فتحت أمبرين عينيها المجهدتين على إثر صداعٍ عنيفٍ كان يعصف برأسها، بينما تئن جميع عضلات جسدها من فرط الإنهاك. شعرت بضعفٍ شديدٍ، ضعفٍ كأن كل عضلةٍ فيها قد خانتها، رافضةً الانصياع لأبسط أوامرها. لم تبعث الغرفة المظلمة المحيطة بها أي مواساة، بل كانت ذات البرد القارس والفراغ الخانق الذي استقبلها منذ أول مرة استفاقت فيها هنا، فيما ظل حرق الوشوم القارص يلسع جلدها تذكيرًا قاسيًا بالألم الذي كابدته.
كان حلقها جافًا، شفتاها متشققَتَين، ومعدتها تعتصر جوعًا. كم مضى من الوقت؟ ربما أيام. لقد تلاشت إحساسات الزمن، واختلطت بالظلام الدامس. أخذت أمبرين نفسًا عميقًا، أو على الأقل نفسًا عميقًا بقدر ما سمح به صدرها المتقيّد، وتمتمت بألمٍ وهي تشعر بأن الأصفاد المعدنية قد غارت أعمق في لحمها. كانت مقيدة، لا تزال أسيرة تلك السلاسل الملعونة المسحورة التي تستنزف المانا خاصتها.
ومع ذلك، أبت أن تستسلم.
لطالما كان والدها يصفها بالعناد المتأصل، وأنها لا تفتأ تدفع ضد كل ما يحدّ من حريتها ويسعى لتقييدها. وإذا كان هناك شيء واحد ظل حقيقةً راسخةً، فهو أن أمبرين بوليم لم تتراجع قط عن قتالٍ. لم تفعل ذلك حينها، ولن تفعله الآن.
رمشت عينيها، مجبرةً بصرها على التركيز في الضوء الخافت للرموز المتوهجة المنقوشة على الجدران الحجرية. لقد كانت السلاسل تحمل نمطًا وإيقاعًا، أشبه بنبض قلبٍ خافتٍ يتذبذب على جلدها. ضيقت أمبرين عينيها، مركزةً على اهتزاز السحر الغريب الذي شعرت به يجري خلالها. لا بد من وجود طريقة لكسره.
ثنت أصابعها، فاحتجت معصميها على الأصفاد. بقيت في داخلها جمرةٌ صغيرةٌ من المانا، بالكاد وميضٌ خافتٌ. لم تكن بالكثير، لكن ربما – مجرد ربما – كانت كافية. أغمضت عينيها، وهي تشعر بنبضها الخاص بينما كانت تحاول مزامنة أنفاسها مع الإيقاع الخفي للسلاسل. كل نبضة، وكل ذبذبة، بدت تسحب المانا منها، مستنزفةً إياها بتدفقٍ ثابتٍ وإيقاعيٍّ.
“هيا يا أمبرين،” همست لنفسها، صوتها بالكاد مسموع في الغرفة المظلمة. “يمكنكِ فعلها.”
بدأت تركز المانا خاصتها، موجهةً إياها ببطءٍ إلى أصابعها، وهي تشعر بدفء سحر النار يتأجج في داخلها – لهيبٌ صغيرٌ من التحدي ضد البرد الذي كان يمزقها. أخذت نفسًا عميقًا، ومع ذلك الوميض من المانا، بدأت تحفّز سحر السلسلة. ارتجفت أصابعها، وجسدها يصرخ من الإنهاك، لكنها استمرت.
كان النبض ثابتًا ومتقنًا. استطاعت أن تشعر به – نمطٌ يتكرر. عضّت أمبرين شفتيها، محاولةً دفع المانا خاصتها إلى نفس الإيقاع، لتعطيل التدفق. جاء رد الفعل فوريًا، فقد اندلع الألم في معصميها، حارقًا باردًا وساخنًا في آنٍ واحدٍ، وأطلقت شهقةً خانقةً. تجمعت الدموع في عينيها، مشوشةً رؤيتها، لكنها ضغطت على أسنانها، رافضةً أن تدع نفسها تتوقف. كان عليها أن تتحرر.
