9 - الفصل 9: الفصل الرابع (البارت الأول)

كأن قلبي يسير في ضباب لا يعرف له طريقًا، كل خطوة تُربكني، وكل شعور يُثقل أنفاسي

وبين الحيرة واليقين...

وقعتُ أنا ...

🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸

بعد أيامٍ من الغياب، بدأ القلق يتسرّب إلى قلب عامر شيئًا فشيئًا. حاول إقناع نفسه أن المسألة لا تستحق، وأن ما قاله يوم الخيول لا يتعدّى انفعالًا عابرًا...

لكن الصمت طال، وبدور لم تأتِ.

كان يعرف أن كلماتِه الجافة قد جرحتها، وأن كِبره لن يداوي ما أحدثته من شرخ. وبرغم عناده المعتاد، لم يطق هذا الجفاء. فكر طويلاً، ثم جاءته فكرة: طلب من أبنته فرح أن تتصل بخالتها، وتخبرها أنها تفتقدها

لم تحتمل بدور نبرة الشوق في صوت الصغيرة، فقالت:"طيب، هاجي لكم شوية."

وما إن عبرت بدور بوابة البيت، حتى لمحها عامر من نافذة غرفة المضيفة. كانت تُحيّي والدته بود، ثم انحنت تحتضن فارس وفرح، كما لو أن الفراق بينهما امتد دهرًا. خرجت بعد ذلك إلى الحديقة، وجلست على العشب تُلاعب الصغيرين، ضحكتها تملأ المكان بدفئها، غير أن ملامحها لم تكن كما عهدها؛ ثمة شيء خفي تغيّر في وجهها...

شيء لم يستطع عامر أن يسميه، لكنه شعر به تمامًا.

خرج عامر من المضيفة، خطواته مترددة، وصدره يضيق بأنفاسه، اقترب منها بصوت متهدّج:

"السلام عليكم."

أجابت دون أن تنظر إليه:

"وعليكم السلام."

تلك البرودة أربكته، فحاول التماسك وسألها:

"العيال كانوا زَعلانِين جوي...

اشتاقُولِك اليومين اللي فاتوا."

ردّت بهدوء قاتل:"يبقوا ييجوا البيت."

رفع حاجبيه بدهشة، وسأل:

"يعني مش رايْدَه تِيجِي هِنا؟"

نظرت إليه بتحدٍ وقالت:

"بالضبط."

بلع ريقه بصعوبة، وحاول كتم غضبه:

"ليه يا بدور؟"

نبرتها جاءت صارمة، لا تعرف المواربة:

"المكان اللي أتهان فيه...

ما أدخلوش تاني."

قطّب جبينه، وقال مستنكرًا:

"تتهاني؟ مين هنا يجدر يهينك يا بدور؟!"

قالت دون تردد:

"اسأل نفسك...

يا عمدة."

تنهد، وقال بصوتٍ منخفض:

"يعني لِسَّه واخده عَلَى خاطرك؟...

عشان ما شَخَطْت فيكي يوم الخيل؟"

نظرت إليه بعينين تغليان:

"هو المفروض ما أزعلش؟ قدام الكل بتزعقلي كأني عيلة صغيرة"

نظر لها نظرة طويلة وقال:

"عِيلَه صُغَيَّرَه إيه؟

دِه إنتِ سِتّ البَنات كُلِّياتهُم"

أربكتها كلماته، فخفضت عينيها. تمتمت:

"بس اللي حصل ميصحّش...

مش من حقك تعلي صوتك عليّا قدام الناس."

رد بنفاد صبر:

"يعني شايفه ينفع تركبي خيل جدام الناس؟ والعيون عليكي من كل ناحية؟!"

قالت بغضب:

"وأنا مركبتش."

ردّ فورًا:

"بس كنتي رايده تركبي."

رفعت حاجبيها بتحدٍ وقالت:

"وفيها إيه؟ ما أركب...

ده يضايقك في إيه يا عمدة؟ اللي يحاسبني هو بلال اخويا وحضرتك بتحاسبني ليه؟

وهنا اشتعلت نيران الغضب في وجه عامر، وصرخ بها:

"ده أنا أُحاسِبِك...

