اكتنف الظلام الليل كثيفًا، وتكدست الظلال في كل زاوية من الأزقة الضيقة بينما تبعت أمبرين وماريس ألفرد عن كثب. بدت الحجارة المرصوفة تحت أقدامهما وكأنها تمتص القليل من نور النجوم المتلألئة في الأعالي، مما أضفى على الرحلة كلها طابعًا غريبًا، يكاد يكون حلميًا.
تحرك ألفرد بعزم شديد، حتى بدا الأمر وكأنه متعمد، كمن يقودهما في متاهة لا يعرف دروبها سواه. كان الطريق متعرجًا ومربكًا، مليئًا بالمنعطفات الضيقة التي جعلت أمبرين تشعر بالضياع. لم تستطع تحديد ما إذا كانتا لا تزالان تتجهان غربًا، أم أن ألفرد قد عاد أدراجه بقصد.
تبادلت أمبرين نظرة قلقة مع ماريس، التي بادلتها بنظرة لا تقل ارتباكًا. كانت كلتاهما تحاولان فهم الموقف الغريب الذي وجدتا نفسيهما فيه. لم يزد صمت ألفرد إلا من قلقهما، وكاد التوتر بينهما يلمس، بينما استمر الصمت، ولم يقطعه سوى صوت خطواتهما الخافت.
“إلى أين يقودنا؟” همست أمبرين أخيرًا، وكاد صوتها لا يصل إلى مسامع ماريس.
“لا أدري على الإطلاق،” أجابت ماريس، وقطبت جبينها. “لكن يبدو وكأنه لا يريد لأحد أن يتبعهما.”
أومأت أمبرين رأسها، تتفحص بعينيها المتلفتتين، فتلتقط ومضات من الظلال المتحركة في الضوء الخافت. مرتا بساحة مهجورة، غطت أرضها الأعشاب البرية التي لامست كواحلتهما. وقفت نافورة متصدعة وجافة في المنتصف، كتحفة منسية من زمن أفضل. بدا الهواء هنا مختلفًا، أكثر هدوءًا، وكأن بقية المدينة قد تُرِكت وراءهما.
كلما توغلتا أبعد، لاحظت أمبرين تزايد الفارق في محيطهما. كانت الأحياء الفقيرة جزءًا شاسعًا من العاصمة، مترامية الأطراف ومليئة باليأس. كانت التناقضات بين حياة النبلاء والعوام واضحة تمامًا هنا، فالمنازل المتهالكة تتكئ على بعضها البعض وكأنها تحاول البقاء واقفة بقوة إرادتها وحدها.
التوت الشوارع الضيقة وانحرفت، وأصبحت المنازل أقل وأكثر تباعدًا، لتفسح المجال لأزقة صغيرة منعزلة. هنا، كانت مظاهر الحياة في كل مكان، أناس يتجمعون حول نيران مؤقتة، وجوههم شاحبة ومتعبة. أطفال يركضون حفاة الأقدام في الشوارع بملابس ممزقة، ضحكاتهم ممزوجة بشعور بالصمود رغم ظروفهم القاسية.
امتلأ الهواء برائحة الدخان والقذارة، وشيء معدني خفيف، تذكير دائم بالصراع الذي يتغلغل في هذا الجزء من المدينة. مرتا بامرأة عجوز تجلس على جانب الطريق، عيناها مرهقتان لكنهما تحملان نظرة طيبة، وهي تراقب سلة صغيرة من الأعشاب التي تحاول بيعها. واتكأ رجل ذو لحية متفرقة على حائط، عيناه تتلفتان بريبة، وإحدى يديه تقبض على مقبض سكين صدئة.
