10 - الفصل 10: الفصل الرابع (البارت الثاني)

في بيت ماهر، كان الجوّ مشحون، كأن الجدران نفسها تتنفس توترًا.

وقف في منتصف الصالة، يرمق ابنه سيف الجالس على الأريكة بكسل واضح منذ أيام لا يخرج ولا يتحرك.

قال ماهر بنبرة فيها غيظ مكبوت:

"أنا مِش فاهِم...

هو إنت ناوي تِجْعِد فِ البيت اكِدَه على طول كيف الحريم ؟!"

رفع سيف نظره بكسل وقال:

"كنت تعبان شوية يا حاج، وقلت أريح يومين."

لوّح ماهر بيده، كأنه يرفض هذا العذر:

"شِدّ حِيلَك وجُوم شوف اللي وِرَانا...

الانتِخَابات جَرِبِت،وأنا مِحتاج رِجّالَه صاحيين معايا ف الحَملة الانتِخَابِية."

أومأ سيف دون حماس:

"تؤمر يا حاج."

صمت لحظة، ثم سأله ماهر بنبرة مقصودة:

"وإيّه أَخْبار بِتّ عَمَّك عاصم؟"

تلعثم سيف قليلًا:

"مين؟...

آه، آه، تقصد الدكتورة؟"

قال ماهر بحدة:

"أيوه، هو في غيرها؟"

تنهد سيف:

"مافيش جديد، يا حاج...

يعني أعمل إيه؟ أجبّرها بالعافية؟"

أجابه ماهر بعصبية:

"آه يا خويا، بالعافية وبالذوق،

شوفلك دخلة ولا طريجة، أي حاجة تتعلج بيك."

تردد سيف لحظة، ثم قال باستياء:

"ما هو إنت يوم ما قرّوا الوصية، اتعصّبت عليها، وده خلاها تتحدانا أكتر."

رد ماهر، وقد ارتفعت نبرته:

"وكنت عايزني أعمل إيه ؟!

أنا دمي فار...

من الوصية والأرض اللي ليهم

وكمان إنت ناسي إني كنت عايز طارق لأختك ميرهان؟!، واهي راحت نطّت بت عاصم وخدته،

يبجى ما نضيّعش التانية كمان"

سكت لحظة ثم تابع بحدة:

"اسمع يا سيف...

الشغلانة دي شُغلانتك إنت...

إنت اللي تِلف وتِدور وتِدخُل لها بالصح. نُص بَنات البَلَد بيِجروا وراك

وجاي على دي...

مش عارف تِكسَبها؟!"

ابتسم سيف بسخرية وهو يمرر يده في شعره:

"متقلقش يا حاج...

ابنك قدها."

هز ماهر رأسه، ثم التفت ونادى بصوت عالٍ:

"رجاء"

جاءت رجاء من الداخل وهي تجفف يديها:

"أيوه يا حاج؟"

قال لها بنبرة حاسمة:

أنا شايف إنك بجالِك فِتره ما خطَيتِيش بيت أخويا شاكر.الله يرحمه"

ردّت رجاء بنعومة:

"كنا بنرُوح يا حاج...

أيام العَزا، وكام يوم بعدها،بس مِن ساعتها ما رُحناش تاني."

قطّب ماهر حاجبيه:

"وِجفتوا ليه؟

حد جال لكم ما تِجوش؟!"

ترددت رجاء، ثم قالت بتحفّظ:

ماهو إنت كنت دايمًا بتجول ما نِروحْش هناك كتير...

فيه جديد؟

تنهّد ماهر وردّ بحدة:

"الجديد إن ابنك وبتّ عاصم هيتجوزوا. سيف قرّر."

شهقت رجاء، ونظرت إليه بعدم تصديق:

"يعني إنت فعلاً مصرّ على الجوازة دي؟"

نظر إليها باستغراب وكأن سؤالها غير مفهوم، فقالت بنبرة خافتة لكنها حادة:

بس...

مش ليلى دي بنت هدى؟ وهدى...

دي اللي كنت بتحبها زمان؟ مش هي اللي رفضتك، واتجوزت عاصم؟"

تغيّرت ملامح ماهر، وتصلبت قسماته، لكن رجاء استرسلت:

"وساعتها اتجننت، وقلبت على أخوك، وطلّعت كلام على هدى وسمعتها...

