"لم لا تستريحين يا إيلارا؟" اخترق صوت والدها صمت المكان، فانتفضتْ خائفة. كان يقف في المدخل، تكسو وجهه مزيجٌ من القلق والإحباط. ألقت قامته الفارعة ظلاً طويلاً عبر العتبة، مذكرةً إياها بسلطته التي يمارسها داخل المنزل وخارجه، ثم أردف قائلاً: "لقد أمضيتِ ساعات في هذا العمل."
________________________________________
"أنا بخير يا أبي،" أجابت دون أن ترفع بصرها عن الرق المنتشر أمامها. جاء صوتها مقتضبًا، وكانت كلماتها بمثابة درع يحميها من أي تدخل.
"ربما يمكنني المساعدة،" أصرّ والدها، وخطا نحو الغرفة. "لقد درستُ الدوائر السحرية باستفاضة خلال فترة وجودي في الأكاديمية." حمل صوته نبرة من الفخر، كما لو أن إنجازاته الماضية تستطيع أن تحل مأزقها الحالي.
"لا أحتاج مساعدة،" قالت إيلارا بنبرة جليدية. "أحتاج إلى الهدوء." ازدادت برودة الجو في الغرفة، وكانت كلماتها رفضًا قاطعًا. شعرت بالتوتر في وقفة والدها، وصراعه بين رغبته في المساعدة ولسعة رفضها القاسي.
تنهد والدها، وقد بدا عليه العجز الواضح. "أنتِ عنيدة أكثر من اللازم في بعض الأحيان يا إيلارا." خفت صوته، وتراجعت نبرة الإحباط لتفسح المجال لقلق مألوف عاجز. "لا يمكنكِ فعل كل شيء بمفردكِ دائمًا."
وقبل أن تتمكن من الرد، ظهرت والدتها، ووضعت يدًا حانية على ذراع زوجها. كان حضورها مؤثرًا ومطمئنًا، وهدوء طبعها يتناقض مع حدة زوجها. "عزيزي، دعها وشأنها. إنها تعلم ما تفعله."
همّ والدها بالاعتراض، ولكنه آثر الصمت. ثم ألقى نظرة أخيرة ملؤها الإحباط على إيلارا، وغادر الغرفة متمتمًا تحت أنفاسه عن غطرسة الشباب وغرور الكبرياء.
"شكرًا لكِ يا أمي،" قالت إيلارا بهدوء، وما زالت عيناها مثبتتين على عملها. لقد أنقذها تدخل والدتها من جدال طويل آخر، لم تكن تملك الطاقة ولا الرغبة في تحمله.
ابتسمت والدتها ابتسامة حزينة، فهمت بها كل شيء. "أنتِ تشبهينه كثيرًا، أتعلمين؟ تدفعين نفسك دائمًا إلى أقصى حد." ثم سارت نحو إيلارا، ولمست كتف ابنتها بخفة. "لكن تذكري، حتى الأقوى يحتاج إلى الراحة."
لم تجب إيلارا. وبدلًا من ذلك، جمعت أوراقها ودفعتها بعنف إلى حقيبتها. كانت حركتها عنيفة، كأنها تجسيد مادي لاضطرابها الداخلي. "سأعود إلى السكن الجامعي،" أعلنت واقفة. كان صوتها حازمًا، لا يترك مجالًا للجدال.
"هل أنتِ متأكدة؟ لقد وصلتِ للتو إلى المنزل،" قالت والدتها، وقد انكمش حاجباها قلقًا. تعمقت خطوط القلق على وجهها، شاهدًا صامتًا على الليالي العديدة التي قضتها قلقة على سلامة ابنتها.
"نعم،" قالت إيلارا، بصوت لا يقبل الجدال. "أحتاج إلى التركيز، ولا يمكنني فعل ذلك هنا." تجنبت نظرة والدتها، عالمةً أن القلق في عينيها سيزيد من شعورها بالذنب فحسب.
أومأت والدتها برأسها موافقةً، وهي تفهم. "كوني بأمان يا إيلارا." كانت الكلمات مشبعة برجاء غير منطوق، أملًا في أن تجد ابنتها لا الإجابات التي تسعى إليها فحسب، بل والهدوء الذي كانت بأمس الحاجة إليه.
أومأت إيلارا برأسها بإيجاز وغادرت، وانغلق الباب الثقيل بصدى خافت خلفها. كانت رحلة العودة إلى السكن الجامعي ضبابية، عقلها مستغرقًا في أفكار الدائرة السحرية والروابط الفلسفية التي لم تستطع فهمها تمامًا.
