“تبًّا… هذا… لا يُصدق،” تمتمتُ واقفةً أمام المبنى الذي منحه لنا درافن. انتفخ قلبي بالفخر والترقب في تلك اللحظة. لقد كان صرحًا عظيمًا، أضخم بكثير مما حلمتُ به يومًا. بنيانه من حجر صلب، تزدان واجهته بنوافذ واسعة تُغرق الداخل بفيض من الضوء.
كان السقف مرتفعًا ومائلًا، تزين حوافه نقوش دقيقة تضفي عليه مسحة من الأناقة الراقية.
كان المدخل الأمامي يتألق بأبواب مزدوجة ضخمة من خشب البلوط الثقيل، زينتها مقابض نحاسية تتلألأ في ضوء الشمس. دفعتُ الأبواب فانسابت على مصراعيها، كاشفةً عن بهو فسيح بأرضيات خشبية مصقولة كانت تردد صدى خطواتنا. جدرانه مطلية بلون كريمي رقيق، وأسقفه عالية، مما منح المكان إحساسًا بالرحابة والانفتاح.
التفتُّ إلى الفتيات وقد امتلأ قلبي بالبهجة. كنّ جميعهن يتيمات تبنيتهن، وكل واحدة منهن باتت لي كأخت صغرى. اتسعت عيونهن دهشة وهن يستكشفن رؤية منزلنا الجديد. “مرحباً بكن في مقرنا الجديد،” قلتُ، ولم أستطع إخفاء الحماسة في صوتي. “هنا سنبني مستقبلنا.” [ ترجمة زيوس]
أطلقت مينا، الصغرى بينهن، صرخة فرح وهي تركض إلى البهو، خطواتها تتردد صداها على الأرضية المصقولة. “انظرن إلى هذا المكان! إنه ضخم!” هتفت، تدور حول نفسها وذراعاها ممدودتان.
تبعتها سارة، إحدى الفتيات الأكبر سنًا، ببطء أكبر، وعيناها تستوعبان كل التفاصيل. “إنه لا يصدق،” قالت بهدوء. “لم أرَ شيئًا كهذا من قبل.”
أمضينا الساعات القليلة التالية في استكشاف المبنى. كانت هناك غرف واسعة يمكننا استخدامها للتخزين والمكاتب ومساحات للاجتماعات. المطبخ كان فسيحًا ومجهزًا جيدًا، وكان يوجد حتى فناء خلفي به مساحة لحديقة. كانت الفتيات يثرثرن بحماس، وأصواتهن تتردد عبر الممرات الفارغة.
“هذا المكان رائع يا ليورا!” هتفت مينا وهي تدور في إحدى الغرف. “لا أصدق أن هذا ملكنا.”
ابتسمتُ وأنا أراقبها. “إنه رائع حقًا، أليس كذلك؟ لكن لدينا الكثير من العمل لنجعله ملكًا لنا بحق. لنبدأ بالتنظيف وتجهيز كل شيء.”
انطلقت الفتيات في العمل بحماس معدٍ. قضينا بقية اليوم في التنظيف، فرك الأرضيات، مسح الغبار عن الرفوف، ووضع الخطط لكيفية استخدام كل غرفة. تولت الفتيات الأكبر سنًا مهمة تنظيم مناطق التخزين، بينما ساعدت الصغيرات في المهام الأبسط.
“سارة، هل يمكنك مساعدتي في هذا الرف؟” ناديتُ وأنا أكافح لرفع رف خشبي ثقيل إلى مكانه.
“بالتأكيد يا ليورا،” أجابت، مسرعة للمساعدة. معًا، تمكنا من رفع الرف وتثبيته.
وبينما كنا نعمل، شرَد ذهني. فكرتُ في الرحلة التي أوصلتنا إلى هنا، وفي المصاعب التي واجهناها وتغلبنا عليها. كل واحدة من هؤلاء الفتيات كان لها قصتها الخاصة، وصراعاتها الفريدة. لكن معًا، وجدنا القوة والأمل. والآن، بفضل درافن، لدينا فرصة حقيقية لبناء شيء دائم وذو معنى.