دلوقتي فجأة عايز بنتهم تكون مرات ابنك؟!"

اقترب منها ماهر بخطوات بطيئة، وصوته غليظ:

"اخرصي، يا رجاء...

أنا حرّ ف اللي بعمله.

هدى راحت، وعاصم راح، بس بناتهم موجودين...

ومعاهم أراضينا...

وإحنا أولى من الغريب.

اللي فات مات...

واللي جاي لازم نكسبه بأي طريجة."

رمقته رجاء بنظرة فيها خوف وريبة.

لم تكن تتوقع أن نار الماضي ما زالت مشتعلة في صدره...

لكنها أدركت الآن، أن ماهر لا يسامح، ولا ينسى.

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

في تلك الليلة، كانت سلمى وليلى في غرفتهما تُحضّران الحقائب استعدادًا للسفر صباح الغد.

قالت سلمى بتنهيدة:

"هو احنا هنقعد قد إيه في دبي بقى يا ليلى؟"

رفعت ليلى عينيها وقالت بهدوء:

"تقريبًا أسبوع...

على حسب ظروف خالد بيه طبعًا."

رفعت سلمى حاجبها وقالت بنصف مزاح:

"طيب ما كان طارق هو اللي ييجي معانا؟!"

رمقتها ليلى بغمزة خفيفة، ثم قالت مازحة:

"الله يا ست سلمي...

مبقيناش نقدر نستغنى عن طارق باشا!"

سلمى، بابتسامة فيها دَهشة:

"لا مش كده...

بس طارق بيخلّي الرحلة خفيفة...

إنما خالد، كل كلمة بتطلع بالعافية "

قهقهت ليلى:

"معاكي حق .. بس نعمل إيه؟ هو اللي رايح...

تتعوض في سفريّة تانية بقى."

ثم أضافت وهي تنهض:

"يلا يا ستي ننام...

بكره ورانا سفر وتحضيرات."

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

وفي مكان اخر في البيت لم تكن الليلة ساكنة إلا من ضجيج صدر عامر.جلس وحده في المضيفة، والجدران من حوله تَضيق به، والظلام لا يُخفي عنه ما يضجُّ في داخله. تحرّك في مقعده، ثم اعتدل، ثم وقف...

كأن المكان كله يرفضه، أو هو من ضاق به صدره حتى لم يعد يسعه شيء.

اقترب من النافذة، فتحها ببطء، وتنفّس هواء الليل البارد كأنه يبحث فيه عن شيء يروّض النار التي تشتعل داخله.عيناه زائغتان، وعقله مزدحم بأسئلة لا يجد لها إجابة.

ضمّ يديه خلف ظهره، وراح يدور في الغرفة كطائرٍ جريحٍ حُبس في قفص ضيّق.خطواته متثاقلة، تائهة، لا تعرف لها وجهة ولا قرار.عيناه تتنقلان بين فنجان قهوة برد قبل أوانه، وسيجارة احترقت وحدها على حافة الطاولة...

كأنها صورته المنعكسة: مشتعلة من الداخل، منطفئة في العلن.

همس لنفسه، والنار في صدره ما زالت حية:

"ماكانش يِصِحّ...

أتعصّب عليها كِدَه."

ساد صمتٌ ثقيل، يقطّعه صوت أنفاسه المتوترة، ثم مرّر يده على وجهه، كأنّه يريد أن يمحو بها آثار المواجهة الأخيرة...

لكن وقع كلماتها ظلّ يقرع قلبه بلا رحمة:

"مفيش كبير عليّا يا عمدة...

"

ردّدها في داخله، فاشتعلت نيرانه:

"ولا هي كمان...

يِصِحّ تِكِلّمني كده؟

رافعه راسها في وِشّي، وبتجول ليا مافيش كبير عليا؟

هي اتجِنّت اياك؟ ولا نَسْيِت أنا مين؟"

أسند ظهره إلى المقعد بتنهيدة ثقيلة، وأغمض عينيه لحظة، كأنّ التعب أدركه فجأة. ثم بصوت خافت، أقرب للاعتراف:

"بس...

يمكن أنا اللي شِدّيت أكتر من اللّزوم

مش بس النهارده...