كلما تعمقتا، زادت رؤية أمبرين للواقع القاسي للحياة هنا؛ عائلات مكتظة في أكواخ بالكاد تصمد، أسقف مؤقتة مرممة بما يمكن جمعه من مواد، والجوع الدائم الذي يكمن في عيون كل من مروا بهم. شعرت أمبرين بالتحول التدريجي؛ وكأنهما تعبران حاجزًا غير مرئي يفصل الفوضى عن جزء من المدينة يبدو وكأنه يتجاوز حدود الزمن.
بعد ما بدا وكأنه دهر من السير، توقفتا أخيرًا أمام مبنى متواضع. التفت ألفرد إليهما، ولم يتغير تعبير وجهه، وأشار لهما بالتوقف. نظرت أمبرين إلى المبنى بعين الشك. كان قديمًا، جدرانه الحجرية متصدعة ومتآكلة، لكن كان هناك شيء آخر بشأنه، شعور بالهدوء لا يتناسب مع بقية الأحياء الفقيرة.
“أهذا هو المكان؟” سألت ماريس، وصوتها يكتنفه التردد وهي تحاول تمييز اللافتة الباهتة فوق الباب. ضيقت أمبرين عينيها، بالكاد تمكنت من قراءة الحروف في الضوء الخافت.
“إنه ملجأ للأيتام،” قالت أمبرين، وصبغت الحيرة نبرة صوتها. “ماذا نفعل هنا؟” لم يجب ألفرد. بدلًا من ذلك، تقدم وفتح الباب، ممسكًا به لهما. لم يفصح تعبير وجهه عن شيء، لكن إشارته لهما بالدخول كانت مهذبة، وإن كانت حازمة. لم يكن هناك مجال للجدال.
تبادلت أمبرين وماريس النظرات. هزت ماريس كتفيها قليلًا قبل أن تخطو إلى الداخل، وتبعتها أمبرين، وقد أثار فضولها الموقف رغم شعور القلق المتزايد في صدرها.
كان داخل الملجأ مهندمًا بشكل يثير الدهشة. كانت الأرضيات نظيفة، وعلى الرغم من أن الجدران كانت تحمل علامات الزمن، إلا أنها كانت خالية من الأوساخ والقذارة. كان للمكان شعور غريب بالنظام والسلام، مختلفًا تمامًا عن العالم الخارجي. وجدت أمبرين نفسها تتفحص المكان، تلاحظ اللمسات الصغيرة التي تدل على العناية؛ مزهرية من الزهور الطازجة على داولة، كومة من البطانيات المطوية بدقة، وألعاب مرتبة بعناية فائقة. وبينما توغلتا أعمق، وصلهما صوت مألوف. كان باردًا ومنفصلًا، يتردد صداه في الممر الضيق بهالة سلطة لا تخطئها العين. تعثرت خطوات أمبرين، واتسعت عيناها بذهول.
“هل هذا…؟” بدأت، تنظر إلى ماريس التي بدت مذهولة مثلها.
“الأستاذ درافن…” همست ماريس، وصوتها يكاد لا يسمع.
قادهما ألفرد في الردهة، وظلت قامته مستقيمة، وتوقف أمام باب كان مواربًا قليلًا. دفعه ليفتحه، كاشفًا عن مشهد لم تتوقعاه أبدًا.
هناك، يقف أمام سبورة سحرية كبيرة، كان الأستاذ درافن. كانت هيبته تسيطر على الغرفة، كالعادة، وعيناه الثاقبتان تركزان على الأطفال أمامه. كان يرتدي ملابسه بدقة متناهية، بدلته الداكنة مصممة بإتقان، ومظهره باردًا ومنفصلًا بينما كان يشرح مفاهيم سحرية معقدة للمجموعة المحتشدة حوله.
كان الأطفال أنظف مما توقعت أمبرين لقاطني الأحياء الفقيرة، ملابسهم أنيقة، ووجوههم مشرقة بالفضول. كانوا يراقبون درافن باهتمام شديد، يتشبثون بكل كلمة ينطق بها وهو يتحدث عن السحر العنصري بدقة بدت شبه جراحية.
