امتدت أركاديا على سلسلة الجبال كمدينةٍ عُلِّقت بين السماء والأرض، بَنَتْ معمارَها من مزيجٍ يجمع بين الأناقة الخالدة والوظيفة الدقيقة. اخترقت القِباب الشاهقة عنانَ السماء، وتوّجت كل قبةٍ برموزٍ سحريةٍ غامضةٍ ومعقدةٍ، تلألأت خافتةً تحت وهج الفوانيس المسحورة. وامتدت الشوارع بالأسفل واسعةً ومرصوفةً بإتقانٍ، نُقِشَت أسطحها بأنماطٍ رونيةٍ نبضت بخفوتٍ، مُمرِّرةً المانا في أرجاء البلدة. اصطفت العربات الممتلئة بالكتب العتيقة النادرة والتحف السحرية المتلألئة على طول الشوارع المرصوفة بالحصى، بينما لمعت بضائعهم برموزٍ سحريةٍ خافتة الوهج. وتجمعت جماعاتٌ من العلماء المرتدين للأرواب، تناثرت أحاديثهم بين نقاشاتٍ حاميةٍ وهمساتٍ حماسيةٍ.
وكان قلب أركاديا ينبض بالمركز الجامع للمكتبة الكبرى، صرحٌ هائلٌ من الحجر الأبيض أشعّ هيبةً ومعرفةً. نقشت جدرانه بتعويذاتٍ حاميةٍ عتيقةٍ توهجت بخفوتٍ، شاهدةً على قرونٍ من الأسحار. ارتفع البناء على هيئة شرفاتٍ متراكبةٍ، ضمّ كل مستوى منها أرشيفاتٍ للمعرفة الغامضة، وحرسته تماثيل الحراس التي تتبعت عيونها كل عابرٍ. وفي الداخل، كانت الممرات متاهةً من رفوف الكتب الشاهقة، احتوت على مواضيع امتدت من المألوف إلى المحظور.
لم تمسّ أركاديا أيدي السياسة، بل كانت ملاذًا للأكاديميين والعلماء الذين التمسوا الهروب من فوضى العالم. وهنا، بسط المجلس السحري القاري نفوذه، حاكمًا القوانين الغامضة التي قيدت القارة. كانت مكانًا للحوار والاكتشاف، حيث سادت المعرفة سيدةً، وخلّفت توافه الممالك وراءها.
في رحاب المركز الجامع للمكتبة الكبرى، شغل درافن أركانوم فون دراخان ما لا يمكن وصفه إلا بشكلٍ فضفاضٍ بكونه سجنًا. كانت الغرفة فخمةً، بعيدة كل البعد عن الأماكن الباردة المحكمة التي قد يتوقعها المرء. عكست الأرضيات الخشبية المصقولة ضوء ثريا متوهجة بهدوء، وأحاطت المقاعد الفاخرة بداولة منخفضة وُضِعَ عليها طعامٌ وشرابٌ لم يمسّهما أحدٌ. تكوّن سريرٌ فخمٌ، مزينٌ بملاءاتٍ حريريةٍ، إلى جانب أحد الجدران، ونُقِشَ لوح رأسه بأنماطٍ معقدةٍ من النجوم والأبراج.
جلس درافن في منطقة المعيشة، وارتكز مرفقاه على ركبتيه، شبك أصابعه وهو يحدق في الأفق. حلّقت أقلامه في الهواء بخمولٍ، وكان وهجها الخافت العلامة الوحيدة على وجود حركةٍ. كان وجهه قناعًا من الهدوء، لم يكشف عن أي أثرٍ للإحباط أو الغضب. أما الحراس، الذين ألقوا نظراتٍ عابرةٍ من النافذة السحرية للمراقبة، فقد وجدوا أنفسهم مضطربين من هدوئه. همسوا بنظرياتٍ شتى: إرهاقٌ من المعركة ضد تابوت الشيطان، استراتيجيةٌ محسوبةٌ، أو ربما لامبالاةٌ تلامس حافة اللاإنسانية.
لكن أفكار درافن كانت أبعد ما تكون عن السكون. دار عقله حول قضيةٍ وحيدةٍ، قضيةٍ نقرت على أطراف سيطرته الدقيقة: الكتب المقدسة. بصفته دراوفيس جرينجر، أستاذ الهندسة الميكانيكية ومصمم هذا العالم — اللعبة التي تحولت إلى واقعٍ — كان يعرف كل جانبٍ من الكتب المقدسة. لكن ما رآه خلال هجوم تابوت الشيطان كان مختلفًا جذريًا.
تذكر وهو يتصفح الكتب المقدسة الأخرى في بعد السجن، كانت صفحاتها مليئةً بكلماتٍ انحرفت عن التصميم الأصلي. النبوءة، الأهداف، المسارات — كلها تبدلت. وكان الأكثر إثارةً للقلق هو تحول التركيز. كان تابوت الشيطان من المفترض أن يستهدف أوريليا ثالاسيا آركتاريس ريغاريا، ابنة اللهيب الذهبي وملكة ريغاريا. والآن، تحول هدفهم نحو أمبرين بوليم، عالمة ذات شهرة متوسطة. كان هذا انحرافًا لم يتوقعه.
