تحركت إيلارا عبر المكان المكتظ بهدوئها المعتاد، حاملة صينيتها بتوازن لا عناء فيه بيدٍ واحدة. جالت نظرتها اللامبالية على بحر الطلاب، واستقرت عيناها على رأسٍ مألوفٍ ذي شعرٍ أحمر جامحٍ بالقرب من زاوية الغرفة القصية، إنها أمبرين. كانت تجلس إلى إحدى الداولات، وقد ارتسمت على وجهها عبوسة، وكانت صينيتها لم تُمس تقريبًا أمامها.
وما أن اقتربت إيلارا، حتى رفعت أمبرين رأسها بحدة، وقد ضاقت عيناها.
“أنتِ،” تمتمت أمبرين بصوتٍ يقطر تهيجًا. “ماذا تريدين؟”
توقفت إيلارا لحظةً، دون أن يتغير تعبير وجهها. “أنا هنا لأتناول طعامي،” قالت ببساطة، ثم وضعت صينيتها قبالة أمبرين وجلست.
أطلقت أمبرين تنهيدة يائسة، وصفعت كفها على الداولة. “أتتكلمين بجدية؟ هناك عشرات الداولات الفارغة الأخرى، وتختارين هذه بالذات؟”
التقطت إيلارا شوكتها، متجاهلة انفجار أمبرين، بينما كانت تنكش الخضروات في صينيتها. “نعم. لهذه الداولة إطلالة جيدة على الحديقة. وأنا أحب الهدوء.”
حدقت أمبرين بها، واحمر وجهها من الإحباط. “الهدوء؟ أتمزحين معي؟ أنا أبعد ما أكون عن الهدوء!”
رفعت إيلارا نظرها، وثبتت عينيها في عيني أمبرين. “بالضبط،” قالت بنبرتها الهادئة المعتادة، ولم يفضح تعبيرها شيئًا. “شكواكِ تميل إلى إغراق كل ضوضاء أخرى. إنها مريحة.”
فاغرة أمبرين فاها، واتسعت عيناها. “أنتِ—!” تمتمت متعثرة، وقد احمر وجهها. “ألديكِ جرأة لا مثيل لها، أتعلمين ذلك؟ أولًا تطرقين على رأسي كأنه باب، والآن تهينينني؟”
تناولت إيلارا لقمة من طعامها، تمضغ ببطء، وعيناها لا تفارقان أمبرين. ابتلعت، ثم قالت: “لم أكن أهينكِ. كنت أقدم ملاحظة.”
شهقت أمبرين، وربعت ذراعيها على صدرها، وأصابعها تقرع بذراعها بقلة صبر. “حسنًا، ربما عليكِ أن تتعلمي كيف تحتفظين بملاحظاتكِ لنفسكِ، يا ‘نبيلة الماء’.” لقد قُصد باللقب السخرية من لقب إيلارا، وهو ما كان الأساتذة يستخدمونه غالبًا لمدح موهبتها.
رمشت إيلارا، ولم يتغير تعبيرها. “لا أمانع المشاركة، في الحقيقة. خاصة عندما تكون دقيقة.”
أطلقت أمبرين ضحكة عدم تصديق. “أوه، تظنين أنكِ بارعة للغاية، أليس كذلك؟ لمجرد أنكِ تُوصفين بالطفلة العبقرية، لا يعني ذلك أنه يحق لكِ أن تنظري باحتقار إلى الجميع!”
وضعت إيلارا شوكتها، والتقت عيناها بعيني أمبرين، دون أن يتغير تعبيرها. “الأمر لا يتعلق بالنظر باحتقار إلى أي أحد، أمبرين. بل يتعلق بالإقرار بواقع قدراتنا. إن كنتِ تجدين صعوبة في ذلك، فربما يعكس هذا شيئًا عنكِ أكثر مما يعكس عني.”
فتحت أمبرين فاها لترد، وعيناها تومضان غضبًا، ولكن قبل أن تتمكن من النطق بكلمة واحدة، قاطع حوارهما صوت جديد. “هل ستتوقفان عن الشجار يومًا ما؟”
التفتت كلتا الفتاتين لترَيا ماريس تقف بجانب داولتهما، ويداها على خصرها، وقد تراءى على وجهها تعبيرٌ ممزقٌ بين الانزعاج والتسلية. كان شعرها الأسود الطويل ينسدل في تموجات ناعمة حول كتفيها، وعيناها اللطيفتان تتنقلان بين إيلارا وأمبرين بيأس.