رفرفت أمبرين عينيها، مذهولة. لم تتخيل قط أن درافن قد ينخرط في شيء كهذا. كان إيرلًا، شخصًا يرى نفسه فوق الجميع، متغطرسًا ومستهزئًا، ومع ذلك، ها هو هنا، يعلم الأطفال السحر في ملجأ للأيتام في الأحياء الفقيرة. التباين بين ما ظنت أنها تعرفه عن الرجل وما كانت تشهده تركها مصدومة.
ألقت ماريس نظرة على أمبرين، وعيناها هي الأخرى متسعتان من الصدمة. لقد أنقذها درافن مرة من قبل، لكن هذا الأمر كان مختلفًا. لم يكن هذا قرارًا تكتيكيًا أو فعلًا ضروريًا، بل كان مقصودًا. هادفًا.
“هل هو… كان نبيلًا هكذا دائمًا؟” همست أمبرين، والحيرة بادية عليها.
هزت ماريس رأسها قليلًا. “لا أعرف. ربما… ربما هناك ما هو أكثر مما كنا نظن عنه.”
قبل أن تتمكن أمبرين من الرد، تحولت نظرة درافن، لتستقر عيناه عليهما. بدت نظرته الباردة الثاقبة وكأنها تجرد كل طبقة من التظاهر، وتتركهما تشعران بالضعف. بدا أن الغرفة ازدادت برودة، واستُبدل الدفء الذي كان موجودًا قبل لحظات ببرود جليدي. وفجأة. [ ترجمة زيوس]
“أنتما غير مدعوتين،” قال درافن، ونبرته باردة كالنظرة في عينيه. شعرت أمبرين بوهن في ركبتيها، فسلطة صوته اخترقتها كشفرة حادة. حاولت أن تتمتم بتفسير، لكن صوتها خذلها، وجف حلقها فجأة. وبدت ماريس هي الأخرى عاجزة عن إيجاد الكلمات للرد.
قبل أن يتمكنا من استجماع قواهما، ارتفع أحد أقلام درافن، الذي كان ملقى على المكتب بجانبه، فجأة في الهواء. تحرك بسرعة فائقة لم يتمكنا معها من التفاعل، فمرت بهما وخارج الباب. بعد لحظات، أضاء وميض من الضوء الممر، تلته انفجار هز الأرض من الخارج. هزت قوة الانفجار النوافذ، وتردد صداه في الجدران، مما جعل قلب أمبرين يقفز. تساقط الغبار من السقف، ولثانية، بدا وكأن المبنى بأكمله قد اهتز في أعقاب الانفجار.
استدارت أمبرين وماريس بسرعة، وعيناهما متسعتان من الصدمة. عبر الباب المفتوح، رأتا بقايا مخلوق؛ شكل بشع، يشبه الزومبي، كان يتربص بالخارج. عاد القلم، وهو يتوهج الآن بهالة سحرية خافتة، يطفو ببطء إلى الداخل، عائدًا إلى يد درافن وكأن له إرادة خاصة به.
أمسك درافن بالقلم دون أن يلتفت إليه حتى، وعيناه لا تزالان مثبتتين على أمبرين وماريس. بدا غير متأثر بالهجوم على الإطلاق، وتعبيره هادئ ومنفصل كالمعتاد. قال ببساطة: “أحسنتما البقاء على قيد الحياة، ماريس الناشئة، أمبرين الناشئة.”
كانت نبرته أقرب إلى الاستخفاف، وكأن بقاءهما على قيد الحياة لم يكن سوى إزعاج طفيف؛ اختبار كادتا تفشلان فيه. ابتلعت أمبرين ريقها بصعوبة، وقلبها لا يزال يخفق بشدة في صدرها. ألقت نظرة على ماريس، التي بدت مذهولة مثلها، وعيناها متسعتان بذهول.
