8 - الفصل 8: الفصل الثالث (البارت الثاني)

مرّت أيّام ثقيلة لم تطأ فيها قدَم بدور بيت خالها. كانت تكتفي باتصالٍ مقتضب تطمئن فيه على فارس وفرح، بينما يضجّ قلبها بالشوق، ويختنق صدرها بما لم تستطع البوح به. كلمات بلال كانت كافية لتثقل خطاها، وتعيدها خطوات إلى الوراء.

وفي أحد الصباحات، لم تُقاوِم نداء قلبها، فمدّت يدها وطرقت الباب. وما إن دخلت، حتى اندفع الصغيران نحوها، وارتميا في حضنها كأنها كانت غائبة عنهما دهر ،جلست على الأرض تحتضنهما وتلاعبهما، وانطلقت من شفتيها ضحكة دافئة، نقية..

وفجأة، انفتح باب الغرفة بهدوء، سبقته نحنحة تستأذن الدخول.ركضت فرح بابتسامة عريضة وهي تصرخ:

"بابا جه"

دخل عامر، حملها بين ذراعيه، قبّل جبينها بحنوّ، ثم رفع عينيه...

ليجد بدور واقفة، ويده ما زالت تحتضن الصغيرة، لكن عينيه تعلقتا بوجهٍ بدا له مختلفًا.

خفضت بدور بصرها، وشعرت بحرارة وجهها تتصاعد. أما هو، فكأنه اضطر ليكسر ذلك الصمت قال بصوتٍ خافت:

"إزيك يا بدور؟"

أجابته بهمسة مرتبكة:

"الحمد لله...

يا عمدة."

خطا بخطوة هادئة، صوته يهمس بعتب لطيف:

"بقَالْنا كام يوم ما شُفْنَكيش...

خِير؟"

ردت بتوترٍ ظاهر:

"كنت مشغولة شوية."

صمت عامر، وتاه لحظةً في نظراتها التي تحاول الابتعاد، ووجهها الذي لا يُخفي ارتباكه. راودته شكوك، فاستجمع صوته وسأل بنبرة قلقة:

"أنا جُلت يمكن زِهِئتي مِنّنا...

ولا العيال ضايقوكي في حاجه."

رفعت عينيها بسرعة وقالت باندفاع:

"لا طبعًا...

عمري ما أزهق منكم."

ثم استدركت بخجل مربك:

"أقصد...

من فارس وفرح، دول زي ولادي."

نظر إليها عامر، ونظرته طالت أكثر من المعتاد.في تلك النظرة، لمح ملامح لم ينتبه إليها من قبل...

أو ربما تعمّد أن لا ينتبه. ملامح شابة نضجت بهدوء، دون أن تستأذن، ووقفت أمامه اليوم تشعّ بحياء غريب، وفتنة لا صوت لها.شعرت بدور بنظراته تخترق صمتها، أربكتها حدّ الرجفة، فهربت بعينيها إلى الأرض، كأنها تستتر من شعور غامض تسلل إليها دون استئذان.

وفجأة، تردّد في أذنه صوت أمه، ذلك الصوت الذي سكن أعماقه دون أن ينتبه:

"بدور كبرت...

بقت صبية وزينة."

تنحنح فجأة، كأن شروده فضحه، وقال:

"طيب...

اسيبكم أنا، عن إِذنكُم."

وغادر الغرفة سريعًا، كأن عينيها باتت مرآة لما لا يريد أن يراه. وفي طريقه إلى غرفته، مرر يده فوق جبينه وتمتم ساخرًا من نفسه:

"وأنا اللي بَجُول عليها عِيلَه صُغَيَّرَه...

عِيلَه إيه يا عامر؟ كإنَّك أَعْمَى ما بِتشُوفْش!"

أما بدور، فظلت واقفة في مكانها، كأنّها لا تعرف ما تفعل بكل هذا الذي اجتاحها في ثوانٍ. شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها. يدها ارتفعت إلى صدرها حيث قلبها ينبض بفوضى لم تعهدها من قبل.

