292 - "هذا الوغد، يجعلني أعتقد أنني سأفوز ثم ينتزع النصر مني. إنه أمرٌ محبطٌ حقاً".

خسرت أربع مرات متتالية. وفي كل مرة، كانت تعتقد أنها على وشك الظفر، لكن درافن كان ينسف استراتيجيتها وكأنه يسلخ قشرة فاكهة، بنعومة ودون جهد يذكر. كان هذا وقتها، كانت متأكدة من أنها ستفوز، فقد كانت عيناها تلتقطان كل فخ نصبه، وعقلها يستشرف ثلاث حركات للأمام.

لكن ذلك الإحساس، شعور الانتصار وهو يُنتزع منها لحظة اقترابه، ظل عالقاً بها وجعلها تصك أسنانها بغضب. أطلقت تكة بلسانها، وهي تحدق في درافن عبر الداولة وقد تملكها الإحباط.

تَمتمت تحت أنفاسها: "هذا الوغد، يجعلني أعتقد أنني سأفوز ثم ينتزع النصر مني. إنه أمرٌ محبطٌ حقاً".

كادت أن تنفجر فيه، بعبارة مثل: "يا لك من وغد متغطرس، توقف عن اللعب معي كالقط بالفأر!"، لكنها توقفت. وقعت عيناها على وجهه، فتسمرت في مكانها. كان درافن في قمة تركيزه. عيناه، اللتان كانتا باردتين خاليتين من التعبير عادةً، ضاقتا بتركيز عميق، يعلو جبينه التجهم.

تدحرجت قطرة عرق على صدغه، ولأول مرة، كانت شفتاه مضمومتين في خط رفيع مشدود. هل كان... يكافح؟ لا، ليس يكافح تماماً، بل يركز بجدية بالغة.

رمشت أوريليا، وتلانت نظرتها لجزء من الثانية قبل أن تدرك أنها هي الأخرى تتعرق. حامت أصابعها فوق حجر، ترتعش قليلاً وهي تحاول كبح أنفاسها، محافظة على هدوئها. عادت عيناها إلى وجه درافن، تراقبه وهو يركز على اللوح.

هل حقاً لم يكن يستهين بها؟ طوال هذا الوقت، ظنت أنه كان يكبح جماح نفسه، ويسمح لها بالاعتقاد بأن لديها فرصة، فقط لتبديد آمالها في النهاية. لكنها الآن، وهي تنظر إليه، رأت شيئاً مختلفاً. التركيز، الانتباه، الرعشة الخفيفة في يده وهو يمدها لحركته التالية، كل ذلك كان حقيقياً. لم يكن يستهين بها، ولا كان يسخر منها.

كان يضع كل ما لديه في هذه المباراة.

جال بصر درافن نحوها للحظة وجيزة، نظرة عابرة بدت وكأنها تقيس حركتها التالية، ثم عاد بتركيزه إلى اللوح. وضع حجره التالي، فتردد رنينه الخافت بينهما. كانت حركة خفية، لكنها أحكمت إغلاق خياراتها مرة أخرى، وأعادت محاولاتها للإيقاع به إلى سلسلة من الطرق المسدودة.

أخذت أوريليا نفساً عميقاً، وعادت عيناها إلى اللوح. لن تتأثر، ليس هذه المرة. ألقت نظرة أخرى على فوضى الأبيض والأسود، وأدركت أن الأمر لم يعد مجرد لعبة، بل هو صدام إرادات صريح. علمت أن استراتيجية درافن كانت متقدمة عليها بخطوة، لكنها كانت مستعدة للعودة. تركت نفسها تغرق في تعقيدات اللوح.

رويداً رويداً، بدا العالم من حولهما يتلاشى، الخادمات، الحراس على حافة الغرفة، مدفأة الحطب المتلألئة. كل ما كان يهم هو شبكة لوح الـ'غو'، والأحجار، والمعركة الصامتة التي تدور بينهما، حركة تلو أخرى.

تحركت أصابع أوريليا فوق أحجارها، وعيناها تدققان في كل سيناريو ممكن. تخيلت كل نتيجة، ووازنت كل خطر ومكافأة محتملة. ازداد الهواء بينهما توتراً، ثقيلاً بالترقب وعبء القرارات التي لم تُتخذ بعد.

بدا الزمن يتباطأ مع تقدم اللعبة. حجراً تلو حجر، وضع درافن قطعه بدقة باردة. كلما ردت، كان يتأقلم، يخلق طُعماً تلو طُعم، وينصب أفخاخاً أجبرتها على تحويل تركيزها، وعلى تعديل استراتيجيتها. كان كر وفر جنونياً، كرقصة كان درافن يقودها، ولكن بالكاد.