دخلت غرفتها، ألقت بحقيبتها على السرير، واستقرت في الكرسي بجوار مكتبها، تتأمل قطع الرق بمزيج من الغضب واليأس.
مرت الساعات، لم يقطع صمت الغرفة سوى تنهيدة إحباط عابرة أو لعنة مكتومة. [ ترجمة زيوس] أخيرًا، دفعت إيلارا الأوراق بعيدًا، ودلكت صدغيها. 'هذا بلا فائدة،' تمتمت. 'أحتاج إلى استراحة.'
نهضت، أمسكت بعباءتها، وغادرت السكن الجامعي. لامس هواء الليل البارد وجهها، منعشًا ومنشطًا. كانت الشوارع حيوية، وضجيج السوق الليلي المعتاد يشكل مصدر حاكماء مرحب به. نادرًا ما كانت إيلارا تزور السوق، إذ كانت تعتبره دون مستواها، لكن هذه الليلة كانت بحاجة إلى شيء مختلف.
ملأت روائح اللحم المشوي والتوابل الغريبة الأجواء، وجذبتها أعمق إلى حشد الناس. تجولت من كشك إلى آخر، وعيناها تتسعان فضولًا. ورغم نفسها، وجدت التجربة مبهجة بشكل غريب. توقفت عند كشك يبيع أسياخ اللحم، وابتسامة البائع المرحة فاجأتها.
"مساء الخير يا آنسة! هل ترغبين في تجربة واحدة؟ الأفضل في السوق!" هتف البائع، وصوته يجلجل.
ترددت إيلارا، ثم أومأت. "سآخذ واحدة."
عندما عضّت قطعة اللحم من السيخ، انفجرت النكهات اللذيذة في فمها. أغمضت عينيها، تستمتع بالمذاق. للحظة، ذاب الإحباط والتوتر، وحل محلهما متعة بسيطة نادرًا ما كانت تسمح لنفسها بها.
لكن لحظتها الهادئة تحطمت فجأة بسبب ضجة قريبة. فتحت عينيها، فرأت أمبرين، منافستها، تركض مسرعةً خلف شخص ما. ضاقت عينا إيلارا بمزيج من الانزعاج والفضول. 'ماذا تفعل هذه الحمقاء الآن؟' تمتمت، وألقت السيخ نصف المأكول جانبًا.
عازمةً على كشف حماقة أمبرين الأخيرة، شقت إيلارا طريقها بسهولة عبر الحشد الصاخب. تناغمت حركاتها الرشيقة مع الفوضى من حولها. وبينما انعطفت إلى زقاق ضيق، تسارعت نبضات قلبها عند رؤية أمبرين محاطةً بقطاع الطرق.
"أمبرين، أيتها الحمقاء!" تمتمت إيلارا بغضب ممزوج بلمحة مفاجئة من القلق. غريزيًا، رفعت يدها وألقت تعويذة ضوئية. أضاء الوهج المفاجئ الزقاق المظلم، مما أثار دهشة قطاع الطرق وأعمى أبصارهم للحظات.
لكن قطاع الطرق كانوا أسرع مما توقعت إيلارا. انقضّ أحدهم عليها، وارتطمت قبضته بفكها. ترنحت، وتذوقت طعم الدم، لكنها ردت عليه بضربة مائية قوية، أسقطته أرضًا. أمسك بها قاطع طريق آخر من الخلف، فقاومت بعنف، وسحرها يشتعل جامحًا. رغم موهبتها، افتقرت إيلارا إلى الخبرة القتالية الحقيقية، وكان ذلك واضحًا.
كانت تعاويذها قوية لكنها مشتتة، وحركاتها مدفوعة باليأس لا بالاستراتيجية.
ومضت شفرة في الظلام، قطعت كمها وخدشت ذراعها. صرخت إيلارا من الألم، وتراجعت تعويذتها. استولى الذعر عليها بينما أحاط بها قطاع الطرق، وجوههم المهددة ملتوية بنية قاسية. استجمعت كل ذرة من قوتها، وألقت تعويذة درع أساسية، حاجزًا متلألئًا من الضوء دفع قطاع الطرق إلى الوراء للحظات.
لكن هذا الجهد أرهقها، وشعرت أن طاقتها تتلاشى.
واصلت إيلارا القتال، تلقي التعويذة تلو الأخرى، عازمة على عدم الاستسلام دون قتال. استحضرت نفحة من الريح، مرسلة الحطام يتطاير نحو مهاجميها، ثم أتبعتها بوابل من شظايا الجليد التي تلألأت بخطورة في الضوء الخافت. صرخ أحد قطاع الطرق عندما استقرت شظية جليد في كتفه، وسقط آخر على الأرض، قابضًا على ساقه حيث اخترقت شظية من خلالها.