استند درافن إلى الخلف، مثبتًا نظره الحاد على الثريا المتوهجة بخفوتٍ فوقه. ضغث عليه ثقل التناقضات. هل تسببت أفعاله — الانحرافات عن مسار درافن الأصلي — في إحداث تموجاتٍ في الجدول الزمني؟ فكر في الوفيات التي تجنبها، والأرواح التي أنقذها أو تلاعب بها لأغراضه. ربما تراكم كل خيارٍ، مهما بدا طفيفًا، ليؤدي إلى هذا.
لكن كان هناك احتمالٌ آخر، أرقّه أكثر: قد تكون النبوءة نفسها قابلةً للتغيير، قوةٌ ديناميكيةٌ تتفاعل مع تدخله. كانت التداعيات خطيرةً. إذا كان يمكن للنبوءة أن تتحول، فإن كل خطةٍ بناها استنادًا إلى معرفته بآليات هذا العالم أصبحت موضع شكٍ. لقد بدأ اليقين الذي اعتمد عليه في التصدع.
كانت الصورة الكبرى تلوح في الأفق. من الممكن أن يتأثر أيضًا الجدول الزمني لصعود سيد الظلام — وهو حدثٌ كُتِبَ بدقةٍ في اللعبة. فإن كانت النبوءات نفسها تتغير، فربما يتبع ظهور ذلك التهديد الأقصى مسارًا جديدًا تمامًا. اشتد تعبير درافن، وضاقت عيناه وهو يتمتم لنفسه.
“هذا خطرٌ محدقٌ.”
كان الهنين الخافت لتعويذات الحماية السحرية المحيطة بالغرفة رفيقه الوحيد وهو يتأمل التداعيات. الكتب المقدسة، النبوءات، الأهداف المتغيرة — كل جزءٍ طالب بالتحليل، طالب بردٍ. لكن الإجابات استعصت عليه. ولأول مرةٍ منذ وقتٍ طويلٍ، وجد نفسه في حيرةٍ.
________________________________________
وفي عاصمة ريغاريا البعيدة، جلست صوفي فون آيسفيرن وحيدةً في حجرتها. ارتدت زي فرسان الملكية، وتوسعت عيناها الزرقاوان كالثلج دهشةً وهي تقرأ الرسالة التي ارتجفت بين يديها. تلاشت الكلمات مع امتلاء رؤيتها بالدموع. شارون بلاكثورن، مساعدتها الوفية، قد ماتت — قُتلت خلال فوضى هجوم تابوت الشيطان.
ارتجفت يداها، وسقطت الرسالة على الأرض بينما كانت تتنفس بضيقٍ متقطعٍ. انتشر الصقيع في أرجاء الغرفة، زاحفًا على الجدران والأرض بينما استجابت قواها السحرية لحزنها وغضبها. “ألم يكفه ما أخذ مني بعد؟” همست، وصوتها يرتجف. “بعد كل هذا، لا يزال يريد أن يأخذ المزيد مني؟!”
وقفت شقيقتها الصغرى، أنستازيا، في المدخل، وقد مزقت تعابير وجهها بين القلق والخوف. “أختي، أرجوكِ،” قالت وهي تخطو بحذرٍ إلى الغرفة المكسوة بالصقيع. “عليكِ أن تظلي عاقلةً.”
قبضت صوفي على راحتيها، واشتد صوتها. “لقد أخذ الكثير بالفعل. شارون… كانت أكثر من مجرد مساعدة… كانت عائلتي. والآن، سيدفع ثمن هذا.” ازداد الصقيع كثافةً، وصار الهواء قارس البرودة مع فوران غضب صوفي. ترددت أنستازيا، ثم مدت يدها، بصوتٍ ناعمٍ ولكن حازمٍ. “يا أختي الكبرى، أرجوكِ لا تدعي هذا يستهلككِ. شارون ما كانت لترغب في هذا.”
لانَ نظر صوفي للحظةٍ، لكن عزمها ظل راسخًا. استدارت فجأةً، متجهةً نحو الباب. “سأذهب إلى أركاديا.” اتسعت عينا أنستازيا. “لا يمكنكِ! ذلك المكان… ليس آمنًا لكِ.”
تجاهلت صوفي احتجاجات شقيقتها، كانت خطواتها حازمةً وهي تتنقل في الممرات المتعرجة لممتلكاتهم العريقة. بدا أن كل صوتٍ لحذائها على الرخام البارد يصدح بعزمها، وكل خطوةٍ حملت ثقل حزنها وغضبها. عندما وصلت إلى مكتب الدراسة الكبير، انفتح الباب المزدوج الثقيل للغرفة بدفعةٍ أسكتت النقاشات الجارية في الداخل. التفت المستشارون، المرتدون لأروابٍ فاخرةٍ، بأنظارهم نحوها، مذهولين من دخولها المفاجئ. جلس شقيقها الأكبر، لانسفروز أفرون فون آيسفيرن، على رأس الغرفة، وظل هدوؤه ثابتًا حتى في مواجهة مقاطعتها.