امتلأت الغرفة بأصوات أنفاسها المجهدة، وقرقعة السلاسل، والصدى الخافت لهمسات عزمها. مرةً بعد مرةٍ، حاولت، مانها تومض وتخفت، حتى لم يبقَ منها إلا الشرارات الباهتة في داخلها. كانت كل محاولة فاشلة بمثابة ضربة لروحها، لكنها لم تستطع تحمل التفكير في ذلك. كانت متعبة، متعبة جدًا، لكنها لن تستسلم الآن.
"مرة أخيرة،" تمتمت، صوتها متكسرًا، وأنفاسها تأتي في شهقات متقطعة. أغمضت عينيها، جسدها يرتجف من الجهد وهي تجمع آخر بقايا قوتها، مركزة كل أوقية من إرادتها على السلاسل. أخذت نفسًا عميقًا آخر، مزامنةً المانا خاصتها مع النبض، ثم دفعت.
لحظةً، لم يحدث شيء. ثم، شعرت بها أمبرين – أضعف تحولٍ، وقد تعطل النبض. استعرضت في ذهنها إحدى محاضرات درافن، حيث شرح منطق السحر كما لو كان حسابًا وهندسة، كل تعويذة معادلة دقيقة، وكل سحر لغزًا يجب حله قطعةً بقطعةٍ. قال إن فهم تدفق السحر يشبه فهم توازن الأرقام – اكسر النمط، عطّل المنطق، ويمكنك أن تفكك حتى أعقد التعاويذ. كادت تسمع صوته، باردًا ودقيقًا، يرشدها خلال العملية. انفتحت عيناها فجأة، قفز قلبها من الصدر وهي تشعر بارتخاء السلاسل، وتراخي قبضتها حول معصميها. بصيحة انتصار، سحبت ضدهما، وبآخر دفعة من المانا، حطمت السلاسل.
سقطت إلى الأمام، جسدها ينهار على الأرض الحجرية الباردة، يداها ترتجفان، وأنفاسها متقطعة. خفق معصماها، وتألم جسدها بالكامل، لكنها لم تهتم.
لقد تحررت.
"نعم!" همست، صوتها مليء بالدهشة والفرح.
"لقد فعلتها." انتشرت ابتسامة على وجهها، وأغمضت عينيها وهي تسمح لنفسها بالاستمتاع بالنصر الصغير.
لكن بعد ذلك، بدأ الابتهاج يتلاشى، ويتبدد مع عودة الواقع بحدة. كانت لا تزال في مكان مظلم وخطير. جسدها منهك، وكل جزء فيها يؤلمها من فرط الإنهاك. كان العطش لا يطاق، شفتاها متشققَتَين، وحلقها جافًا لدرجة أنه بدا كصنفرة. وكانت تتضور جوعًا، معدتها تتأكل، وعضلاتها ضعيفة من الجوع. تضاءلت مشاعر الفخر التي ملأتها قبل لحظات، لتحل محلها حقيقةٌ واقعيةٌ – لقد تمكنت من التحرر، لكنها بعيدة كل البعد عن الأمان.
دفعت أمبرين نفسها واقفةً، ساقاها ترتجفان تحتها وهي تجبر نفسها على الوقوف منتصبة. شعرت بعبء الوشوم يحرق جلدها، لكنها تجاهلت الألم، تركز على شيء واحد – الهروب. كان عليها أن تجد طريقة للخروج من هنا.
تحركت بهدوء، خطواتها حذرة وهي تبتعد عن السلاسل المكسورة. لامست يداها الجدران الحجرية، مثبتةً نفسها وهي تتجه نحو باب الغرفة. كان الباب قديمًا، خشبيًا، مع فجوة صغيرة يمكنها من خلالها سماع تمتمات المقزز المقلقة من مكان قريب. كان صوته مخيفًا، يتردد بشكل غنائي، كما لو كان يتحدث إلى نفسه – عبارات لا معنى لها جعلت جلدها يقشعر.
كتمت أمبرين أنفاسها، جسدها متوترًا وهي تستمع. كان عليها أن تنتظر، أن تتحلى بالصبر. أصبحت التمتمات أضعف، وصوت خطواته تتراجع في الردهة. أطلقت نفسًا، جسدها يسترخي قليلًا. هذه فرصتها.