مِن يَوم الخيل، وأنا دمي فار يعني ما كنتش عارف أجولها الكلام بهُدوء برضك."

وِليه دمي فار مِ الأصل؟"

هزّ رأسه، وكأنّه يحاكم نفسه أمام مرآة لا ترحم، ثم قال في سره:

"فيك إيه يا عِمده؟!!!!

هي البِت دي...

هتِجلِب دماغك ولا ايه؟"

ابتسم ابتسامة باهتة، لا سخرية فيها، بل شيءٌ، من الحيرة، من الرجل الذي طالما كان يعرف وجهته...

وفجأة، فقد البوصلة.،ثم همس، وكأن صوته يهرب منه:

بدور...

اللي كنت شايفها هادية ، كيف القطة المغمضة. ما تِرفَعش عينها ف حد...

دلوجتي بَقِت تِشِدّ معايا، وتِدَوّخني بِنَظْرَه، وتِغلِبني بِكِلْمَه؟!"

أغمض عينيه طويلًا، كأنّه يخشى من الجواب.

فالجواب يتسلل إليه رغمًا عنه...

وكان يدري، في داخله، أنه لا يريد أن يسمعه......

لكنه سمعه..

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

في أعماق قلوبنا تسكن الحيرة، وتتناسل الأسئلة بلا إجابة...

أي طريق نسلك، وأي قرار يميل بنا نحو النجاة؟

نمضي في متاهات من الكبرياء، تعاندها لحظات ضعف نكابر أمامها، نعلّق قلوبنا على خيطٍ رفيع بين التماسك والانهيار، نخشى أن ينقطع، فنهوِي حيث لا رجعة.

عند مدخل البيت، وقفت فاطمة تودّع ليلى وسلمى، وعيناها تفيض بالمحبة والدعاء.فاحتضنتهما بحنان وقالت:

هتسِيبوا فَراغ وراكم يا بَنات...

ربنا يِوَصّلكم ويِرُدّكم بالسّلامه."

اقترب خالد من والدته، وطبع قبلة على يدها، ثم همس:

"دعواتك يا حاجة."

بحنان قالت:ربنا يستر طريجكم ياولدي

ثم اتجه إلى عامر وسلّم عليه:

"تؤمر بحاجة يا عمدة؟"

هزّ عامر رأسه بابتسامة هادئة:

"لا يا هندسة...

ربنا يسهّل طريقكم."

وفي تلك اللحظة، أتى ياسين مسرعًا، سلّم على الجميع ثم التفت إلى خالد مبتسمًا:

"ما تخليني أوصلكم .. أنا فاضي النهاردة."

ردّ خالد وهو يربّت على كتفه:

"لا مش مستاهلة...

أنا هروح زي كل مرة بالعربية وأسِيبها في جراج المطار."

تحرّكوا جميعًا نحو السيارة. وقبل أن يفتح خالد الباب الأمامي، سبقه طارق بخفة وهو يفتح الباب بيده ويغمز بخبث:

"إيه يا هندسة؟ مش ناسي إن معاك حد تاني؟"

رمقه خالد بنظرة مازحة ورد ساخرًا:

"لقيتك اتأخرت، قلت أتوكل أنا وخلاص."

ابتسمت سلمى بسعادة، وقالت بنبرة لا تخلو من لهفة:

"إنت جاي معانا؟"

ردّ طارق بابتسامةٍ ساخرة، وهو يرمقها بنظرةٍ مازحة:

"لأ...

جاي أسلّيكم لحد المطار وبس."

لم تستطع سلمى إخفاء ارتباكها، احمرّ وجهها فجأة، وتعلقت نظراتها بالأرض. رمقها طارق بنظرة جانبية، وغمز لها بخفة، قبل أن يفتح باب السيارة ويجلس إلى جوار خالد في المقعد الأمامي.

أما خالد، فقد جلس خلف المقود، وضبط المرآة الأمامية بعناية، لكن عينيه سرحتا بعيدًا. كان يراقب طارق وسَلمى، وفي داخله شيء من السخرية الصامتة علي مشاكستهم، وفي المرآة لمحها هي الأخري -ليلي- تراقبهم وتسللت ضحكة خفيفة، خرجت منها دون قصد، لم تكن صاخبة، لكنها دافئة...