وأُحاسِب عِيلْتِك كَمان

إنتي ناسيه بتِكَلِّمي مِين؟!"

قالت بثبات لا يخلو من تحدٍ:

"بكلم مين؟"

اقترب منها، وصوته يغلي:

"بتكلمي العمدة عامر صقر...

كبير عيلتك وكبير البلد كليتها"

رمقته بنظرة هادئة لكنها كالسكين، وقالت:

"مفيش كبير عليّا يا عمدة."

اقترب منها خطوة أخرى، والدم يغلي في عروقه:

"أنا كبير عليكي...

وعلى اللي بيِتشدّد ليكِي كمان

وكلامي مسموع...

ومش رايد نقاش"

ثم استدار غاضباً، يلتهم الأرض بخطاه، يكاد يدهسها من شدة انفعاله.،أما هي...

فظلت جالسة، عيناها تتبعان انفعاله بصمت.

(ها هي القطة الهادئة، التي طالما رآها مطأطئة الرأس، وديعة النظرات...

تخرج مخالبها في وجهه لأول مرة، بثبات لم يعهده منها، وبصلابة أربكته أكثر مما أغضبته.)

دخل عامر المضيفة وصفق الباب خلفه بعنف، كأنّه يُغلق على نيرانه لا على الغرفة.

وبعد لحظات، دخل الغفير يحمل صينية الشاي، لكنه لم يكد يخطو خطوتين حتى انفجر فيه عامر بصوتٍ حاد:

"مش رايد لا زفت ولا غيره...

غوور واجفل الباب وراك"

ارتبك الغفير وانسحب سريعًا، بينما جلس عامر على الأريكة، يداه مشبوكتان، ووجهه يغلي بغضب ليس بعادته ،حاول أن يهدّئ نفسه، لكن كل شيء في داخله كان يثور.

مرّت دقائق، ودخل خالد وطارق معًا، يتبادلان نظرات متفحّصة لحال أخيهما الأكبر.

قال طارق بنبرة مازحة يحاول بها كسر التوتر:

"إيه يا عمدة؟ شكلك المزاج مش رايق النهارده."

لكن عامر ردّ بفتور ونظرة شاردة:

"أجّل أي كلام دلوجتي يا طارق...

دماغي مش رايجة."

أومأ طارق بصمت، ثم انسحب بهدوء تاركًا الغرفة.

أما خالد، فبقي جالسًا في مكانه، ينظر لعامر دون أن ينبس بكلمة. وبعد لحظة صمت ثقيل، قال بنبرة رزينة:

"فيه إيه يا عامر؟"

تنفّس عامر بعمق، وكأنّه يُبعد الغضب عن صدره قسرًا، ثم تمتم:

"مافيش يا هندسة...

شوية مضايجة...

ورايحين لحالهم."

قال خالد بتأنٍّ، ونظره لا يفارقه:

"مين اللي مضايقك؟"

لم يرد عامر، فقط أشاح بوجهه، وقال بصوت خافت يكاد يختنق:

"مش وجته يا خالد...

"

بينما كانت بدور جالسة في الحديقة، كانت نيران الغضب تتأجج داخلها، وتضارب المشاعر ينهشها.

لم تفهم كيف تحوّل الحديث بينها وبين عامر إلى هذا الحد من التوتر والانفعال.

قبل يومين فقط، كانت عيناه تتأملانها بنظرة أربكتها، نظرة لم تعهدها منه من قبل.

نظرة حركت شيئًا دفينًا في قلبها، مشاعر جديدة لم تختبرها يومًا.

لكن اليوم؟

رأته بوجهٍ آخر...

وجه قاسٍ، زاجر، منفعل، كأن شيئًا بينهما لم يكن.

وضعت يدها على صدرها، تحاول تهدئة خفقاته المتسارعة، وهمست لنفسها بحيرة ممزوجة بالغضب:

"هو إيه اللي بيحصل؟!

أنا لعبة في إيده؟!

كل شوية وش؟!"