على الرغم من مقاومتها الشرسة، أعاد قطاع الطرق تنظيم صفوفهم، وتفوقت أعدادهم عليها. هاجموها من كل الجهات، ووجدت إيلارا نفسها بلا حول ولا قوة. ضربة قوية في ظهرها أسقطتها أرضًا، ودرعها يتلألأ ثم ينطفئ. صرّت أسنانها، وحاولت النهوض بصعوبة، لكنهم ركلوها مرة أخرى.
وبينما بدأ الظلام يزحف إلى رؤيتها، رأت إيلارا أمبرين، فاقدة الوعي وضعيفة، تُسحب بعيدًا على يد أحد قطاع الطرق. انتابتها موجة من الحماية والغضب، مما أشعل تعويذة يائسة أخيرة. اندلعت ألسنة اللهب من يديها، قوسًا ناريًا أجبر قطاع الطرق على التراجع للحظات.
"تراجعوا!" صرخت إيلارا، وصوتها أجش. تردد قطاع الطرق، وقد ارتبكوا من شدة سحرها، ولكن للحظة فقط. أعادوا تنظيم صفوفهم بسرعة، ووجه أحدهم ضربة قاسية إلى صدغها. انفجرت النجوم في رؤيتها، وانهارت، وجسدها لم يعد يحتمل المزيد.
وبينما كان قطاع الطرق يستعدون للقضاء عليها، ملأت صرخات الحراس الزقاق. أدى وصول التعزيزات المفاجئ إلى تشتت قطاع الطرق. رقدت إيلارا على الأرض، ورؤيتها ضبابية، بالكاد واعية. رأت جسد أمبرين الفاقد للوعي وهو يُحمل بعيدًا على يد أحد الحراس، وتمكنت من رسم ابتسامة باهتة. 'حمقاء،' تمتمت، راضية بأن أمبرين في أمان.
كانت الساعات القليلة التالية ضبابية. وجدت إيلارا نفسها في مركز الحراس، حيث كانت امرأة ذات وجه صارم تعتني بجروحها. كانت يدا المرأة لطيفة لكنها حازمة وهي تنظف وتضمّد إصابات إيلارا.
"أنتِ محظوظة،" قالت المرأة بخشونة، وقد خف صوتها بلمحة من القلق. "كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ بكثير."
أومأت إيلارا، منهكة للغاية لدرجة أنها لم تستطع الرد. عاد عقلها ليتيه في الدائرة السحرية، تلك المهمة التي بدت مستحيلة. لكن الآن، وهي مستلقية هنا، منهكة ومكدومة، شعرت بإحساس غريب من الوضوح. ربما لم يكن الأمر يتعلق بحلها بمفردها. ربما كانت بحاجة إلى المساعدة، بقدر ما كرهت أن تعترف بذلك.
بعد ما بدا وكأنه أبدية، أُفرج عنها، وقد لُفّت جروحها وشُجّت كرامتها. شقت طريقها عائدة إلى السكن الجامعي، خطواتها بطيئة ومتعمدة. وبينما اقتربت من المبنى، رأت أمبرين تتجه في الاتجاه المعاكس، حركاتها حازمة.
"إيلارا..." تمتمت، وهي توسع عينيها، ربما بعد أن رأت إيلارا في نفس حالتها.
"حمقاء،" قهقهت إيلارا بسخرية.
_________________________________
تذكيرٌ واجبٌ من المترجم: ليكن في علم القارئ الكريم، أن كل شخصية، كل حدث، وكل حبكة في طيات هذه الرواية، هي محض نسجٍ من الخيال البشري للمؤلف، ولا تمت للواقع بصلةٍ أو حقيقةٍ ثابتة.
إنها مجرد حكايةٍ عابرةٍ بين ثنايا الورق، لا ينبغي لها أبداً أن تلهي النفس عن ذكر الله العظيم، أو عن التفكر في آياته الكبرى، أو عن تقدير قيمة الحياة الحقيقية ومسؤولياتها الجادة. فكل تلهٍ عن الحقائق الجوهرية هو خسارةٌ. هذا العمل الفني، بجماله وروعته، يبقى في النهاية وهمًا متخيلاً لا أكثر.
قدمه لكم زيوس، بكل أمانةٍ وإخلاصٍ في النقل، مع هذا التنبيه الواعي.