“ماريس،” قالت أمبرين، وما زالت نبرتها مشبعة بالتهيج. “هذا ليس شجارًا. هذه أنا أحاول أن أجعلها تدرك أنها جدار من الطوب بلا مشاعر.”
رفعت إيلارا حاجبًا. “ظننت أنكِ قلتِ إني بارعة. جدار من الطوب بارع، ربما؟”
تنهدت ماريس، وقلبت عينيها بينما وضعت صينيتها بجانب أمبرين وجلست. “كفى،” قالت بحزم، حاملة نبرتها مسحة من الحسم. “بصراحة، أنتما مستحيلتان.”
أطلقت أمبرين أنينًا محبطًا، مسترخية في مقعدها. “هي التي بدأت،” تمتمت.
نظرت إيلارا إلى ماريس، ونبرتها متزنة. “في الحقيقة، أمبرين هي التي دخلت نطاق طرقي، لذا فنيًا هي التي بدأت.”
رفعت ماريس يدها، وتعبيرها صارم. “كفى. لا يهمني من بدأ. من المفترض أن تكونا عقلين لامعين في هذه الجامعة، لا أطفالًا يتشاجرون على من دوره أن يطرق الأبواب.”
أطلقت أمبرين تنهيدة، وهزت رأسها. “حسنًا، حسنًا. سأتوقف عن ذلك. ولكن فقط لأن ماريس طلبت.”
أمالت إيلارا رأسها قليلًا، وقد لان تعبيرها قليلًا. “وكذلك أنا.” [ ترجمة زيوس]
ابتسمت ماريس، واسترخت كتفاها بينما بدا التوتر على الداولة يتلاشى. التقطت ملعقتها، وتناولت لقمة من طعامها قبل أن تنظر إلى أمبرين وإيلارا. “إذًا، كيف كانت اجتماعاتكما مع الأستاذ درافن؟” سألت، بنبرة أكثر اعتيادية.
تلبّد تعبير أمبرين على الفور، وأطلقت تنهيدة ثقيلة. “لا تسألي،” تمتمت. “لقد مزق رسالتي البحثية إربًا. قال إنها قمامة—لا، في الحقيقة، قال إنها أسوأ من القمامة.” نكزت طعامها، وقد تجعد جبينها. “ثم أخبرني أن أذهب لأقرأ مجلة الساحر الشهرية. وكأن ذلك سيساعد.”
منحتها ماريس نظرة متعاطفة، وقد لانت عيناها. “أنا آسفة يا أمبرين. أعلم أنكِ بذلتِ الكثير من الجهد فيها.”
هزت أمبرين كتفيها، محاولة أن تبدو غير مبالية، رغم أن الإحباط كان لا يزال واضحًا في عينيها. “نعم، حسنًا، يبدو أن الجهد لا يعني شيئًا إن لم يرافقه الفهم. أنا فقط... أعتقد أنني بحاجة إلى إعادة التفكير في منهجي.”
أومأت ماريس برأسها، وتحول نظرها نحو إيلارا، التي كانت تتناول وجبتها بصمت. “وأنتِ يا إيلارا؟ كيف سار الأمر معكِ؟”
توقفت إيلارا لحظةً، ثم وضعت شوكتها، والتقت عيناها بعيني ماريس. “قال إن اقتراحي كان سخيفًا،” قالت ببساطة.
شهقت أمبرين، واتسعت عيناها. “انتظري، حقًا؟ قال هذا عن اقتراحكِ أيضًا؟” تسللت مسحة من الرضا إلى نبرتها. “أعني، لا أقصد الإهانة، لكنني ظننت أنكِ ستكونين طفلته الذهبية على الفور أو شيء من هذا القبيل.”
هزت إيلارا رأسها. “لا أحد بمنأى عن انتقاداته. قال إنه ما لم أقدم حجة مقنعة لسبب استحقاق موضوعي للبحث، فلن يأخذه في الاعتبار.”
