض في الهواء البارد. “ما الذي تريده حقًا؟”
السؤال علق في الهواء، بلا إجابة، بينما لانسفروز يحدق في الشتاء اللانهائي. كان درافن دائمًا لغزًا — رجلًا محسوبًا ومتحكمًا.
لكن هذا... هذا كان مختلفًا.
كان هناك شيء في الرسالة ألمح إلى خطة تتجاوز ما يمكن أن يتصوره لانسفروز.
قبض على المظروف الأسود بإحكام في يده، متأملًا ما إذا كان سيدمره أم سيبقيه مخبأ، كما فعل حتى الآن. لم تكن صوفي بحاجة لمعرفة هذا. لم تكن بحاجة لحمل عبء منطق درافن المعوّج. لكن الدوق لم يستطع التخلص من الشعور بأن هذا كان مجرد البداية، وأن ما وضعه درافن قيد التنفيذ كان على وشك تغيير كل شيء.
وصوفي، على الرغم من حريتها المكتشفة حديثًا، كانت لا تزال جزءًا كبيرًا من هذا الأمر.
بتنهيدة أخيرة، أعاد لانسفروز المظروف الأسود إلى الدرج، وأغلقه مرة أخرى. استدار عائدًا إلى النافذة، نظراته غارقة في البياض الشاسع للشمال.
“إلى أي مدى ستذهب يا درافن؟ إلى أي مدى ستجر نفسك إلى الهاوية...؟”
عوى الريح الباردة في الخارج، لكن داخل القصر، كانت عاصفة أعظم بكثير تُحتضَر.
تأمل لانسفروز مملكته المتجمدة، الامتداد الشاسع من الثلج والجليد يمتد بعيدًا خلف الأفق. كانت السماء رمادية باهتة، محملة بوعد بمزيد من الثلوج، والشمس بالكاد مرئية عبر الغيوم الكثيفة. لقد كانت ممتلكاتي آيسفيرن دائمًا مكانًا ذا جمال قاسي – عنيد، لا يرحم، ومع ذلك وفيًا لمن يحكمه.
كان البرد يجري في دمه، وصمت الشتاء رفيقًا مألوفًا. ومع ذلك، اليوم، بدا الصمت مُرهِقًا، وكأن الهواء نفسه يحبس أنفاسه ترقبًا.
تتبع بعينيه القمم الوعرة للجبال البعيدة، منحدراتها الثلجية تتلألأ كأنها أسنان حادة. وعوى الريح ضد الجدران الحجرية السميكة للممتلكات، تذكيرًا دائمًا بالقوى الجامحة التي تكمن خلف أبوابهم مباشرة.
وبقدر ما كان يسيطر على الشمال، وبقدر ما جلبت سمعته واسمه الخوف لأعدائه، كان هناك شعور متزايد بأن شيئًا أخطر بكثير يلوح في الأفق.
ترددت كلمات درافن من الرسالة السوداء في ذهنه، كل سطر محسوب ودقيق، ومع ذلك يحمل ثِقلًا مشؤومًا. ومهما كانت اللعبة التي يلعبها الإيرل دراخان، فإنها تصل إلى عمق أكبر من مجرد السياسة أو الروابط العائلية. أحس لانسفروز بانجذابًا لشيء عتيق، قوة تتجاوز حتى قدرته على الفهم، تزحف مقتربًا مع كل لحظة تمر.
قبضت يداه على عتبة النافذة، الصقيع من الزجاج يتسرب إلى جلده، لكنه رحب بالبرودة. لقد كانت الشيء الوحيد الثابت في عالم يبدو فيه كل شيء آخر يتحرك تحت قدميه. البرد لم يخذله.
“عاصفة تُحتضَر،” تمتم بصوت خفيض، صوته بالكاد أعلى من الريح. ضاقت عيناه وهو يمسح الأفق مرة أخرى، باحثًا عن علامات الصراع الحتمي الذي عرف أنه قادم. ليس فقط داخل آيسفيرن أو بين عائلته ودرافن، بل شيء أكبر — شيء من شأنه أن يزعزع أسس المملكة بأسرها. [ ترجمة زيوس]
وبينما بدأت أولى رقاقات الثلج تتساقط، عرف لانسفروز أنه مهما استعد، فإن هذه العاصفة ستكون مختلفة عن أي عاصفة أخرى.
وعندما يحين الوقت، تعهد.
أنه حتى لو لم يتمكن من جلب آيسفيرن، فإنه، هو نفسه، سيكون حليفًا لذلك الرجل الوحيد.