حاولت أن تتنبأ بحركته التالية، وأن تجد الثغرة في إتقانه التام، لكن في كل مرة ظنت أنها رأت ضعفاً، تلاشت، غطاها طبقة أخرى من التعقيد.

لم تكن تخسر وحسب؛ بل كانت تُساق إلى الخسارة برشاقة، وكأنه يجذبها معه، ويجعلها تظن أن لها رأياً في كيفية انتهاء الأمور، فقط ليكشف أنه كان مسيطراً طوال الوقت. لم تستطع إنكار المهارة، البراعة المطلقة التي يتمتع بها في هذه اللعبة. كان الأمر محبطاً، ومثيراً للإعجاب، والغريب أنه كان ملهماً.

رفعت أوريليا بصرها إلى درافن، عيناها تضيقان على وجهه الهادئ، وحركاته الرصينة والمنهجية. كان تركيزه مطلقاً، وتعمقه لا يتزعزع. ثم، لسبب لا يُفسَّر، تخطى قلبها نبضته. رمشت، تشعر بالتدفق المفاجئ في صدرها، والدفء الذي انتشر على بشرتها. 'ما هذا الشعور؟'

انحبست أنفاسها، وحاولت أن تستعيد زمام نفسها. عادت نظرتها إلى اللوح، وأصابعها تتتبع حركتها التالية، لكن عقلها ظل يتجول نحو وجهه، تعبيراته، شدته. دَقّ. صدى نبضات قلبها في أذنيها، أعلى الآن، أكثر إلحاحاً.

'ما هذا؟' تمتمت تحت أنفاسها، عابسةً من نفسها. قبضت على فكها، وأصابعها تحوم فوق اللوح. هزت رأسها قليلاً، محاولةً تجاهل هذا الشعور الغريب. ثم، أدركت الأمر فجأة.

"آه..." تنفست، وشفتيها ارتسمت عليها ابتسامة ساخرة. "هذا هو الحماس."

كان هذا هو نفس الشعور الذي انتابها عندما بدأت تتعلم السحر لأول مرة، حينما دفعها والدها لتتجاوز حدودها، يتحدّاها لتكون أفضل، لتفهم أكثر، لتصل إلى آفاق لم يستطع أحد سواها بلوغها. كانت هذه إثارة التحدي، معرفة أن هناك من يقف أمامها يمكنه دفعها، من لن يسلمها النصر بسهولة. درافن لم يكن يكبح جماح نفسه.

لم يعاملها كملكة تحتاج للدلال أو كطالبة كسولة أدنى من مستواه. بل كان يعاملها كخصم جدير، وهذا الإدراك كان ملهماً.

وضعت أوريليا حجرها التالي، وعيناها متوقدةً بالعزيمة. استمرت اللعبة، وقاتلت بكل ما تملك، وعقلها يتسابق، وقلبها يخفق وهي تحاول مواكبة استراتيجية درافن التي لا تتوقف. لكن في النهاية، لم يكن ذلك كافياً. استقر درافن في حركته الأخيرة، فحسم مصيرها، وعلمت، مرة أخرى، أنها خسرت.

أطلقت نفساً طويلاً، واسترخت كتفاها قليلاً وهي تستند إلى كرسيها، عيناها لا تزالان على اللوح. لقد انتهى الأمر. لقد هُزمت. مرة أخرى. لكن هذه المرة، لم تكن مرارة الخسارة بالشدة ذاتها كما كانت من قبل. هذه المرة، كان هناك شيء آخر، شعور بالرضا، بتقديم قصارى جهدها، وبأنها تحدت بطريقة لم تعهدها منذ سنين.

رفع درافن رأسه، وعيناه الباردتان التقيتا بعينيها، وللحظة، تبادلا التحديق. ارتسمت على شفتي أوريليا ابتسامة ساخرة، وهزت رأسها قليلاً.

قالت بصوت يمزج بين الإحباط والمرح: "هذه خسارتي مرة أخرى". ثم مالت إلى الأمام، وسندت مرفقيها على الداولة، عيناها لا تبرحان وجهه: "بجدية، أنت لا تتوقف عن إثارة اهتمامي. لا تتوقف عن إثارة حماسي".

درسها درافن للحظة، ثم أغمض عينيه، وأخذ نفساً عميقاً وثابتاً. زفر ببطء، واسترخت هيئته وهو يستند إلى كرسيه. قال بصوت هادئ ورصين: "إذاً هو فوزي، جلالة الملكة". فتح عينيه، وكانت هناك لمعة خافتة في عينيه، شيء شبيه بالاحترام. "ستكون المحاضرة التالية دورة تدريبية كاملة، وفقاً لاتفاقنا".

"أتطلع إلى العمل معكِ مرة أخرى".