زحفت إلى الباب، أصابعها تلامس حافته. كان عليها أن تتصرف بسرعة. مستخدمةً بقايا المانا خاصتها، ألقت تعويذة لهب صغيرة، ارتجفت أصابعها بينما اشتعل لهيبٌ صغيرٌ على حافة قطعة قماش ممزقة وجدتها في الغرفة. تحركت بهدوء، ضاغطةً بالقماش المحترق على فجوات الباب، تاركةً الدخان يتسرب إلى الخارج. الحراس المتمركزون في الخارج – اثنان منهم – لم يكونا ليعلما ما أصابهم.
استطاعت أمبرين سماع سعالهم، الصوت مكتومًا بينما ملأ الدخان رئتيهم، وتحولت احتجاجاتهم إلى أنين. شعرت بقلبها يخفق، الخوف والأمل يتشابكان في صدرها. كان عليها أن تنجح هذه الخطة.
ببطء، خفت السعال، ليحل محله الصمت. أغمضت أمبرين عينيها للحظة وجيزة، وهمست صلاةً خافتةً. دفعت الباب، وتأوه الخشب وهو ينفتح. كان الحراس ملقين على الأرض، أجسادهم مسترخية، وعيونهم مغلقة في نوم غير طبيعي. أطلقت أمبرين نفسًا لم تكن تدرك أنها كانت تحبسه، وغمرتها موجة من الارتياح.
تخطت أجسادهم، قدماها خفيفتان على الأرض الحجرية، ودخلت الردهة إلى ما وراء. امتدت الممرات ذات الإضاءة الخافتة أمامها – متاهة بدا أنها لا تنتهي أبدًا. خفق قلبها، وتحددت حواسها، كل عصبٍ مشدودٍ. كان عليها أن تكون حذرة. لم يكن بوسعها أن ترتكب خطأ، ليس الآن.
كانت كل خطوة متعمدة، أنفاسها محبوسة وهي تتحرك عبر القاعات، عيناها تتجهان من جانب إلى آخر، تستمع لأي صوت قد يدل على اقتراب أحدهم. كانت القلعة مظلمة، المشاعل المثبتة على الجدران بالكاد توفر إضاءة كافية للرؤية. بدت الظلال وكأنها تتحرك حولها، والهواء البارد يلسع جلدها.
كانت حركات أمبرين بطيئة وحذرة، يداها تلامسان الجدران الحجرية لتحافظ على ثباتها. استدارت عند زاوية، وتوقفت خطواتها وهي تستمع، آذانها مرهفة لأي صوت. كانت القاعات هادئة بشكل مخيف، والضجيج الوحيد هو تقطير الماء الخافت الذي يتردد صداه في الظلام.
التوت معدتها بألم، وجسدها يتألم من الجوع، لكنها تجاهلت ذلك، تركيزها على شيء واحد – الهروب. كان عليها أن تخرج، أن تجد طريقًا للعودة إلى الأمان. لم تستطع أن تسمح لنفسها بالوقوع مرة أخرى.
استدارت أمبرين عند زاوية أخرى، قدماها تنزلقان قليلًا على الأرض غير المستوية. أسندت نفسها على الحائط، وأنفاسها تأتي في شهقات قصيرة، وجسدها يرتجف من الجهد. كانت متعبة – متعبة جدًا – لكنها لم تستطع التوقف الآن.
تقدمت، عيناها تتجولان وهي تحاول تحديد اتجاهها. لم تكن تعلم إلى أين تتجه، لكن كان عليها أن تستمر في التحرك، وأن تظل متقدمة على من يطاردها. استدارت عند زاوية أخرى، ثم –
تجمدت.
وقف شخصٌ صغيرٌ أمامها، جسده الشبيه بالسمندر يتوهج خافتًا، يلقي ضوءًا ناعمًا ودافئًا على الممر المظلم. اتسعت عينا أمبرين، قفز قلبها من صدرها وهي تتعرف عليه.
"إفريت،" همست، صوتها بالكاد مسموع، جسدها يرتخي بارتياح. أدار الروح الصغير رأسه نحوها، اتسعت عيناه، ثم اندفع إلى الأمام، مخالبه الصغيرة تقرقع على الأرض.
"أمبرين!" كان صوت إفريت مليئًا بمزيج من الارتياح والإلحاح. صعد على كتفها، جسده الصغير يتوهج ببراعة وهو يضغط على رقبتها، دفئه ينتشر عبر جلدها.
"شكرًا للهيب، أنتِ بخير!"
