سار درافن بخطوات ثابتة، لم يوهن عزمه قسوة الظروف التي أحاطت به. لم يكن غريبًا عليه هذا النوع من البيئات؛ بل كان تركيزه لا يتزعزع، وعيناه الحادتان تمسحان الأفق بحثًا عن أي بادرة حركة. بيد أن عقله لم يكن منغمسًا بالكامل في هذه البرّية المقفرة، فقد كان يشاركه أيضًا "ذواته" الأخرى.

نسخة منه كانت تلقي المحاضرات في الجامعة، تصقل عقول الشباب بنظريات السحر والكيمياء. وأخرى كانت تتخفى بين المغامرين، تصغي جيدًا للشائعات والهمسات التي تنتشر في قاعات النقابات. بينما كانت ذاته الأخيرة تنهض بإقطاعيته، تبني دفاعات خفية مستخدمة القلب الجوهري للدهليز، استعدادًا لهجوم مستقبلي.

أما درافن هذا، السائر عبر البرّية المقفرة، فكانت لديه مهمة مختلفة تمامًا؛ كان في طريقه إلى إمبراطورية فيلكانيس، قاصدًا مدينة الآثار السماوية. لقد كانت رحلته تبدو يسيرة، رغم أن البرّية كانت أبعد ما تكون عن الهدوء.

في الأفق، ثارت سحابة من الغبار، فضيقت عينا درافن. استطاع تمييز مجموعة من الأشكال: قافلة تحيط بها عدة قطاع طرق. توقف قليلًا، وازداد تركيز بصره، لقد كانوا خمسة، لا بل ستة من قطاع الطرق. كانوا مسلحين بأسلحة متفرقة، وثيابهم بالية ممزقة، ويغطون وجوههم بلفائف قماش خشنة.

بدت القافلة، وهي عربة واحدة تجرها خيلان، بلا حماية تُذكر. رفع تاجر وحيد، يرتدي عباءة باهتة، يديه مستسلمًا، وقد ارتسم الخوف على وجهه المجعد. صرخ قطاع الطرق بمطالبهم، وكانت أصواتهم خشنة وقاسية تعاند الريح العاصفة.

زفر درافن نفسًا، وظل تعبيره باردًا خاليًا من أي انفعال. لم يكن عليه أي التزام حقيقي للتدخل، فتلك لم تكن أرضه، وهؤلاء ليسوا قومه. لكن قطاع الطرق كانوا يعيقون طريقه، وكان عليه أن يمر دون مشكلات لا داعي لها. اتخذ قراره في لحظة خاطفة.

تحرك كطيف، وبدت هيئته كغيمة معتمة، وهو يقترب من القافلة من الخلف، يتسلل بصمت فوق الأرض الوعرة. كان قطاع الطرق منغمسين في ترويع ضحيتهم لدرجة أنهم لم يلاحظوا اقتراب الشخصية الملثمة. برقت عينا درافن وهو يقيم الوضع، وعقله يحسب المسافات والأسلحة ومواضع الضعف بدقة سريرية.

رفع أحد قطاع الطرق، رجل طويل يحمل رمحًا بدائيًا، سلاحه مشيرًا به بتهديد نحو التاجر. "هل أنت أصم أم ماذا، أيها العجوز؟" صرخ الرجل بحدة. "قلت لك: سلم كل ما تملك!"

امتدت يد درافن إلى مقبض سيفه القصير، وقبل أن يتمكن قاطع الطريق من رد الفعل، كان قد انقض عليهم. شقت الشفرة الهواء، سريعة ودقيقة، قاطعة الأوتار في ذراع الرجل. سقط الرمح من قبضته، محدثًا جلبة على الأرض بينما أطلق الرجل عويلًا من الألم، قابضًا على ذراعه النازفة.

استدار الآخرون مذعورين، لكن درافن كان قد بدأ حركته بالفعل. انحنى متفاديًا ضربة غير متقنة من شفرة صدئة، وسلاحه يتحرك ببراعة واضحة. وجدت الشفرة المعدنية هدفها، واخترقت جانب قاطع طريق آخر، الذي هوى على الأرض مع شهقة، وعيناه متسعتان من الصدمة.

تردد بقية قطاع الطرق، وتزعزعت شجاعتهم وهم يواجهون المهاجم غير المتوقع. تنقلت نظرة درافن الباردة بينهم، وجاء صوته منخفضًا حادًا، يخترق الفوضى. "ارحلوا. الآن."

