غشيت قرية برايار هولو سكونٌ مُرِيبٌ، وعبقت الأجواء بعبير الخشب المحترق ونداوة التراب، كبقايا فظائع ماضية تخيم كالأطياف. راقب القرويون القلائل الذين تجرؤوا على الخروج من عتبات أبوابهم المظللة، وعيونهم غائرةٌ ملؤها الوجل. شعر كايل أن كل خطوة يخطوها على الدرب الترابي الوعر كانت كدخول مقبرةٍ ما زال الموتى فيها يتهامسون تحت الثرى.
تقدم بهم الشيخ، رجلٌ هرمٌ واهنٌ حنى الدهر ظهره وحمل أعباءه، موجهًا إياهم عبر الأطراف المدمرة للقرية. كان نَفَسُه متقطعًا، وصوته يخرج كحشرجةٍ خافتةٍ تقتلها الريح. تمتم قائلًا: "يأتون ليلًا،" وارتعشت أصابعه وهو يشير نحو بقايا حظيرةٍ، ثم أردف: "ليست حيواناتٍ، وليست قطاع طرق. إنها شيءٌ آخر."
ضيّق كايل عينيه عبر الضباب، ثم سقط بصره على آثار مخالب عميقة محفورةٍ بعمقٍ في العوارض الخشبية. لم تكن مجرد خدوش، بل شقوقٌ غائرةٌ. ابتلع ريقه بصعوبة وسأل: "ليورا؟"
ركع ليورا بجانب العلامات، متتبعًا رؤوس أصابعه الحواف الخشنة. بقي تعبيره خاليًا من أي انفعال، لكن اللمعان في عينيه الحادتين كان يروي الكثير. تمتم قائلًا: "ليس أمرًا طبيعيًا. انظر إلى نمط الحرق على طول الأخاديد. استُخدم فيها السحر."
تشنجت معدة كايل. التفت إلى الشيخ وسأله: "قلت إنك رأيت شخصًا قبل الهجمات؟"
أومأ الشيخ برأسه، وسرّح بصره نحو الحقول المتفحمة خلف أطراف القرية. "شخصيةٌ فارعةٌ نحيلةٌ، تقف على حافة الحقول عند الغسق، تراقب. ثم تأتي المخلوقات."
التوت شفتا ليورا في ابتسامةٍ ساخرةٍ، لكنها كانت خالية من أي فكاهة. 'يبدو أننا أمام سيد دمى'.
قاطعهم صوتٌ خفيضٌ. "لقد رأيته أنا أيضًا."
استدار كايل ليرى رجلًا مسنًا يستند إلى سياجٍ مهدم، وذراعه ملفوفةٌ بضمادةٍ بدائيةٍ. تكسو وجهه الندوب، وتغطيه عيناه بالإرهاق. والطريقة التي كان يقف بها، متصلبًا لكن آثار المعارك باديةٌ عليه، أخبرت كايل أنه ليس مجرد قرويٍّ خائفٍ – هذا الرجل خاض معارك من قبل.
تأوه الصياد وهو يغير وضعية جسده، متمسكًا بالعارضة الخشبية للسياج المدمر طلبًا للدعم. "بالكاد نجوت الليلة الماضية."
اقترب كايل منه، حذرًا لئلا يباغته. "أخبرني بكل شيء."
زفر الصياد ببطء، وكان نَفَسُه مرئيًا في الهواء البارد. تتبع أصابعه حافة ضمادته المتهالكة بلا اكتراث، وكأنه يستعيد اللحظة. "يتحركون في الظلال. ليسوا كالذئاب أو الدببة. أسرع من اللازم، أدق من اللازم، أذكى من اللازم." انخفض صوته أكثر، غليظًا بالقلق. "لقد أطلقت النار على أحدهم. اخترقها السهم كأنها ضباب. ولكن لحظة اختفاء تلك الشخصية، تلاشت المخلوقات هي الأخرى. فقط... تبددت وكأنها لم تكن."
شعر كايل بتسارع نبضه. "تبددت؟" كررها، وهو يعبس. "وكأنها لم تكن حقيقية؟"
ارتعشت عينا الصياد بشيءٍ قريبٍ من الخوف. "كأنها لم تكن موجودة قط."
تمتم ليورا بـ "لعنة" خافتة تحت أنفاسه. "هذا ليس أمرًا طبيعيًا."
نظر الشيخ إلى كايل. "لقد بدأت تظهر كل ليلة. في البداية، ظننا أنه مجرد وحشٍ طائشٍ آخر، ولكن عندما بدأت الماشية تختفي – عندما بدأت الأرض نفسها تتغير –" وأشار إلى الحقول المتفحمة، وإلى آثار المخالب المحفورة بعمقٍ في العوارض الخشبية للمنازل والحظائر. "ليس الجوع وحده ما يحرك هذه الكائنات. بل شيء آخر."