بريئة. بدت له مختلفة، وكأنها — في لحظة — تخلّت عن صلابتها المعهودة، واسترخت بين من حولها.

للحظة، شعر خالد وكأنه يراها لأول مرة.,طال نظره إليها، تتبّع ملامحها التي غفل عنها من قبل...

وحين رفعت ليلى رأسها، التقت عيناها بعينيه مباشرة.

تسارعت أنفاسها، واتسعت عيناها بدهشة عابرة، ثم ما لبثت أن أشاحت بوجهها إلى النافذة، تُخفي ارتباكًا ناعمًا أضاء وجنتيها على غفلة.

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

كانت منى ممددة على الفراش، تحيط ذراعيها بصغيرتيها "ملك" و"مريم"، كأنها تلوذ بهما من تعب لا يُقال، وهمّ لا يُشارك. الليل ثقيل، وصوت أنفاس الطفلتين هو السلوى الوحيدة في هذا الظلام الممتد.

لم تكن ليلة عادية، فقد عادت نوبة التعب لتطرق جسد "ملك"، وما من شيء كان أشد على قلب منى من رؤية صغيرتها تتألم،ظلّت قربهما، تهمس بآيات طمأنينة، حتى غفت وهي ممسكة بكف الطفلتين.

بعد وقتٍ من الصمت، فُتح باب الغرفة بهدوء، اقترب منها، وخبط على كتفها بخفّة، ثم قال باقتضاب:

"قومي...

عاوزك شوية."

فتحت عينيها ببطء، وأومأت، محاولة ألا توقظ الطفلتين، وسارت خلفه إلى غرفتهما. سألته بهدوء حين دخلا:

"راجع بدري؟ مش عوايدك."

رد بسخرية خفيفة:

"يعني أرجع بدري مش عاجب...

وأرجع متأخر مش عاجب...

خلاص قوليلي أرجع إمتى؟"

أجابت سريعًا:

"لا والله، ما قصدتش حاجة يا بلال."

وحين همّت بالخروج، أوقفها بقبضة على ذراعها:

"رايحة فين؟"

قالت:

"هجهزلك العشا."

هزّ رأسه وقال:

"مش وقت العشا...

بعدين."

في نظرته شيء تعرفه...

تعرفه أكثر مما تتمنى، وتخشاه رغم ألف مرة من التكرار. فهمت ما يريد دون أن يُفصح، فاستأذنته بصوت خافت:

"شوية بس...

وهرجع."

غادرت الغرفة بخطى بطيئة، وذهبت إلى الحمّام، تتأهّب بصمت لما بات أشبه بالطقس المُعتاد...

لا دفء فيه، ولا انتظار، فقط استعداد خالٍ من الحياة.

وقفت أمام المرآة، نظرت إلى عينيها للحظة، ثم أنزلت بصرها سريعًا، كأنها تهرب من امرأة لم تعد تعرفها. رتّبت خصلات شعرها، وسوّت ثيابها بهدوء، ليس لأنها ترغب، بل لأنها اعتادت التهيّؤ، حتى حين يخذلها قلبها وتخذلها الحياة.

ثم عادت...

بخطى تجرّها، وصمت أثقل من الحيطان، وكأنها تسلّم نفسها لما لا مفر منه، لليلة تشبه التي قبلها، وتمضي كما مضت كل الليالي التي لم تكن فيها أكثر من ظلّ لامرأة...

لا يسمع صوتها أحد.

وحين وقفت أمامه، نظر إليها من رأسها لقدميها، وقال بنبرة فيها تقريع:

"شكلك ضعفانة شوية"

تمتمت بارتباك:

"من كتر تعب ملك اليومين دول...

ما نمتش كويس."

لم يعلّق، فقط أشار بيده نحو الفراش وهي فهمت. مرّت دقائق ثقيلة، لا حنين فيها ولا دفء. مجرد حضور جسدي يقوم بواجب لا اكثر.

وبعد أن انتهى، أدار ظهره لها، وسقط في نومٍ عميق. أما هي، فبقيت تحدّق في السقف، الدموع محتجزة في عينيها، لم تبكِ، فقط شعرت بغصّة تتكاثر في صدرها. هي ليست أكثر من جسد، لا يُسأل عن رأيه، ولا يُمنح حق الاعتراض. كأنها مجرّد وعاء، يفرغ فيه صخبه ورغبته وانفعالاته، ثم يمضي. ويبقى قلبها هناك...