عامر...

زوج أختها، الرجل الذي كانت تراه دومًا أكبر من أن تنظر له كـ "رجل". كان دومًا السند،. كانت تظن أنه لا يراها إلا طفلة...

أخت "ضحي" الصغيرة. فكيف له أن ينظر إليها اليوم بذلك الشكل؟ وكيف لها أن ترتبك هكذا في حضرته؟

جلست على طرف السرير، يتنازعها الخجل والذنب، تلك الرجفة التي اجتاحت جسدها حين وقعت عيناه في عينيها، لا تجد لها تفسيرًا سوى أنها...

"أنثى" للمرة الأولى أمامه.

همست لنفسها بنبرة مرتعشة:

"حرام يا بدور...

ده جوز أختك!"

لكن قلبها لم يُنكر، ولم يُجب...

فقط انسحب بصمت...

واختبأ خلف دمعة، خلف خجل، خلف سؤالٍ ظل معلقًا في صدرها:

"هل رأى فيها امرأة؟

أم أنها هي...

من بدأت ترى فيه الرجل الذي يُربك نبضها دون أن يتكلم؟"

🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸

في أحد الليالي الحارقة اجتمع بلال وسيف في تلك الفيلا المنعزلة على أطراف القرية، حيث يقضي بعض شباب العائلة سهراتهم بعيدًا عن الأعين. عبق المكان برائحة الشيشة والسجائر..

جلس بلال متوترًا، يراقب سيف وهو يغرق في سحب دخان سجائره، مستندًا إلى الأريكة باسترخاء مُصطنع. لم يطق صمته أكثر، فالتفت إليه وقال بنبرة حادة:

"مش هتبطل الزفت اللي بتشربه ده؟"

رد سيف، وعيناه نصف مغمضتين، وصوته أقرب للغيبوبة:

"وأبطله ليه؟"

زفر بلال بضيق، وقال:

"عاجبك نَفسَك كِدَه؟ طول الوَقت غايِب؟

مش شايف حالَك بَقى عامِل إزّاي؟!"

ضحك سيف بسخرية وهو يسحب نفسًا طويلًا من سيجارته:

"غايب ولا حاضر...

إيه الفرق يعني؟"

قال بلال بجديّة:

"لا، هتفرق...

و هتفرق كتير."

رفع سيف حاجبه بازدراء:

"في إيه بقى؟"

رد بلال بنبرة صريحة:

"انت مش شايف إن السجادة بتتسحب من تحت رجليك؟"

قهقه سيف باستهزاء:

"سجادة .. هي فين ؟ مش شايف حاجة"

اقترب منه بلال قليلًا، وقال بعصبية مكبوتة:

"سيف، فوق...

إحنا كُنّا مُتّفْقِين نِبدَأ شُغل مع مُوَرّدين جداد، بس اللِّي إنت عَمَلتُه؟

وخناقتك مع القدام، طَفَّشت الجُداد، وخَلّيت وِلاد عمّك يِبعِدوك عن الشَّركَه كمان "

رد سيف بنبرة متحدية:

"محدش يقدر يبعدني، الشركة دي ليّا فيها زيهم."

ضحك بلال بسخرية:

"بأُمّاره إيه؟!

نُصّ الوقت ما بتروحش، ولو رُحت، بتعمل مشاكل!

بُص حواليك كويس...

العمدة ماسك كل الأراضي والمزارع والمخازن هنا، وياسين إيده اليمين في كل حاجة، فوق كده ماسك إدارة شركة الاستيراد كمان.

وطارق بيدير شركة هنا وشركة المقاولات في القاهرة.

أمّا البوص بتاعهم كلهم...

خالد! ده زي التعلب، كل حاجة تحت إيده، وكلهم رافعين له راية الولاء، علشان هو اللي كَبّر فروع الشركات في مصر وبرّه.