التفت كايل إلى ليورا، الذي كان بصره مثبتًا على حافة الأشجار المظلمة خلف القرية. قرع أصابعه بلا اكتراث على مقبض خنجره، وعقله كان يعمل بوضوح على تجميع أجزاء اللغز.
'إذًا هو مستدعٍ،' خمّن ليورا. 'أو ربما أسوأ من ذلك'.
غير الصياد وضعية جسده، وخفض صوته. "هو لا يستدعيهم فحسب، بل يتحكم فيهم. لقد رأيت ذلك." أحكم قبضته على السياج. "الطريقة التي تحركوا بها – لم تكن عشوائية. كانت كقطيعٍ، لكن أسوأ. لم يكونوا يصطادون فحسب. كانوا ينفذون الأوامر."
شد كايل فكه. إن كان هذا صحيحًا، فهذا ليس مجرد التعامل مع وحوش. هذا كان متعمدًا. شخصٌ ما يحرك الخيوط.
تردد الشيخ، وهو يلف نسيج عباءته بأصابعه. "أنتم ذاهبون لملاحقته، أليس كذلك؟"
أومأ كايل برأسه. "هذا هو سبب وجودنا هنا."
اغتمت عينا الشيخ، وصوته هادئًا لكنه ثابت. "فليحرسكم الحكام."
________________________________________
بدت الأشجار أكثر ارتفاعًا كلما تعمقوا في الغابة، وتتشابك أغصانها العارية كالمخالب الممتدة نحو السماء. كاد القمر لا يخترق الظلة الكثيفة، وضوءه الشاحب يكافح ضد الظلام غير الطبيعي الذي يلتصق بالغابة. وكلما تعمقوا في السير، صار الهواء أثقل – غليظًا بشيءٍ خفيٍّ يضغط على رئتيهما كوزنٍ لا مرئيٍّ.
ابتلع كايل ريقه ضد الضيق الذي يتسلل إلى عمود فقراته. لقد شعر بشيءٍ كهذا من قبل، في المناجم. أزيز خافت، وجود غير طبيعي يهتز تحت جلده كالشحنة قبل ضربة برق. جعل أصابعه تحكه، وتنفّسه سطحيًا. كل خطوة إلى الأمام بدت كخطوة في فكِّ شيءٍ متربصٍ.
توقف ليورا فجأة، ورفع يده. كان جسده مشدودًا، كل عضلةٍ فيه كحد سيفٍ مستعدٍ للضرب. رمق أمامه بنظرته الحادة، وقد ضاقت عيناه في الغيهب.
"نحن قريبون."
تبع كايل خط بصره، وهناك كان.
جاثمةً بين جذور الأشجار الميتة المتشابكة، وقفت كوخٌ مهجورٌ، جدرانه متشوهةً ومنتفخةً من التلف. اهترأت الألواح الخشبية في أماكن، تاركةً فجواتٍ خشنةٍ ينزف منها الظلام. انهار سقفها المائل إلى الداخل، وهيكلها العظمي يكاد لا يصمد، كأن الهيكل ذاته يرتد من أي تلوث تسرب عبر الأرض.
تقلصت معدة كايل. كانت الأرض المحيطة بالكوخ أسوأ.
محفورةٌ بعمقٍ في الأرض، امتدت رموزٌ كشبكةٍ متشابكةٍ خشنةٍ من الرموز الغامضة. كانت بعضها طازجةً، وحوافها ما زالت حادة، بينما تلاشت أخرى، وبقيت قوتها تخيم كأطيافٍ محاصرةٍ في التراب. كانت نفس الرموز التي رأوها في المناجم. كانت تنبض بخفوت، وتتهامس بسحرٍ متبقٍ، وتوهجها عليلٌ وغير منتظمٍ، كجمرةٍ تحتضر ترفض الانطفاء.
لقد أُجري هنا شيءٌ ما. شيءٌ ما زال ينبض تحت السطح.
أحكم كايل قبضته على خنجره. "هذا هو."
انجرف صوتٌ من داخل الكوخ. خافتًا، متمتمًا — كلماتٌ تلتوي وتتدفق عبر الجدران المتعفنة كالدخان، بالكاد مفهومة، لكنها مشبعةٌ بشيءٍ محمومٍ.
قشعريرة سارت في جلده.
لم يتردد ليورا. تحرك أولًا، صامتًا كالظل، وخطواته عديمة الوزن حتى على الأوراق الهشة المتناثرة على الأرض. تبعه كايل، مقلدًا تحركاته الحذرة، يتسلل بين الرموز المنحوتة بخطواتٍ متعمدةٍ.
وصلا إلى المدخل. كان الخشب متورمًا بالرطوبة، متشظيًا وملتويًا، وإطاره يكاد لا يتماسك. عبر الفتحة الخشنة، لمح كايل الشخصية في الداخل.
رجلٌ ناحلٌ جاثمٌ فوق دائرة طقوس، ورموزها الرونية تتغير كاللهب السائل. تشنجت أصابعه العظمية، يقلب صفحات مخطوطة عتيقة بلي ظهرها حتى كاد يتلاشى. تناثرت قوارير داكنة حوله، محتوياتها غليظة ولزجة، تتوهج بلونٍ عليلٍ.