ينزف بصمت، بلا عزاء، بلا يد تُربّت، ولا عين تبصر ما به.

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

في مساءٍ يضجّ بأنوار دبي وحركتها، بدت خطواتهما هادئة على غير ما حولهما، وكأن الصمت يسكنهما وحدهما وسط مدينة لا تعرف السكون، وصلت ليلى وسلمى إلى منزلهما...

للمرة الأولى تدخله خاليتين من والدهما.

كان البيت كما هو، الأثاث في مكانه، الصور على الجدران، لكن كل شيء بدا ناقصًا...

وروح غائبة تملأ الفراغ بالحزن.وقفتا في الصالة، تتأملان المكان طويلًا، وفي قلبيهما غصّة لا تُقال.

حاول طارق أن يخفف وطأة اللحظة، فابتسم بخفوت وقال:

"عمي الله يرحمه...

أكيد في مكان أحسن دلوقتي."

هزّت سلمى رأسها ببطء، وقالت بصوت خافت:

"ونِعم بالله."

أما ليلى، فظلت صامتة، تتماسك بجهد، لكنها لم تُخفِ تلك الدمعة العالقة في زاوية عينها.

لاحظها خالد، فنظر إليها نظرة خاطفة، وقال بصوته الرصين:

"ربنا يرحمه ويصبركم."

ردّت ليلى باقتضاب:

"إن شاء الله."

شعر طارق بثقل اللحظة، فحاول أن يُغير الأجواء:

"طيب نسيبكم ترتاحوا دلوقتي...

وبكره نرتّب كل حاجة سوا."

أجابت سلمى وليلى معًا، بصوت خافت متشابك:

"إن شاء الله."

ثم ساد الصمت...

وكأن الحزن ألقى بثقله على المكان كله.

****

وفي الصباح ....

،

تسلّلت رنّة الهاتف لتوقظ سلمى من نومها.حين ، مدت يدها بتكاسل، وأجابت بصوت مبحوح:

"ألو؟"

جاءها صوته مفعمًا بالحيوية:

"صباح الخير...

إيه يا كسلانة، لسه نايمة؟"

غمغمت وهي تحاول فتح عينيها:

"طارق؟"

ضحك وقال:

"أومال مين اللي هيطلبك غيري عالصبح كده؟"

ردّت بضحكة نصف ناعسة:

"بدري أوي على الاتصال!"

قال بلطف:

"مش كنتِ قايلة إنك هتروحي الجامعة تستلمي أوراقك؟"

فركت عينيها وهمست:

"آه، فعلاً...

نسيت."

شهقت بدهشة وقالت:

"مستنيني إيه!؟ أنا هاروح لوحدي."

قال بنبرة خفيفة حازمة :

مفيش نقاش ، يلا، مستنيكي تحت. قدامك عشر دقايق وهنمشي."

ارتفعت فجأة من السرير وقالت بارتباك:

"عشر دقايق.. ده أنا حتى مفطرتش!"

قال ضاحكًا:

"قولي إنك عايزة اعزمك علي الفطار وخلاص"

ردّت بابتسامة نعسانة:

"يعني مش هقول لأ ..بصراحة."

أغلقت الخط وبدأت ترتبك في حركتها، وبينما هي خارجة من الغرفة اصطدمت بليلى التي كانت تدخل.

"إيه يا بنتي، بتجري كده ليه؟"

"طارق مستني تحت، هنروح الجامعة عشان الورق."

غمزت ليلى بمزاح:

"آه يعني بقيتوا بتروحوا مشاوير سوا؟ تمام يا ستي."

ضحكت سلمى وقالت بحرج:

"هو دبّسني ومقدرتش أقول لأ."

قالت ليلى وهي تبتعد نحو المطبخ:

"طب استني، أعملك ساندويتش قبل ما تلبسي."

ردّت سلمى بسرعة وهي تلبس:

"بلاش، هنفطر سوا أصلاً."

ليلى التفتت بمرح:

"وكمان فطار؟ ده أنتو دخلتوا في الجد"

احمرّ وجه سلمى من الخجل، ثم اقتربت وقبّلت أختها:

"دعواتك بقى."