للحظة، بدا وكأنهم سيقاومون. لكن النظرة في عيني درافن، اليقين البارد بالموت، جعلتهم يعيدون التفكير. تراجع أحد قطاع الطرق، وهو شاب ذو عينين جامحتين، خطوة إلى الوراء، ويداه ترتجفان. ودون كلمة أخرى، استداروا وفروا، واختفوا في البرّية المقفرة، تاركين رفاقهم صرعى خلفهم. [ ترجمة زيوس]

أعاد درافن سيفه إلى غمده، وظل تعبيره ثابتًا لا يتغير بينما حول انتباهه إلى التاجر، الذي كان يحدق به بعينين واسعتين، ويداه لا تزالان مرفوعتين في استسلام.

“هل أنت مصاب؟” سأل درافن، وجاء صوته رتيبًا، خاليًا من القلق لكنه مباشر.

رمش التاجر بعينيه، وأنزل يديه ببطء، وتنقّلت عيناه بين درافن والأشكال المتراجعة لقطاع الطرق. “لا، لا، أنا بخير. شكرًا لك يا سيدي، شكرًا لك... كانوا سيقتلونني، كانوا سيـ...” تلاشت كلماته، وارتجف صوته وهو ينظر إلى قطاع الطرق الصرعى، ليستوعب حقيقة ما حدث للتو.

أومأ درافن برأسه، ثم استدار وكأنه يهمّ بالمغادرة. لم يكن لديه اهتمام بالبقاء، لكن التاجر ناداه.

“انتظر! من فضلك، انتظر!” تعثر التاجر إلى الأمام، وكاد يسقط على قدميه من تسرعه. “أنا... لدي ما أقدمه لك. مؤن، معلومات، أي شيء. من فضلك، دعني أرد لك جميلك.”

توقف درافن، وألقى نظرة من فوق كتفه. قد تكون المؤن مفيدة، والمعلومات دائمًا ذات قيمة، خاصة بهذا القرب من إمبراطورية فيلكانيس. استدار مجددًا، ونظرته ثابتة. “ماذا تعرف عن الإمبراطورية؟ وعن مدينة الآثار السماوية؟”

ابتلع التاجر ريقه، ثم أومأ برأسه سريعًا. “فيلكانيس... لم تعد كما كانت. هناك فوضى في كل مكان؛ لقد شوهدت الوحوش بالقرب من المدينة، مخلوقات غريبة ما كان لها أن توجد. مدينة الآثار السماوية، التي كانت يومًا رمزًا للسلام، باتت الآن تحت تهديد الغزو المستمر من هذه الوحوش. الناس يخشون الاقتراب منها.”

استمع درافن، وتعبير وجهه خاليًا من أي تأثير. وحوش بالقرب من المدينة، تزعزع التوازن، لم يكن ذلك غير متوقع تمامًا، ولكن كان جيدًا أن يحصل على تأكيد. “وماذا عن المؤن؟” سأل.

أومأ التاجر بحماس، مسرعًا إلى الجزء الخلفي من عربته. فتح صندوقًا صغيرًا، كاشفًا عن حصص جافة، وقوارير ماء، وبعض الأعشاب الطبية. “خذ ما تحتاج إليه يا سيدي. إنه أقل ما يمكنني فعله.”

أخذ درافن كمية قليلة، تكفي لرحلته القادمة، ولكن ليست كثيرة بحيث تثقل كاهله. ألقى نظرة على التاجر، وأومأ برأسه مرة واحدة. “دراوفيس جرينجر،” قال ببساطة، مقدمًا اسمه المستعار. “عليك أن تغادر هذا المكان. إنه ليس آمنًا.”

أومأ التاجر، والامتنان محفور على وجهه. “شكرًا لك، درافيس. عسى الحكام أن يرعوك.”

استدار درافن دون كلمة أخرى، وعباءته ترفرف قليلًا في الريح وهو يواصل رحلته. امتدت البرّية المقفرة أمامه، لا نهاية لها ولا ترحم، لكنه تحرك بعزم، وعيناه الحادتان مثبتتان على الأفق.

انحدرت الشمس غربًا بينما اقترب درافن من أول مدينة داخل إمبراطورية فيلكانيس. كانت المدينة، الجاثمة على حافة البرّية المقفرة، تعج بالحياة حتى في هذه الساعة المتأخرة، أبوابها يحرسها جنود يرتدون دروعًا داكنة، ووجوههم محتجبة بالخوذات. راقبهم درافن من بعيد قبل أن يتقدم، مندمجًا مع تدفق المسافرين الذين يشقون طريقهم نحو المدينة.