“ليورا، انظري ماذا وجدت!” نادت مينا من غرفة أخرى. رفعت كتابًا قديمًا ومتربًا غلافه باهت. “هل يمكننا الاحتفاظ به؟”
ضحكتُ. “بالطبع يا مينا. يبدو أنه قد يكون شيقًا. يمكننا أن نبدأ مكتبة بكل الكتب التي نجدها.”
أشرقت عينا مينا. “مكتبة! هذا يبدو رائعًا!”
“هل أنتِ بخير يا ليورا؟” سألت سارة، وهي تسحبني من أفكاري.
أومأت برأسي، مبتسمة لها. “فقط كنت أفكر في مدى ما قطعناه من طريق. هذه مجرد البداية. أرى الكثير من الإمكانيات لنا هنا.”
ابتسمت سارة في المقابل، وعيناها تتلألآن. “كل هذا بفضلكِ. لقد منحتنا منزلًا ومستقبلًا.”
شعرتُ بكتلة تتكون في حلقي. “لقد فعلنا هذا معًا،” قلت بهدوء. “وسنستمر في بناء مستقبلنا معًا.”
ومع تقدم اليوم، اكتشفنا المزيد والمزيد عن منزلنا الجديد. كانت هناك زوايا خفية وشقوق، ومقصورات سرية، وحتى مساحة صغيرة في العلية ادعتها الفتيات على الفور كمخبأهن الجديد.
وبحلول الوقت الذي بدأت فيه الشمس بالغروب، كان المبنى يبدو أنظف وأكثر جاذبية. كانت الفتيات متعبات لكن سعيدات، ووجوههن تتوهج بإحساس الإنجاز. اجتمعنا في الفناء، نجلس على العشب ونستمتع بهواء المساء العليل.
“هذا المكان سيكون رائعًا،” قالت مينا، وصوتها مليء بالرهبة. “لا أطيق الانتظار لأرى ما يمكننا فعله.”
لففتُ ذراعي حول كتفيها. “أنا أيضًا يا مينا. أنا أيضًا.”
جلسنا هناك لبعض الوقت، نتحدث ونحلم بالمستقبل. كان الفناء يغرق في وهج الشمس الغاربة الخافت، وامتلأ الهواء بأصوات الطبيعة. كانت لحظة سلام ورضا، شيء نادر وثمين في حياتنا.
ومع حلول المساء، عدتُ إلى النزل الذي كنا نقيم فيه، وقد انتابني شعور عميق بالرضا. كان مقرنا الجديد مثاليًا، وكنت أرى المستقبل يتكشف أمامي بالفعل. كانت الفتيات وأنا نملك خططًا عظيمة، وكنت مصممة على تحقيقها.
عندما دخلتُ النزل، تغير مزاجي فجأة. كان ألفريد، خادم درافن، يجلس إلى إحدى الداولات، يحتسي كوبًا من الشاي بهدوء. كان هناك شيء ما في حضوره يثير قلقي. فلطالما كان هادئًا ورباطة جأش تلازمه، لكن حدة خفية كانت ترسل قشعريرة في عمودي الفقري.
أخذتُ نفسًا عميقًا واقتربتُ منه، أجبرتُ نفسي على الابتسام. “مساء الخير يا ألفريد. ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
رفع نظره، وكان تعبيره غير قابل للقراءة. “مساء الخير، آنسة ليورا. لدي رسالة من سيدي درافن.” مد يده إلى معطفه وسحب رسالة، ثم سلمها لي.
أخذتُ الرسالة، وقلبي يخفق بشدة. “شكرًا لك،” قلتُ، محاولةً تثبيت صوتي.
أومأ ألفريد، وأنهى شايَه ووقف. “سأستأذن الآن. أتمنى لكِ أمسية سعيدة، آنسة ليورا.”
“مساء الخير يا ألفريد،” أجبتُ، وأنا أراقبه وهو يغادر النزل. بمجرد أن اختفى، نظرتُ إلى الرسالة في يدي. كانت مختومة بشعار درافن، تنين يلتف حول سيف.