وأثناء خروج ليلى من الغرفة، التفتت إليها سلمى وسألت:

"إنتي هتنزلي على الشغل وعيادة بابا النهاردة؟"

أجابت ليلى وهي تمسك بمفاتيحها:

"آه، هعدّي أجدّد الإجازة الصبح، وبعد كده أروح أشوف نظام العيادة."

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

أنهت ليلى إجراءات تجديد إجازتها، ومرّت على زملائها في العمل لتحيتهم بعد غياب طويل بسبب ظروفها. جلست معهم قليلًا، تتبادل الأحاديث الودية، قبل أن يرن هاتفها فجأة.

نظرت إلى الرقم الغريب بتردد، ثم أجابت بتحفظ:

"ألو؟"

جاءها صوته الأجش من الطرف الآخر، مقتضبًا كعادته:

"أنا خالد."

ردت بارتباك:

"أه...

اهلا ."

سكت للحظة، ثم قال:

"محتاج أشوف العيادة بتاعة عمي...

في حد كلمته ناوي يشتري، وعايز يخلص الإجراءات."

قالت له:

"أنا رايحة هناك كمان شوية، ممكن تقابلني هناك. هبعتلك العنوان."

بعد نحو نصف ساعة، وصلت ليلى إلى العيادة، وكان خالد قد وصل برفقة أحد الأشخاص. ألقيا نظرة على المكان، ثم انتحى خالد بالرجل جانبًا وتبادلا حديثًا قصيرًا، قبل أن ينصرف الأخير.

اتربت ليلى وسألته بفضول:

"ها...

إيه الأخبار؟"

أجاب بهدوء:

"إن شاء الله خير، مبدئيًا المكان عجبه."

قاطعت كلامه بابتسامة خفيفة:

"هو دكتور؟"

ابتسم خالد بسخرية وقال:

"لأ يا دكتورة، احنا بنتعامل مع سماسرة ومقاولين...

طبيعة شغلنا بقى، مش زيكم."

ضحكت ليلى بخفة، كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها شيئًا من خفة الظل عنده.

لكن لم تدم ابتسامتها طويلًا، إذ فاجأها بسؤال خبيث:

"مش هتعرفينا بقى على خطيبك؟"

رفعت حاجبيها بتساؤل حذر:

"خطيبي؟!"

نظر لها نظرة ماكرة:

"نسيتي إنك قولتي يوم قراية الوصية إنك مخطوبة؟"

ارتبكت للحظة، وتذكّرت بالفعل ما تفوّهت به يومها لتتفادى الحرج. اعتقدت أنه نسي الأمر، لكنه لم يفعل.

تداركت نفسها وقالت:

"أنا مقلتش مخطوبة، قلت مرتبطة."

سألها وهو يرفع حاجبه:

"تفرق؟"

ردت بثقة مصطنعة:

"أيوه تفرق...

مخطوبة يعني رسمي، وإشهار."

رمقها بنظرة متفحصة وقال:

"والموضوع دلوقتي إيه؟"

قالت بنبرة حازمة:

"زي ما قلتلك...

مرتبطة."

ضحك بخفة وقال بسخرية:

"يعني قصة حب؟"

ردّت بعصبية وقد بدأ التوتر يتسلل إلى نبرتها:

"الموضوع مايخصكش يا باشمهندس."

قطب حاجبيه، وقد بدا عليه الضيق من لهجتها:

"ومين قالك إني مهتم؟ كل الحكاية إني قلت فرصة...

طالما احنا في دبي، فرصة حبيبك — أو خطيبك أو أيا كان — يتعرف على ولاد عمك."

نظرت له بتحدٍّ:ِ

"أكيد إن شاء الله، هييجي اليوم اللي تتعرفوا فيه."

عضّ خالد شفته السفلى، تلك الحركة التي لا يفعلها إلا حين يحاول كبح انفعالٍ ما، ثم قال بصوت بارد، أثقل من الهواء نفسه:

"إن شاء الله...

إن شاء الله."

كانت طريقته في نطق الجملة الأخيرة أشبه ببابٍ يُغلق ببطء...

بابٍ لم تفهم ليلى إن كان يُغلقه غضبًا، أم شيئًا آخر غامضًا لم تستطع أن تلمسه ولا أن تفسّره.


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 0 مشاهدة · 2483 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026