رفعت أوريليا حاجبها، وابتسامة عريضة انتشرت على وجهها. كررت بصوت مليء بالتحدي: "دورة تدريبية كاملة، هاه؟ هل تظن أنك تستطيع أن تتحملني كل هذا الوقت يا درافن؟"

لم يتراجع، وظلت نظراته ثابتة. أجاب بنبرة هادئة، لكنها تحمل لمحة من ابتسامة ساخرة: "أعتقد أنكِ ستكونين من يحتاج إلى مواكبة الأمر، جلالة الملكة".

ضحكت أوريليا ضحكة صادقة مدوية تردد صداها في الغرفة. وتبادل كل من الخادمات والحراس الذين كانوا يراقبون بصمت طوال الوقت نظرات متوترة، غير متأكدين مما يجب فعله حيال المشهد. كان ضحك الملكة صوتاً نادراً، لم يسمعوه منذ فترة طويلة.

قالت أوريليا وعيناها لا تزالان مثبتتين على درافن، وابتسامتها الساخرة لم تتلاشَ: "أيها الوغد، هل تعلم ذلك؟ لكن ربما هذا بالضبط ما أحتاجه".

أومأ درافن برأسه قليلاً، مقراً بكلماتها دون أن يفقد هدوءه. "إذا كان كوني 'وغداً' هو ما يتطلبه الأمر لتعليمكِ، فليكن ذلك، جلالة الملكة".

هزت أوريليا رأسها، واتسعت ابتسامتها. دفعت نفسها من كرسيها، ويداها ترتكزان على حافة الداولة وهي تنظر إليه. "حسناً إذاً. لنستمر. لنرى إلى أي مدى يمكنك أن تدفعني".

وقف درافن هو الآخر، وعيناه تقابلان عينيها، تعابير وجهه لا يمكن قراءتها كالعادة. قال بصوت ثابت: "سأدفعكِ إلى أقصى ما ترغبين فيه. هذا واجبي كمعلمك".

أمالت أوريليا رأسها قليلاً، تدرسه للحظة قبل أن تومئ. "جيد. لأنني لا أنوي التوقف حتى أبلغ القمة".

أومأ درافن بدوره، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه. "لم أكن لأتوقع منكِ أقل من ذلك، جلالة الملكة".

وقفا هناك للحظة أطول، تحول التوتر بينهما، لم يعد توتراً بين خصمين، بل شيء آخر، شيء يتحدث عن احترام متبادل، وتفاهم مشترك. ثم استدارت أوريليا، وشعرها البلاتيني الأشقر يتمايل بينما تتحرك، [ ترجمة زيوس] وصوتها يتردد في الغرفة وهي تنادي من فوق كتفها:

"لنحتسِ شاياً قصيراً قبل المغادرة. لن أسمح لك بالاستمتاع بكل المرح وحدك. لقد درست وخسرت مباراة، آمل أن تسليني ببعض الشاي على الأقل."

تبعها درافن، نظراته ثابتة، تعابير وجهه هادئة كالعادة، لكن كانت هناك شرارة في عينيه، شرارة اهتمام وتحدٍ. قال بصوت يحمل لمحة من شيء أقرب للمرح: "كما تشائين، جلالة الملكة".

غادرا الغرفة معاً، تاركين لوح الـ'غو' وراءهما، والأحجار لا تزال مبعثرة على سطحه، شهادة على المعركة التي دارت للتو، وعلى صدام العقول والإرادات.

راقب الحراس والخادمات مغادرتهما، عيونهم واسعة، وقلوبهم تخفق بإدراكهم أن شيئاً ما قد تغير بين الملكة ومعلمها، شيء شعروا بأنه قوي، شيء بدا وكأنه بداية لشيء أعظم.

وبينما كانا يسيران في الردهة، ألقت أوريليا نظرة خاطفة على درافن، وعيناها تتوهجان بالمشاكسة. قالت بنبرة مازحة: "أتعلم يا درافن، ذات يوم، سأهزمك. وعندما أفعل، عليك أن تستعد للتوسل".

نظر إليها درافن، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة. "سأحرص على إعداد نفسي لذلك الاحتمال البعيد الحدوث، جلالة الملكة".

شمخرت أوريليا، وهزت رأسها. "احتمال بعيد، هاه؟ سنرى ذلك".

استمرا في السير في الردهة، وأصواتهما تتلاشى في الأفق، تاركين وراءهما الغرفة الفارغة واللوح المهجور، رمزاً للمعركة التي خاضاها والمعارك القادمة.

بالنسبة لأوريليا، كانت هذه مجرد البداية. إثارة التحدي، وحماس دفعها إلى أقصى حدودها، كان هذا هو ما كانت تشتاق إليه طوال الوقت، والآن بعد أن وجدته، لا تنوي التفريط به.

2026/03/08 · 15 مشاهدة · 1395 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026