أطلقت أمبرين نفسًا مضطربًا، ورفعت يديها لتحتضن إفريت بلطف.
"كيف... كيف أتيت إلى هنا؟" سألت، صوتها يرتجف.
"أين درافن؟"
نظر إفريت إليها، عيناه مليئتان بمزيج من الخوف والعزيمة.
"درافن،" قال، صوته ثابت، "صنع لي ممرًا – شقًا مؤقتًا. لم يستطع القدوم بنفسه، لكنه أرسلني لأجدكِ. علينا أن نتحرك بسرعة، أمبرين. هذا المكان... خطير. أخطر مما ظننا."
أومأت أمبرين برأسها، وقلبها يمتلئ بالأمل. لقد حاول درافن إنقاذها. أرسل إفريت. لم تكن وحيدة. أخذت نفسًا عميقًا، ضيقت عينيها وهي تنظر حولها.
"حسنًا،" قالت، صوتها مليء بالعزيمة. [ ترجمة زيوس]
"لنخرج من هنا."
معًا، بدآ يتحركان عبر الممرات المظلمة الشبيهة بالمتاهة، يتوهج جسد إفريت الصغير بما يكفي لإضاءة طريقهما دون لفت الانتباه كثيرًا. شعرت أمبرين الآن بقوة أكبر، فدفء وجود إفريت منحها القوة للمضي قدمًا. شرحت له كل ما حدث منذ أن تم أسرها – الشخصية المقززة، الوشوم، السلاسل. استمع إفريت، مخالبه الصغيرة تمسك بكتفها، وعيناه تتوهجان بالقلق.
وبينما كانا يتحركان عبر القلعة، رأت أمبرين شيئًا – حقيبة صغيرة مهملة تركها أحد الحراس. ركعت، ويداها ترتجفان وهي تفتحها. في الداخل كان هناك كتاب أسود قديم ومُهترئ. الكتب المقدسة. قفز قلبها من صدرها، متذكرة ما سمعته من الحراس. أخذت الكتاب، أصابعها تلامس غلافه المتشقق. كان هناك شيءٌ ما حوله – شيءٌ مهمٌ.
انتقلا إلى زاوية مخفية، وفتحت أمبرين الكتاب، وعيناها تتفحصان الصفحات. كان النص قديمًا، مكتوبًا بلغة بالكاد تفهمها، لكنها أجبرت نفسها على التركيز، اتسعت عيناها بينما بدأت تفك شفرة المعنى. خطط تابوت الشيطان – هجومهم على إيثيريون – كان كل شيء هنا. خرائط، ملاحظات استراتيجية، إشارات إلى مواقع رئيسية. ارتجفت أصابعها وهي تقلب الصفحات، ثم رأت – نبوءة.
"طفلة الوعد... ابنة اللهيب،" همست، صوتها يرتجف. اتسعت عينا أمبرين، الكلمات تتردد في ذهنها. نظرت إلى إفريت، حبست أنفاسها. "أعتقد... أعتقد أنهم يتحدثون عني."
التقت عينا إفريت بعينيها، يرتجف شكله الصغير قليلًا، وصوته مليء بمزيج من الخوف والعزيمة. "إذًا علينا أن نكون أكثر حذرًا،" قال، صوته ثابت. "علينا أن نتأكد أنهم لن يحصلوا على ما يريدون منكِ."
ترددت أصوات خطوات في الممر، تقترب أكثر، وقفز قلب أمبرين إلى حلقها. تبادلت هي وإفريت نظرة ذعر. دون تردد، أطفأ إفريت توهجه، فغرقا في الظلام. ضغطت أمبرين نفسها بقوة على الجدار الحجري البارد، قابضةً على الكتاب الأسود في صدرها وهي تجهد آذانها لسماع الخطوات المقتربة.
خفق قلبها في أذنيها، أنفاسها ضحلة. اقتربت الخطوات أكثر، وتغيرت الظلال مع كل وميض حركة. أغمضت عينيها، وهي تصلي بصمت أن يمر القادمون دون أن يلاحظوهما. كان التوتر خانقًا، وكل ثانية تمتد كأبدٍ لا ينتهي.
ثم ظهر صوته.
الشخص الذي كان يدخل حلمها منذ فترة.
والشخص المسؤول عن جلبها إلى بُعد السجن هذا.
"لقد وجدتكِ."