شققتُ طريقي إلى زاوية هادئة في النزل، وعقلي يتسابق بالاحتمالات. 'ماذا يمكن أن يريد درافن؟ لماذا يرسل رسالة بدلاً من أن يأتي بنفسه؟' وبيدين مرتجفتين، كسرتُ الختم وفردتُ الرسالة.
كانت القاعة المشتركة بالنزل تعج بالنشاط المسائي. رائحة اللحم المشوي والخبز الطازج ملأت الأجواء، ممزوجة بثرثرة الرواد وقرع الكؤوس العرضي. وجدتُ زاوية منعزلة قرب المدفأة، حيث قدمت الألسنة المتوهجة دفئًا وشيئًا من الخصوصية.
جلستُ، ووضعت الرسالة على الداولة أمامي، متأملةً شعار درافن للحظة قبل فتحها.
فردتُ الرسالة بعناية، ويداي ترتعشان قليلًا بمزيج من الترقب والقلق. كان الرق من نوعية فاخرة، والحبر داكنًا وجريئًا، مما عكس دقة درافن المعتادة.
أخذتُ نفسًا عميقًا وبدأتُ أقرأ.
[ليورا،
آمل أن يكون المقر الجديد قد نال رضاكِ. لدي أمر يتطلب اهتمامكِ الفوري. تاجر في هافيرفورد يتصرف بريبة، وهناك تقارير موثوقة عن تورطه في أنشطة غير قانونية. مهمتكِ هي التسلل إلى منظمته، وجمع أدلة ملموسة، ثم إبلاغي بالنتائج.]
توقفتُ، وعقلي يتسابق بالأسئلة. 'ماذا يمكن أن يريد درافن؟ ولماذا هذه الاستعجال؟'
واصلت القراءة، وشعور بالنذير يزحف إلي.
في تلك اللحظة، اقتربت ليلي، ابنة صاحب النزل، من داولتي بابتسامة دافئة. “هل ترغبين في مشروب يا آنسة ليورا؟” سألت، وعيناها تتلألآن بالفضول.
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة بالمقابل. “بعض الماء فقط من فضلكِ يا ليلي. شكرًا لكِ.”
بينما ابتعدت ليلي لإحضار شرابي، عدتُ بانتباهي إلى الرسالة.
[تتطلب هذه المهمة أقصى درجات السرية والفعالية. الفشل ليس خيارًا. تأكدي من جمع أدلة دامغة على تعاملاته غير المشروعة. استخدمي مهاراتكِ للاندماج بسلاسة وتجنب إثارة أي شك.]
تنهدتُ، وشعرت بثقل المسؤولية يقع على كتفي. لم تكن هذه مهمة صغيرة. درافن كان يأتمنني على أمر جلل.
عادت ليلي بكوب ماء، وضعته برفق على الداولة. “تفضلي يا آنسة ليورا. إذا احتجتِ أي شيء آخر، فقط أخبريني.”
“شكرًا لكِ يا ليلي،” أجبتُ، وهززتُ رأسي بامتنان. أخذتُ رشفة من الماء، محاولةً تهدئة أعصابي.
واصلت الرسالة تقديم تعليمات مفصلة حول كيفية المضي قدمًا.
[يجب أن يكون تسللكِ شاملًا. راقبي تحركات التاجر، سجلي معاملاته، وحددي جهات اتصاله. بمجرد تجميع أدلة كافية، أرسليها إلي مباشرة.]
قرأتُ الكلمات بعناية، مستوعبة كل تفصيلة. كانت هذه مهمة تتطلب الحذر والدقة على حد سواء. لم يكن بوسعي أن أرتكب أي أخطاء.
استندتُ إلى الوراء في كرسيي، وأغمضتُ عيني للحظة. خفتت أصوات النزل في الخلفية بينما ركزتُ على المهمة القادمة. 'لم يكن التسلل أمرًا جديدًا علي، لكن المخاطر كانت تبدو دائمًا عالية عندما يكون درافن متورطًا.'
أعادتني نقرة خفيفة على كتفي إلى الواقع. كانت سارة، إحدى فتيات مجموعتنا. “ليورا، هل كل شيء على ما يرام؟ تبدين قلقة.”