فتحت ماريس فمها لتقول شيئًا، لكن الكلمات لم تخرج. لم تستطع إلا أن تحدق في درافن، وعقلها يتسابق بالأسئلة. 'لماذا هو هنا؟ ماذا يفعل مع هؤلاء الأطفال؟ والأهم من ذلك، ما الذي ورطتا نفسيهما فيه للتو؟'
حول درافن انتباهه مرة أخرى إلى الأطفال، وانتقل تركيزه بسهولة بعيدًا عن أمبرين وماريس وكأنهما لم يعودا يستحقان وقته. استمر في محاضرته، وصوته بارد وحازم، والأطفال يراقبونه بإجلال واحترام.
“الآن، أين كنا؟ آه، نعم. الخصائص الأساسية لسحر النار،” قال درافن، وعيناه تتفحصان الوجوه المنتبهة. “النار، على عكس الماء أو الأرض، عنصر من الطاقة النقية. إنها تتطلب التحكم، والدقة، وفوق كل شيء، نية واضحة. إذا تراجعت نيتك، فإن ألسنة اللهب لن تستهلك هدفك فحسب، بل ستلتهمك أنت أيضًا.”
رفع أحد الأطفال، وهو صبي صغير ذو خصلات شعر داكنة متطايرة، يده بخجل. “أستاذ، ماذا لو… ماذا لو تغيرت النية في منتصف الطريق؟ هل سترتد التعويذة؟”
توقف درافن للحظة، ونظرته حادة وهو يمعن النظر في السؤال. “إذا تغيرت نيتك في منتصف الطريق، فإنك تخاطر بفقدان السيطرة كليًا. سحر النار لا يرحم. إنه يتطلب تركيزًا لا يتزعزع.” أشار نحو السبورة السحرية، حيث ظهر رسم بياني معقد لرموز عنصرية. “لهذا السبب نبدأ بتمارين بسيطة. لبناء الانضباط. فبدون الانضباط، السحر هو فوضى.”
تقدمت طفلة أخرى، ذات عينين لامعتين. “ولكن يا أستاذ، أنت تجعل الأمر يبدو سهلًا للغاية. كيف تحافظ على تركيزك طوال الوقت؟”
لمسة ابتسامة خافتة، تكاد لا تُرى، لامست شفتي درافن، وإن كانت لا تحمل أي دفء. “الممارسة. الممارسة المتواصلة. أنتم ترون النتيجة فقط، لا الساعات التي لا تحصى التي قضيتُها في إتقان التحكم.” نقر السبورة، وتغيرت الرموز، مشكلة رسمًا بيانيًا للهب محاط بدائرة. “يجب أن تصبحوا سادة سحركم الخاص. إذا لم تتمكنوا من ذلك، فمن الأفضل ألا تحاولوا على الإطلاق.”
أومأ الأطفال برؤوسهم، وتعبيراتهم جادة. خيم صمت ثقيل في الهواء، وكأن كل كلمة نطق بها درافن تحمل ثقل حقيقة لا يمكن كسرها. وجدت أمبرين نفسها عاجزة عن إبعاد بصرها، فشدة تدريسه كانت آسرة بحد ذاتها.
استمر درافن، ونبرته لا تلين. “الآن، سيحاول كل منكم استدعاء لهب متحكم فيه، لا يزيد حجمه عن هذا،” قال، رافعًا يده ليشير إلى حجم صغير. “ركزوا نيتكم، وجهوا المانا، وتذكروا؛ التحكم هو كل شيء.” سرت قشعريرة في عمود أمبرين الفقري. هذا الرجل، هذا الرجل البارد، المحنك، كان أكثر بكثير مما يبدو في كل مرة ظنت أنها كادت تفهم حقيقته الكاملة. وبينما وقفت هناك، تحاول فهم ما شهدته للتو، لم تستطع التخلص من الشعور بأنهم لم يكشفوا سوى القليل من سر الأستاذ درافن.