إنما أنا وانت؟ خيال مآتة!

على الأقل أنا ماعنديش ورث زيهم...

إنما إنت؟

بتضيع فلوسك ومش عارف لا تكبّر مالك زيهم ولا تتعلم منهم.

يعني من الآخر...

صفر عالشمال!"

انتفض سيف غاضبًا:"أنا مش صفر.. ولا عمري هكون "

قال بلال بمرارة:

" ياسيدي أنا اللي صِفْر! أُمِّي كان ليها فَتافيت في الورث وحتتين ارض، رَاحِت باعْتها لاخواتها مَقابِل قِرشِين وابويا ضيعهم

وحتى مِرَاتي...

مالهاش كِلْمَه أرضها تَحت إيدِهِم..

نظر له سيف باستغراب:

"ايه الجديد و مالك مولّع كده فجاة؟"

رد بلال بعصبية :

"مُولِّع؟! عَشان لازم نِصْحَى، ونِعْمِل لِنَا شُغل لِوَحدِنا، زي ما قلتلك قَبْل كِدَه...

ونِفُكّ نَفْسِنَا مِن التَّبَعِيَّه دي"

قال سيف: "بس همّا فتحوا شغلهم من مالهم، مش من مال العيلة."

بلال هز رأسه ببطء وقال:

"ومِين قال؟! كُلُّهُم بَدُوا من مال العِيلَه...

وإنت واقِف تتْفَرَّج!

قاطعه سيف ساخراً: "طيب وبعدين؟ إيه المطلوب؟"

رد بلال بجدية:

"المطلوب إنك تفوق وتتحرك. وتركّز في أهم كنز ممكن تكسبه: بنت عمك، ليلي. دي فرصة متتفوتش. لو أطول أنا اتجوزها، مكنتش هتردد لحظة."

ابتسم سيف بسخرية وقال:

تتجوز على مني؟ ده العمدة وأخواته يعلّقوك من رقبتك."

رد بلال بتحدٍ:

"مين فيهم يقدر؟"

ضحك سيف ضحكة قصيرة ساخرة، ثم نفث سحابة كثيفة من الدخان، كمن يهرب من فكرة تثقل صدره، ونهض ببطء وهو يقول بنبرة تحمل ما بين الاستهتار والاستسلام: "خليها على الله يا بلال...

"

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

في صباحٍ دافئ، كانت الشمس تنسلّ كخيط من ذهب بين أغصان الأشجار، تلامس أوراق الحديقة برفق، كأنها تُحييها همسًا وتوقظ الهدوء من سباته.ركض فارس نحو ياسين بلهفة الطفولة:

"عمي ياسين، مش قلتلي إن ورد ولدت وجابت أدهم ..وقلت هتورّيهولي؟

ضحك ياسين وربت على كتفه بحنان:

"طبعًا يا بطل، يلا بينا تشوفه."

سألت سلمى وهي تتابع الموقف بابتسامة:

"مين ورد؟"

أجابت بدور بابتسامة دافئة:

"دي فرسه...

ولدت من يومين، جابت مهر صغير سموه أدهم."

تهلّلت ملامح ليلى:

"الله...

جميل اوي."

أردفت سلمي بحماس:

"ليلى بتحب الخيل جدًا. في دبي كانت بتروح مزارع الخيول، وتركب هناك مع بابا وصحباتها."

دخل طارق على الخط، وقد سمع الحديث:

"ما شاء الله...

عندنا خيّالة في العيلة بقى"

أجابت ليلى بخجل:

"لا مش للدرجة دي يا طارق...

"

لكن سلمي قاطعتها، مداعبة:

"لا، للدرجة دي...

دي شاطرة أوي.في ركوب الخيل"

نظر طارق إلى سلمي بغمزة وقال ممازحًا:

"وإنتي شاطرة في إيه غير الشعلَقة على الشجر؟"

احمر وجه سلمي، وقالت مرتبكة:

"مش هتبطّل؟!"