عبست أمبرين، وقد أثار فضولها. “ما هو موضوعكِ على أي حال؟”
التقت إيلارا بنظرة أمبرين، وتعبيرها كالعادة غير مقروء. “أرغب في البحث عن أصول سمة المانا الذهبية في نسبي. أعتقد أنها قد تكون مرتبطة بقوة سماوية—شيء يتجاوز فهمنا الحالي.”
اتسعت عينا أمبرين قليلًا، وقد نسيت تهيجها للحظات. “قوى سماوية؟ مثل... الحكام أو شيء من هذا القبيل؟”
أومأت إيلارا برأسها. “ربما. لكنني أفكر أكثر في الاتصال بالنجوم. الأمر ليس واضحًا بعد. لكنني أؤمن أنه قد يكون هناك اتصال يستحق الاستكشاف.”
أشرقت عينا ماريس، وبدا فضولها واضحًا. “حسنًا، بعد أن أسمع ذلك مرة أخرى، يبدو الأمر رائعًا حقًا يا إيلارا. أرى لماذا قد يكون الأستاذ درافن متشككًا، لكنه يبدو أيضًا وكأنه قد يؤدي إلى اكتشافات مذهلة.”
أومأت إيلارا برأسها، وعيناها مليئتان بالتفكير. “لهذا السبب أريد متابعته. أعلم أن الأمر بعيد المنال، لكن إذا كانت هناك حتى فرصة لاكتشاف شيء ذي مغزى، فإنه يستحق العناء.”
استرخت أمبرين في كرسيها، وحل اهتمام حقيقي محل تهيجها. “تعلمين... نوعًا ما أُعجب بذلك،” اعترفت على مضض. “أعني، لن تكون لدي الجرأة لأحاول إثبات شيء كهذا، خاصة مع متابعة درافن الحثيثة لي.”
هزت إيلارا كتفيها قليلًا. “الأمر ليس عن الجرأة. بل عن الفضول. إن لم أحاول، فلن أعرف أبدًا.”
ابتسمت ماريس، ونظرتها دافئة بينما تنقلت بين أمبرين وإيلارا. “تعلمان، ربما يمكننا مساعدة بعضنا البعض،” اقترحت بصوتٍ ناعم. “أعني، كلانا نعمل على مواضيع بحثية مختلفة، لكنني أعتقد أننا قد نستفيد من تبادل أفكارنا ومساعدة بعضنا البعض في صقل رسائلنا البحثية.”
رفعت أمبرين حاجبًا، وقد أثار فضولها. “نساعد بعضنا البعض؟ كيف بالضبط؟”
انحنت ماريس إلى الأمام، واكتسب صوتها نبرة أكثر حماسًا. “حسنًا، على سبيل المثال، يا أمبرين، قد يكون عملكِ على تقارب العناصر مفيدًا لإيلارا. إذا كانت تحاول إثبات اتصال سماوي بماناها، فإن فهم كيفية تفاعل العناصر المختلفة قد يكون حاسمًا في إظهار كيف يمكن لتلك القوى أن تؤثر على نسبها.”
رمشت أمبرين، واتسعت عيناها. “انتظري، هل تظنين أن عملي يمكن أن يساعد إيلارا؟”
أومأت ماريس برأسها. “بالتأكيد. وأنتِ يا إيلارا، يمكنكِ مساعدة أمبرين في حسابات توازن الطاقة. أنتِ بارعة في هذا النوع من الأمور، وقد يساعدها ذلك في جعل رسالتها البحثية أكثر رسوخًا.”
أمالت إيلارا رأسها قليلًا، وضاق عيناها وهي تفكر في اقتراح ماريس. “أرى وجهة نظركِ. تقارب العناصر يتعلق بإيجاد توازن بين القوى—شيء قد يكون مفيدًا في فهم كيفية تفاعل الطاقة السماوية مع السحر البشري.”
تغير تعبير أمبرين، وتجعد جبينها وهي تفكر. “وربما... قد يساعدني فهم القوى السماوية على معرفة كيفية تثبيت عملية التقارب. إذا كانت هناك قوة عليا متورطة، فربما يمكنها أن تساعد في موازنة الأمور.”