وقبل أن تسترسل في أفكارها، جاءها صوتٌ دافئ يقطع شرودها. ،كانت ليلى تقترب منها بابتسامتها الحانية:

"إيه يا بدور؟ إزيك؟ فينك من يومين؟ وحشتينا."

نهضت بدور ببطء، ابتسمت لها ابتسامة باهتة، ثم جلستا معًا على المقعد الخشبي وسط الحديقة. نظرت ليلى إليها بحنو وقالت:

"بقالك يومين مش بتيجي ..شكلك لسي زعلانة من يوم الخيل وعصبية العمدة معاكي"

هزّت بدور كتفيها، محاولة التهرّب من الحديث:

"لا عادي...

انسي الموضوع."

لكن ليلى لم تقتنع، فأردفت بنبرة مطمئنة:

"بجد متزعليش...

أنتي عارفة العمدة طيب، بس يمكن اتضايق لأن هنا مش متعودين البنات يركبوا خيل."

اكتفت بدور بهزّ رأسها، تائهة في صمتها، وكأنها لا تريد أن تنكأ الجرح.

وفي تلك اللحظة، جاءت سلمى بخفة كعادتها، وقالت مازحة:

"يا ستي كبّري دماغك...

كلمتين من العمدة خلوكي تختفي؟ مش معقولة يعني."

رفعت بدور رأسها، وردّت بنبرة هادئة لكن حادة:

"مش قصة كلمتين يا سلمي...

أنا متعودتش حد يزعقلي قدام الناس...

وخصوصًا هو...

دي أول مرة تحصل."

ضحكت سلمى بخفة، لكن عينيها لم تخلُ من دهاء، وقالت وهي تلقي كلمتها كحجر في بركة:

"طيب...

مسألتيش نفسك ليه عمل كده؟"

نظرت إليها بدور في حيرة:

"قصدك إيه؟"

اقتربت سلمى قليلًا وقالت بنبرة تجمع بين المزاح والجد:

"يعني...

يمكن العمدة كان غيران عليكي."

انتفضت بدور واقفة، كأن شيئًا لدغها، وقالت بانفعال:

"إنتي بتقولي إيه يا سلمي؟! غيرة إيه؟!"

تدخّلت ليلى على الفور، تحاول تهدئة الموقف:

"روقي يا بدور...

واقعدي ....

سلمي هزارها بيبقى تقيل أوقات."

لكن سلمى تابعت، وقد خفت المزاح من صوتها وعلَت الجدية:

"لا والله...

أنا مش بهزر. طريقته يومها ما كانتش طريقة واحد متضايق علشان بنت عمته هتركب خيل...

كانت نظرة واحد غيران."

رفعت بدور يدها، تقاطعها بعصبية:

"سلمي، بلاش الكلام ده

أنا بالنسباله أخت ضحي الصغيرة. وبنت عمته وهو ابن خالي وجوز اختي الله يرحمها.. وخلاص مفيش أكتر من كده."

ضحكت سلمى وهزت كتفيها بتحدٍّ:

"طيب...

الأيام بينا."

نظرت إليها ليلى بنظرة حذرة:

"خلاص يا سلمي كفاية بقى."

سادت لحظة صمت، ثم تنهدت بدور، وقالت وهي تنهض:

"أنا اتأخرت...

لازم أمشي."

وغادرت الحديقة بخطى ثابتة، لكن داخلها...

كان كل شيء يرتجف.

وبعد لحظات من مغادرة بدور، التفتت ليلى إلى سلمي وقالت بعتاب: ايه الكلام اللي قلتيه لها ده؟!!

ردت سلمي بثقة :يابنتي اللي بقوله الحقيقة أنا ليا نظرة وبكره هتشوفي

ردت ليلي ساخرة :لكي نظرة طيب ياختي..المهم بلاش تقولي الكلام ده تاني لها واقفلي القصة دي ويلا أنا كمان لازم أمشي...

هقول للعمدة إننا محتاجين نجهّز للسفر الأيام الجاية."

نظرت إليها سلمى بدهشة:

"خلاص؟ قررتي؟"

أومأت ليلى:

"أيوه...

لازم أرجع أشوف شغلي اللي سايباه بقاله أكتر من شهر ونص، وأجدد الإجازة. وكمان لازم نقرر هنتصرف إزاي في موضوع عيادة بابا والبيت."

🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸

في المضيفة، طرقت ليلى الباب طرقًا خفيفًا، فأذن لها عامر بالدخول. استقبلها بابتسامة هادئة:

"أهلًا يا دكتورة، اتفضلي."

رفع خالد عينيه عن الأوراق التي أمامه، وقال دون أن يرفع رأسه تمامًا:

"وعليكم السلام."

اقتربت ليلى وقالت بنبرة جادة:

"فاضي شوية يا عمدة؟ كنت عايزة أتكلم معاك في حاجة."

عامر: طَبعًا، اتْفَضَّلي اِجْعِدي."

اعتدل خالد في جلسته، ورفع عينيه إليها منتبهًا، بينما قالت ليلى بهدوء:

"أنا وسلمي ناوين نسافر دبي الأيام الجاية."

نظر لها عامر باستفهام، بينما ارتسمت دهشة خفيفة على وجه خالد. قال عامر:

هو إنتي كمان زعلانه من يوم حكاية الخيل...

ورايده تِمْشي؟"

سأل خالد، وقد زاد فضوله:

"أيه قصة الخيل؟ في إيه؟"

رد عامر بنبرة ساخرة تخفي وراءها غصة:

"مافيش...

بس شكلنا بجينا ما نعرفش نتعامل مع حريم صقر...

بيزعلوا ويعندوا"

ابتسمت ليلى بخفة وقالت:

"أنا لا زعلت ولا بعند، يا عمدة.

بس السفر ضروري. عندي شغل لازم أرتّب له واجدد اجزاتي طلما هنقعد هنا فترة، وفي قرارات لازم ناخدها بخصوص عيادة بابا والبيت هناك."

أومأ عامر بتفهّم:

إذا كانت الدُنيا كِدَه، يبجى لازِم تِرُوحوا تِشوفوا اموركم."

ثم التفت نحو خالد وأضاف:

وخالد اخر الأسبوع عنده سفرية هو كمان لدبَيّ وأَبُوظَبي،يبجي فرصة كويسة سافروا معاه واهو

بيجي مَوجود لو احتَجتُوا حاجه."

أجابت ليلى بلطف:

"لا والله يا عمدة، مفيش داعي نشغّل البشمهندس معانا، إحنا هنتصرف."

لكن خالد، دون أن يحوّل نظره عنها، قال بنبرة ثابتة لا تحتمل نقاشًا:

"جهزوا نفسكم يا دكتورة...

وأنا هرتّب كل حاجة."

أسرعت ليلى بالرد:

"بجد، مفيش داعي تتعب نفسك."

تدخل عامر قائلاً بحسم:

"مفيش تعب يا دكتورة، الأحسن يكون معاكم حد من العيلة الفترة دي."

اكتفت ليلى بإيماءة خفيفة، ثم استأذنت وغادرت الغرفة بصمت هادئ.

**

بعد دقائق، التفت خالد إلى عامر، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة:

"إيه حكاية الخيل وزعل حريم صقر؟"

ابتسم عامر ابتسامة خافتة، وحكى له ما حدث.

ضحك خالد وقال ممازحًا:

"لا، معاك حق...

زعلهم صعب، بس إنتَ مضايق أوي كده ليه؟ علشان بدور كانت عايزة تركب خيل؟"

رد عامر، والنار بتشتعل في كلامه:

"وِحْنا مِن ميتى حَريم العيلة تِرْكَب خِيل؟! دي حاجة ما حصلِتش!"

ابتسم خالد، ونظر له نظرة فيها مزيج من التفهم والخبث، وقال بهدوء:

"آه،.....

معاك حق...

."

ثم ضحك وأضاف بسخرية خفيفة:

"خلي بالك بقى، واضح إننا قدّام تحالف حريم ناويين يركبوا خيل...

وإحنا بصراحة؟ مش قدّ العناد ده يا عمدة"

ضحك عامر:

"هو ده اللي ناجص كمان

نِعْمِل لهم اسطبل حريمي مخصوص؟!"


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 0 مشاهدة · 1602 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026