لم يتمكن كايل من تمييز وجهه بوضوح من هذه الزاوية، لكن ما رآه جعل معدته تتقلب. كان جلده صفراويًا، مشدودًا بإحكامٍ فوق عظمتي خده الحادتين. كانت خصلات شعره متدليةً دهنيةً، وشفتاه تتحركان بحمّى وهو يهمس لنفسه.
'ليس طبيعيًا. ليس عاقلًا'.
كانت الطاقة في الغرفة خانقة، وغليظة بالفساد.
زفر كايل ببطء، محاولًا أن يثبت نفسه، لكن قبضته على خنجره بقيت محكمةً.
ثم نطق ليورا، وصوته خفيضٌ حادٌ كالفولاذ البارد.
"سياريك."
تصلّب الشخصية. ببطء، استدار، كاشفًا عن وجهٍ أفرغته الليالي الطويلة من النوم والجنون. رمشت عيناه الغائرتان بضوءٍ مقلقٍ. "من...؟" ثم سرعان ما ارتكز بصره على ليورا، فاكتسى وجهه بتعبيرٍ من المعرفة. "أنت."
عبس كايل. "أتعرفه؟"
لم يبعد ليورا بصره عن سياريك. "لقد التقينا."
لم يغفل كايل عن التغيير في نبرة ليورا — لا سخرية، ولا تسلية. كان باردًا. محسوبًا. نبرةٌ لا تترك مجالًا للأسئلة. نبرةٌ تتحدث عن ماضٍ متشابكٍ بشيءٍ قبيحٍ. [ ترجمة زيوس]
التوت شفتا سياريك في ابتسامةٍ مشوهةٍ. امتدت ملامحه الناحلة أكثر من اللازم، والهالات السوداء تحت عينيه جعلته يبدو أشبه بجثة. "لقد طردوني. نبذوني. قالوا إن عملي كان 'خطيرًا'." كان صوته يقطر سخريةً، لكن عينيه تحترقان بشيءٍ جنوني. "لكنهم لا يفهمون. لقد رأيت الحقيقة. لمست الحجاب. وبوسعي إعادة تشكيل العالم."
عثرت يد كايل على مقبض خنجره، وأحكم قبضته. "أنتَ المسؤول عن الهجمات."
رمش سياريك، وكأن السؤال قد حيره. ثم أطلق ضحكةً جوفاء، لاهثة، هزّ بها رأسه. "هجمات؟" كان صوته خفيفًا، يكاد يكون مسليًا. "لا، لا، لا. هذا تقدّم. تطور. أنتم ترون الدمار فقط، وهذا لأنكم ما زلتم حبيسي طريقة التفكير القديمة. أنا آخذ الضعيف وأجعله قويًا."
تقلصت معدة كايل. عرف هذا النوع من المعتقدات – عندما يكون شخصٌ ما غارقًا في أوهامه لدرجة أنه لا يرى الخراب الذي يتركه خلفه.
بقي تعبير ليورا خاليًا من أي انفعال، لكن وقفته تغيرت بخفة، ووزنه متوازنًا على مقدمة قدميه. "أنت تلعب دور "الحاكم" بقوى لا تفهمها."
تحولت ابتسامة سياريك إلى شيء أكثر حدة، شيء قبيح. تشنجت عيناه. ارتفع صوته، متصدعًا بانفعال يكاد لا يحتويه. "لا أفهم؟ ألا ترون بعد؟ لقد أمضيت سنوات في الظلام، أكشف طبقات الواقع، وأحرر الحياة من أغلال قيودها!" صارت أنفاسه لاهثة الآن، وأصابعه ترتعش عشوائيًا. "لقد دعوني كافرًا. مجنونًا. لكنني رأيت ما يكمن وراء الحجاب، ليورا! لمسته! وأنا—" انقطع بضحكة لاهثة، وجسده كله يرتعش بشيءٍ أشبه بالنشوة.
شعر كايل بوقوف شعيرات مؤخرة عنقه. تغير الهواء من حولهم. كان غليظًا. ثقيلًا. نبضة شيءٍ خفيٍّ تتصدع عبر جدران الكوخ، كشحنة ساكنة قبل العاصفة.
ترددت عينا سياريك بينهما، وابتسامته امتدت باتساعٍ مستحيل. "أنتم لا تصدقونني،" همس. "تظنون أنني مجرد أحمقٍ آخر غارقٍ في الوهم." أمال رأسه، وتراقص ضوء الشمعة على ملامحه الغائرة، يلقي بظلالٍ عميقةٍ في تجويف وجهه. "حسنًا."
تراجع كايل خطوةً للوراء.
لم يتحرك سياريك، لكن شيئًا ما فيه قد تغير. بدا وجوده مختلفًا، كأنه لم يعد موجودًا بالكامل معهم في الغرفة.
"تريدون دليلًا،" همس. "حسنًا."