أجبرتُ نفسي على ابتسامة مطمئنة. “أنا بخير يا سارة. مجرد أن لدي الكثير لأفكر فيه. كيف حال الآخرين؟”
“لقد استقر الجميع ليلًا. المقر الجديد رفع معنوياتهن حقًا،” أجابت سارة، وعيناها تبحثان عن طمأنة في عيني.
“يسعدني سماع ذلك،” قلتُ، وضغطتُ على يدها بلطف. “سنتحدث أكثر في الصباح. اذهبي للراحة.”
أومأت سارة برأسها وغادرت، تاركةً إياي وحدي مع أفكاري مرة أخرى.
عدتُ بانتباهي إلى الرسالة، أقرأ الأسطر الأخيرة.
[هذه المهمة حاسمة لعملياتنا. لا تخيبيني.
درافن]
طويتُ الرسالة ووضعتها في جيبي، وشعرتُ بمزيج من العزم والقلق. كانت هذه المهمة حاسمة، وكان علي أن أكون في أفضل حالاتي.
تراقصت النيران بهدوء في الموقد، وراقبتُ ألسنة اللهب ترقص للحظة، غارقة في الفكر. كان النزل من حولي مفعمًا بالحياة، لكن عقلي كان مركزًا على المهمة القادمة. 'سيتطلب التسلل إلى منظمة التاجر تخطيطًا وتنفيذًا دقيقين. سأحتاج إلى جمع المعلومات بتكتم، والاندماج والمراقبة دون لفت الانتباه إليّ.'
أنهيتُ شربي للماء ونهضتُ، مستعدةً للتوجه إلى غرفتي وبدء التخطيط. وبينما كنتُ أشُق طريقي عبر القاعة المشتركة، لم أستطع إلا أن أشعر بإحساس من العزيمة. كانت هذه المهمة فرصة لإثبات ذاتي، لأُظهر لدرافن أن ثقته بي كانت في محلها.
في غرفتي، فردتُ خريطة هافيرفورد على الداولة الصغيرة بجوار النافذة. ألقت أضواء الشموع المتراقصة بظلالها على الرق بينما تتبعتُ الطريق إلى متجر التاجر. سأبدأ بجمع المعلومات من السكان المحليين، والاستماع إلى أي شائعات أو أقاويل حول أنشطة التاجر.
أعددتُ قائمة بالمستلزمات التي سأحتاجها، متأكدة من أن لدي كل شيء للمهمة. تنكرات، أدوات لفتح الأقفال، ومفكرة صغيرة لتسجيل الملاحظات. كان علي أن أكون مستعدة لأي شيء.
بينما كنتُ أستعد للنوم، ظلت أفكاري تنجرف نحو الرسالة. 'لدرافن طريقة في غرس الثقة بي، حتى عن بعد. إيمانه بقدراتي كان مطمئنًا ومرهبًا في آن واحد. كنتُ أعلم أنني لا أستطيع خذلانه.'
استلقيتُ، أحدق في السقف، وثقل المهمة يضغط علي. لكن تحت القلق، كان هناك شرارة من العزيمة. كنتُ مستعدة لمواجهة هذا التحدي، ومستعدة لإثبات نفسي مرة أخرى.
في صباح اليوم التالي، استيقظتُ مبكرًا، ضوء الفجر يتسلل عبر الستائر. ارتديتُ ملابسي بسرعة وجمعتُ مستلزماتي، وعقلي مركز على المهمة القادمة. اليوم يمثل بداية المهمة، وكنتُ مصممة على النجاح.
قبل المغادرة، توقفتُ للحظة لأطمئن على الفتيات. كنّ ما زلن نائمات، ووجوههن هادئة. ابتسمتُ، وشعرت بموجة من الحماية. لم تكن هذه المهمة لدرافن فحسب، بل من أجلهن أيضًا. سأفعل كل ما يلزم لضمان سلامتهن ومستقبلهن.
أخذتُ نفسًا عميقًا، وغادرتُ النزل، مستعدة لمواجهة التحديات القادمة. شوارع هافيرفورد كانت تنتظرني، وكنتُ مستعدة للكشف عن الحقيقة. هذه المهمة كانت ملكي لأكملها، وكنتُ مصممة على إنجازها حتى النهاية.