تفتحت عينا أمبرين بصعوبة بالغة، ولم تدرِ كم مضى عليها وهي حبيسة هذا المكان. كان الظمأ والجوع ينهشانها، وكأن أيامًا طويلة قد انقضت، بينما غشاوة الرؤية تكسو عينيها في ضوء القاعة الخافت. آلام حادة تجتاح جسدها بأكمله، فما زالت الوشوم تلهب بشرتها ببرودة حارقة لا تحتمل. وقد غاصت السلاسل المسحورة في معصميها، تستنزف المانا منها، لتتركها واهنة عاجزة عن أي حراك.

حاولت أن تتقلب، لكن عضلاتها صرخت محتجة، والمعدن البارد ينهش جلدها. أطلقت زفيرًا متقطعًا، وقلبها مثقل باليأس، غير أن شيئًا عميقًا في أعماقها أبقاها صامدة مقاتلة. لم تكن لتستسلم أبدًا، ولم يكن بوسعها ذلك.

كان الظلام طاغيًا، يكاد يخنق الأنفاس، ولم يمنح بصيصًا من النور سوى الرموز الخافتة المتوهجة على الجدران. شعرت بالإرهاق يفتك بها، فماناها استُنزفت بالكامل تقريبًا، وجسدها هزيل منهك. لكن أمبرين كانت دائمًا عنيدة، فروحها أبت الانكسار، حتى مع خفوت قوتها الجسدية.

كزّت على أسنانها، وأغمضت عينيها بشدة، محاولةً التركيز على وميض الدفء الذي ما زال يساورها. كادت تسمع صوت إفريت، يحثها على الصمود، ألا تدع الخوف يسيطر عليها. أرادت أن تكون قوية، لكن الخوف لم يتراجع. تسلل إلى أفكارها، إلى عظامها، يوسوس بأن لا أمل يرجى، وأن لا مخرج من هذا الكرب.

لكن أمبرين رفضت الإنصات، فأخذت نفسًا عميقًا متقطعًا، أجبرت نفسها على التركيز، لتفكر في شيء آخر غير الألم والظلام المحيط بها. تذكرت دفء إفريت، روح اللهب التي لطالما بدت تفهمها وتهتم بها. وتذكرت درافن أيضًا، وجهه عندما سُحبت عبر البوابة، تعابير الإحباط، بل والذعر، التي لم ترها منه من قبل.

لم يكن بوسعها أن تفقد الأمل، ليس طالما كانت هناك فرصة، وإن كانت ضئيلة، للهروب. لم تكن مستعدة للاستسلام بعد. فتحت أمبرين عينيها، وضيقت نظرتها وهي تحدق في السلاسل المسحورة. كان عليها أن تحاول، أن تقاتل، حتى لو كان الأمر مؤلمًا، حتى لو بدا مستحيلاً.

وببطء، بدأت تختبر السلاسل، وأصابعها ترتجف وهي تشدها. كان المعدن باردًا، ينهش جلدها، لكنها كزّت على أسنانها وشدت بقوة أكبر. شعرت بماناها تستنزف، والسلاسل تضيق بألم حول معصميها، لكنها أجبرت نفسها على تحمل ذلك. أغمضت عينيها، مركزةً على ما تبقى من المانا القليل لديها، محاولةً سحبها إلى يديها. كانت واهنة، جمرة متلألئة مقارنة بسحرها المعتاد، لكنها كانت هناك.

أخذت أمبرين نفسًا عميقًا، وأصابعها ترتجف وهي تحاول توجيه المانا إلى السلاسل. همست تعويذة بسيطة، بصوت يكاد لا يسمع، كلمات كادت تضيع في العتمة. تلألأ السحر، مكافحًا السلاسل المصممة لامتصاصه. شعرت بالرد الفوري تقريبًا، ألم حاد وحارق اجتاح ذراعيها، فأطلقت صرخة. توتر جسدها، واحترقت معصماها، لكنها لم تتوقف. لم يكن بوسعها التوقف.

حاولت مرة أخرى، وصوتها يتصدع وهي تتلو كلمات التعويذة. استوعبت السلاسل معظم السحر، ليضربها الرد العنيف مجددًا، بقوة أكبر هذه المرة. كان الألم لا يطاق، وجسدها ينتفض بينما الطاقة تمزقها. تجمعت الدموع في عينيها، وانزلقت على خديها، لكنها لم تتوقف. عضّت شفتها، وصوتها يرتعش وهي تحاول مرة أخرى، عزمها يدفعها لتتجاوز الألم، وتتجاوز الإرهاق.