“أحتاج إذنك لأذهب إلى أركاديا،” أعلنت صوفي، بصوتٍ ثابتٍ ولكن حمل تيارًا من العواطف المكبوحة بصعوبةٍ. ثبتت عيناها الزرقاوان كالثلج على لانسفروز، وكانت وقفتها متصلبةً بالعزم. لم تعتذر عن المقاطعة، وظهر ثقل طلبها جليًا في كل كلمةٍ.
صرف لانسفروز مستشاريه بموجةٍ خفيةٍ، فغادر الرجال بهدوءٍ، وكان فضولهم ملموسًا لكنه لم يُنطق به. بعد أن أصبحا وحيدين، استند إلى كرسيه، وشبك أصابعه وهو يحدق بها بنظرةٍ هادئةٍ ونافذةٍ. “هل من معنى لذهابكِ يا صوفي؟” كان سؤاله بسيطًا، لكن نبرته كانت مشبعةً بالفضول والحذر. وكأنما أراد قياس عزيمتها قبل أن يقدم ردًا.
خطت خطوةً أقرب، ويداها مقبوضتان على جانبيها. “الكثير يا أخي. شارون لم تكن مجرد مساعدتي — بل كانت عائلتي. والآن، هي رحلت. أحتاج إجابات، ويجب أن أرى هذا الأمر حتى النهاية. سأذهب بإذنك أو بدونه.” ازداد صوتها ثباتًا مع كل كلمةٍ، وشقت عزيمتها سكون الغرفة كحد السيف في الصقيع.
للحظةٍ، خيّم الصمت بينهما، مشحونًا بثقل خسارتهما المشتركة غير المعلنة. أما أنستازيا، التي كانت تتلصص بحذرٍ من المدخل، فراقبت بعينين واسعتين، شاهدةً قوةً في شقيقتها لم تستوعبها تمامًا من قبل. صوفي، التي كانت فيما مضى تكافح لمقابلة نظرة لانسفروز لأكثر من لحظةٍ خاطفةٍ، وقفت الآن شامخةً، ونظرتها الثابتة تضاهي نظراته بشدةٍ عنيفةٍ. انكمشت حواجب لانسفروز قليلاً، وعبر وميض مفاجأة وجهه الجامد. وأخيرًا، أطلق تنهيدةً خافتةً، فخفّت حدة التوتر في الغرفة قليلًا.
“حسناً،” قال أخيرًا، بصوتٍ متزنٍ. “لكن كوني حذرةً.” أومأت صوفي برأسها، واشتد تعبير وجهها بالعزم. “ليس هناك ما يدعو للحذر. فالرجل الأخطر قد حُبس بالفعل.” دون كلمةٍ أخرى، استدارت وغادرت مكتب الدراسة، وعزيمتها تتوهج كالصقيع تحت ضوء القمر. أنستازيا بقيت لحظةً أخرى، وقلبها ينتفخ بالقلق والإعجاب بينما شاهدت شقيقتها تمضي بعيدًا، كقوةٍ طبيعيةٍ بذاتها.
[ ترجمة زيوس]
عودةً إلى أركاديا، ظل درافن جالسًا في منتصف الغرفة الفخمة، وأقلامه تحلق في مداراتٍ دقيقةٍ ومحسوبةٍ حوله. وبجانبها، تلألأت أوراقٌ أثيريةٌ بخفوتٍ، معلقةً في الهواء وكأنها تنتظر أن تُنقش عليها ثقل أفكاره. كان كل قلمٍ يومض عرضًا، وكأنه يجسد إيقاع تأملاته، راسمًا رسومًا بيانيةً غير مكتملةٍ وملاحظاتٍ مجزأةٍ في الفراغ قبل أن تتلاشى. كان الطعام الذي لم يمسّه أحدٌ والشاي البارد على الداولة دليلًا على تركيزه الذي لا يتزعزع. هذا درافن بالذات، وهو استنساخٌ مُكلفٌ بإتقان الاستحضار، قد تولى مهمة التعامل مع أزمة إيثيريون بينما سعى درافن الحقيقي وراء أهدافٍ أخرى. الخطط، التي كانت مفصلةً بدقةٍ ومبنيةً بعنايةٍ، بدت الآن عرضةً للشذوذات التي لم يستطع تفسيرها بعد. أثارت الفكرة لديه توقفًا. هل كانت كل قطعة تتحرك بتوافقٍ، أم أن قوى غير متوقعةٍ كانت تسحب خيوط القدر؟
انكسر التوتر مع صدى صوت الخطوات الثقيلة في الممر. انفجر باب جناح درافن مفتوحًا، ووقفت صوفي هناك، وهالتها تشع صقيعًا وسلطةً. خطت عتبة الباب، وتوقفت قبل قضبان الزنزانة بقليلٍ. ثبتت عيناها الجليديتان على درافن، وكانت عواطفها زوبعةً من الغضب والحزن.
درافن، غير منزعجٍ، قابل نظرتها بحدقةٍ هادئةٍ. كان صوته باردًا وثابتًا. “ماذا تفعلين هنا؟”