ما إن دخل، حتى بدا التباين بين البرّية المقفرة والمدينة صارخًا. كانت الشوارع تضج بالضوضاء، تجار ينادون على بضائعهم، أطفال يركضون بين الأكشاك، وسكان يتنقلون بلهفة عبر الأزقة المزدحمة. أبقى درافن غطاء رأسه مرفوعًا، وعيناه تمسحان محيطه. كان بحاجة إلى معلومات، ولم يكن هناك مكان أفضل من مدينة تعج بالناس للحصول عليها.

شق درافن طريقه إلى حانة صغيرة، يترنح لافتتها برفق في النسيم، وهي تصور بشكل خشن سيفًا ودرعًا. في الداخل، كان الهواء كثيفًا برائحة الجعة والدخان، وقد ملأ همس المحادثات الأرجاء. وجد درافن داولة في زاوية، وأسند ظهره إلى الجدار، وأصغى.

لم يمض وقت طويل حتى سمع ما كان يبحث عنه. عند الحانة، كانت مجموعة من الرجال يتحدثون بصوت خافت، وتعابيرهم متوترة. ركز درافن على محادثتهم، فاستطاعت أذناه الحادتان التقاط كل كلمة.

“...هجوم آخر، هكذا يقولون. بالقرب من مدينة الآثار السماوية. الوحوش، مرة أخرى. يبدو وكأنها تخرج من الأرض ذاتها.”

“أجل، والحراس لا يستطيعون التعامل معها. يقولون إن هناك شيئًا ما خاطئًا بالمدينة. تحفة أثرية أو شيء من هذا القبيل يتسبب في المشكلات. لم يعد من الآمن الاقتراب منها، لا بعد الآن.”

ضيّق درافن عينيه قليلًا. وحوش، تحف أثرية، اضطرابات، كان هناك شيء ما يحدث بالقرب من مدينة الآثار السماوية، شيء يجذب هذه المخلوقات. اتكأ على كرسيه، وعقله يتسابق بالأفكار. كانت المدينة لا تزال على بعد محطتين من هنا، لكن ما يحدث هناك كان يؤثر بوضوح على المنطقة بأكملها.

صفع أحد الرجال على الحانة قدحَهُ، وارتفع صوته الآن، متسربًا الإحباط إلى كلماته. “إذا لم يفعلوا شيئًا قريبًا، فسنقع جميعًا في ورطة. المدينة اللعينة بأكملها ستسقط، وماذا بعد ذلك؟ ستكتسح فيلكانيس كلها.”

تمتم الآخرون موافقين، ووجوههم عابسة. راقبهم درافن للحظة أطول قبل أن ينهض، متسللًا خارج الحانة بصمت كما دخلها.

كانت شوارع المدينة أهدأ الآن، والسماء فوقها تزداد عتمة مع حلول الليل. تحرك درافن بعزم، وعيناه تمسحان وجوه الناس الذين يمر بهم. كان يشعر بالتوتر في الأجواء، بالطريقة التي يلتفت بها الناس خلفهم، وبالكيفية التي يتجول بها الحراس في أزواج، وأيديهم لا تفارق أسلحتهم. كان الخوف أمرًا ملموسًا هنا، ولم يزد ذلك إلا تأكيدًا لما كان يعرفه بالفعل.

كانت فيلكانيس على شفا الهاوية. وكانت مدينة الآثار السماوية هي المفتاح لكل ما كان يحدث.

_________________________________

تذكيرٌ واجبٌ من المترجم: ليكن في علم القارئ الكريم، أن كل شخصية، كل حدث، وكل حبكة في طيات هذه الرواية، هي محض نسجٍ من الخيال البشري للمؤلف، ولا تمت للواقع بصلةٍ أو حقيقةٍ ثابتة.

إنها مجرد حكايةٍ عابرةٍ بين ثنايا الورق، لا ينبغي لها أبداً أن تلهي النفس عن ذكر الله العظيم، أو عن التفكر في آياته الكبرى، أو عن تقدير قيمة الحياة الحقيقية ومسؤولياتها الجادة. فكل تلهٍ عن الحقائق الجوهرية هو خسارةٌ. هذا العمل الفني، بجماله وروعته، يبقى في النهاية وهمًا متخيلاً لا أكثر.

قدمه لكم زيوس، بكل أمانةٍ وإخلاصٍ في النقل، مع هذا التنبيه الواعي.

2026/03/06 · 19 مشاهدة · 1335 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026