تشوشت رؤيتها، وارتعش جسدها، لكنها أبت الاستسلام. شدت على السلاسل، وماناها تتلألأ بضعف، وأنفاسها تأتي بلهفة متقطعة. شدت السلاسل مرة أخرى، واشتد الألم، لكنها لم تبالِ. كان عليها أن تقاتل، أن تحاول. حتى لو كان مؤلمًا، حتى لو بدا مستحيلاً، لم يكن بوسعها أن تستسلم.

انفتح الباب بصرير، تردد صداه في الغرفة الصغيرة، وغرق قلب أمبرين بالهموم. رفعت بصرها، واتسعت عيناها وهي ترى الشخصية البشعة تزحف إلى الغرفة. تحرك جسده بتلك الخطوات المتقطعة المقلقة، أطرافه تنثني بزوايا غريبة، ورأسه يهتز وكأنه يستمع إلى لحن غير مسموع. ابتسامته امتدت على شفتيه، منحنية وواسعة، كاشفة عن أسنان مصفرة وغير مستوية.

توتر جسد أمبرين، وقلبها يخفق بقوة بينما اقترب منها الكائن، ونظرته مثبتة عليها بتركيز مقلق. ضحك، وكان صوته مخيفًا، طفوليًا ولكنه مليء بشيء مظلم وملتوٍ. مد يده داخل عباءته، وسحب الكتاب الأسود المألوف، وأصابعه ترتعش وهو يمسكه قريبًا من صدره.

“النور الجميل… نعم، نعم… الظلال الراقصة،” تمتم بصوت خشن، وكلماته متقطعة، بالكاد لها معنى. أمال رأسه، وضيّق عينيه وهو ينظر إليها، وابتسامته تتسع. “الكثير من الإمكانات… لكن ليس بعد… ليس بعد.”

شعرت أمبرين بارتعاش جسدها، وبشرتها تزحف عليها وهو يقترب، ونظرته لا تفارقها. مد يده، ولامست أصابعه خدها، وكانت لمسته باردة ورطبة. تراجعت، وأدارت رأسها بعيدًا، لكن السلاسل أبقتها في مكانها، مانعةً إياها من الإفلات من لمسته.

“حاولتِ الهرب… أوه نعم، فعلتِ ذلك،” همس، وصوته مليء بالسخرية. أطلق ضحكة خافتة، وأصابعه تنزلق على وجهها، ولمسته باقية، وكأنه يستمتع بخوفها. “لكنك لا تستطيعين الهرب. ليس مني. ليس مما بداخلك.”

احتبس نفس أمبرين في حلقها، وعيناها واسعتان، وجسدها يرتعش. أرادت أن تصرخ، أن تخبره أن يبتعد عنها، لكن الكلمات لم تخرج. خفق قلبها في صدرها، وعقلها يتسابق، والخوف ينهش أحشاءها.

أخرجت الشخصية البشعة الإبرة الخضراء المتوهجة، وهي ذاتها التي استخدمها من قبل. اتسعت عينا أمبرين، وتوتر جسدها وهو يقترب منها، وابتسامته تتسع بحماس. رفع الإبرة، والنور الأخضر ينبض بضعف، إيقاعي، يكاد يكون منومًا.

“الوشم… نعم، الوشم سيظهره،” تمتم، وصوته مليء بالفرح. اقترب أكثر، وابتسامته المنحنية تتسع. “الإمكانات… الخفية في الأعماق… سأظهرها.”

تراجعت أمبرين عندما لامست الإبرة جلدها، وعاد الألم البارد والحارق. عضّت شفتها، وجسدها يرتعش، والدموع تتجمع في عينيها بينما بدأ يرسم الخطوط المظلمة على جلدها. كان الألم لا يطاق، برودة حارقة عميقة بدا وكأنها تتسرب إلى عظامها، لتتركها لاهثة.

“الكثير من الإمكانات،” همس الكائن، وصوته يكاد يكون خشوعًا. تتبع الإبرة على جلدها، والخطوط الداكنة تنتشر، تتوهج بضعف قبل أن تتلاشى في حبر أسود. “والدك… حاول إخفاءها، أوه نعم، فعل ذلك… لكنه فشل. مثلك تمامًا.”

خفق قلب أمبرين، وعقلها يدور. والدها، ماذا كان يقصد؟ أي قوة يتحدث عنها؟ حاولت التركيز، حاولت فهم كلماته، لكن الألم كان أشد من أن تحتمله. ارتجف جسدها، وأنفاسها تأتي بلهفة متقطعة، والدموع تنزلق على خديها.

“الوشم سيطلقها… سيطلق ما يكمن في الداخل،” تمتم الكائن، وصوته مليء بالإثارة. حرك الإبرة بعناية، وابتسامته تتسع بينما تنتشر الخطوط الداكنة أكثر، متعرجةً على ذراعها، عبر كتفها. “نعم… نعم، الوشم… سيظهره.”

تشنج جسد أمبرين، وأصابعها ترتجف، وأسنانها متطاحنة وهي تحاول تحمل الألم. شعرت بالظلام يتسلل إليها، والخطوط الباردة تتشابك في جلدها، تتسرب عميقًا داخلها. لم تفهم ما كان يحدث، ما كان يفعله بها، لكنها كانت تعلم أنه خاطئ. شعرت بذلك في أعماق عظامها، إحساس بالرهبة يلتف حول أحشائها. [ ترجمة زيوس ]

بينما كان الكائن البشع يواصل عمله، التقطت أذنا أمبرين أصواتًا، حراسًا يتحدثون بصوت خافت خارج الباب مباشرة. حاولت التركيز، أن تصرف الألم لتصغي إلى ما كانوا يقولون. بدا الكائن البشع غافلاً، منغمسًا تمامًا في عمله، تركيزه كله على الإبرة والخطوط الداكنة المنتشرة على جلدها.

“الكتب المقدسة،” همس أحد الحراس، وصوته يكاد لا يسمع. “يعرفون عن بُعد السجن بسبب النصوص. تابوت الشيطان… يستخدمون الكتب المقدسة للتنقل فيه.”

توقف قلب أمبرين، واتسعت عيناها. الكتب المقدسة، المفتاح لفهم بُعد السجن. تسارع عقلها، محاولةً استيعاب ما تسمعه. واصل الكائن البشع عمله، غير مدرك تمامًا للحديث الذي يدور خارج الباب.

“رئيس الأساقفة يستعد لشيء ما،” قال حارس آخر، وصوته منخفض وعاجل. “شيء يتعلق بالفتاة. ولهذا يقومون بوشمها، هذه الوشوم جزء من الطقس.”

احتبس نفس أمبرين، وتوتر جسدها. رئيس الأساقفة، زعيم تابوت الشيطان. الوشوم، العلامة، كان كل ذلك جزءًا من خطة ملتوية، طقس غريب. لم تفهمه، لكنها علمت أمرًا واحدًا على وجه اليحديد، كان عليها أن تخرج. أن تهرب، أن تجد طريقة للتحرر قبل فوات الأوان.

تراجع الكائن البشع أخيرًا، وعيناه واسعتان من الفرح وهو يتأمل عمله. تتبع بإصبعه الخطوط الداكنة، بنظرة غريبة، تكاد تكون خشوعًا في عينيه. ارتجفت أمبرين، وارتعش جسدها، وبشرتها تحترق بالطاقة الباردة المظلمة التي بدا وكأنها تنبض تحت السطح.

“نعم… نعم، الوشم شبه مكتمل،” تمتم، وصوته بعيد، مليء بالإثارة. نظر إليها، وابتسامته تتسع. “المرحلة التالية ستكون قريبًا… قريبًا جدًا.”

استدار، وكانت حركاته متقطعة، غير منتظمة، وضحكاته تتردد على الجدران الحجرية. شاهدت أمبرين وهو يتسلل خارج الغرفة، والباب يغلق بصرير خلفه، ليتركها وحيدة في الظلام مرة أخرى.

تداعى جسدها على السلاسل، وأغمضت عينيها وهي تحاول استعادة أنفاسها. كان الألم لا يزال موجودًا، برودة حارقة وعميقة جعلت جسدها بأكمله يؤلمها. لكن وسط الألم، وسط الخوف، كان هناك بصيص أمل. لقد سمعت شيئًا، شيئًا قد يساعدها. الكتاب الأسود، الكتب المقدسة، كانت تحمل المفتاح. لو استطاعت أن تحصل عليها، لو استطاعت أن تجد طريقة لفهمها، قد يكون لديها فرصة للهروب.

أخذت أمبرين نفسًا عميقًا، وفتحت عينيها، وضيقت نظرتها وهي تحدق في الباب. كانت وحيدة، إفريت لم يكن هنا، ولم تكن لديها أدنى فكرة عما إذا كان درافن قادمًا لإنقاذها. لم تكن تعلم حتى إذا كان سينقذها لو استطاع. لكنها تذكرت ذلك، النظرة على وجهه عندما سُحبت عبر البوابة. الإحباط، الذعر، والعزم الذي لم تره منه من قبل.

'هو…'

'سينقذني…'

كزّت أمبرين على أسنانها، وأصابعها تنكمش في قبضتيها. لم يكن بوسعها أن تستسلم، لم يكن بوسعها أن تضعف. ليس الآن. ليس عندما لا تزال هناك فرصة.

أخذت نفسًا متقطعًا، وصوتها همس ناعم في الظلام، وعد لنفسها. 'لن أفشل… أيها الأستاذ.'

2026/03/25 · 2 مشاهدة · 1357 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026