خفض طارق صوته وقال بلطف:

"لا."

جاء صوت ياسين من بعيد:

"يلا يا فارس، تشوف أدهم. واللي عاوز ييجي يدفعلي تذكرة"

ضحكت بدور:

"يا سلام...

بقت الفرجة على الخيل بتذاكر يا ياسين؟!"

رد ياسين بمزاح:

"طبعًا، أومال ببلاش يعني؟!"

نظرت سلمي لطارق وقالت بخجل:

"هو ينفع نروح نتفرج؟"

أجاب طارق وهو يغمز:

"طبعًا...

بس تدفعوا كم؟"

ضحكت سلمى وركضت خلف ياسين وهي تقول:

"ولا حاجة "

بالقرب من أسطبل الخيول، كان ياسين يضحك وهو يرفع فارس الصغير على ظهر جوادٍ بنيّ، بينما تشبّثت" فرح" بيد بدورالتي كانت بدورها تحدّق في الخيول بعيون مندهشة وشفاهٍ نصف مفتوحة بدهشة الطفولة.

وقفت ليلى إلى جوارهم، صامتة. عيناها تتابعان حركة الخيول بانجذاب، وملامحها تحمل خليطًا من الإعجاب والحنين.

اقتربت سلمى منها بخفة، وهمست بابتسامة مشاكسة:

"مش تروحي يا ليلى تجربي تركبي؟"

أجابت بتردد:

"مش عارفه لسه متعودتش عليهم."

بدت بدور أكثر حماسة، وعيناها تبرقان بحلم قديم:

"نفسي أتعلم أركب...

بحبهم أوي، بس عمري ما جرّبت."

اقترب ياسين بخفة، ضاحكًا:

"ياستي نديك كورس هي قصة يعني؟"

بادرت بدور بابتسامة فيها تحدٍّ واضح:

"أنا جاهزة "

لكن الصوت الذي اخترق اللحظة كان كالسوط:

"جاهزة لإيه؟!

اتْجَنِنْتي؟!...

من إمتى الحَريِم عندنا يركبوا خيل؟!"

تجمّدت بدور في مكانها، والتفتت بذهول، وقلبها يخفق كمن ضُبط متلبسًا بحلمٍ ممنوع. كان عامر واقفًا، وجهه متجهم وصوته غليظ يحمل شيئًا من القسوة والرفض.

حاولت ليلى التدخل، بنبرة هادئة لكنها حادة:

"وماله الخيل يا عمدة؟ هو ركوب الخيل بقى فيه رجالة وستات؟"

أجاب عامر بصوت متحشرج:

"ما تآخُذينيش يا دِكتوره...

هِنَا عَوادِينَا غِير اللي كنتُوا عايشِينها بَرّه."

توترت ليلى وقالت:

"عوايدكم؟!"

قاطعه طارق بلطف:

"اهدى يا عمدة...

الموضوع بسيط، مش مستاهل."

تردد عامر للحظة، ثم قال وهو يشيح بوجهه:

" دي عوايدنا والكل عارفاها وما تآخُذونيش" ثم انصرف مسرعًا.

في الجهة الأخرى، كانت بدور تفرّ من الأسطبل وشيء ثقيل في صدرها. خطواتها متوترة، تخفي دمعة تتوه في عينيها ولا تجرؤ على السقوط.

مرّت لحظة صمت، قطعتها سلمى متسائلة بقلق:

"هو في إيه؟ ليه زعق كده لبدور؟ هو ركوب الخيل بقى عيب؟"

أجاب طارق:

"مش عارف بصراحة...

هو مش من عادته يتعصب كده. بس فعلاً هنا الناس عندها شوية تحفظ على الموضوع ده."

ردّت ليلى بحدةٍ لم تُخفِ استياءها:

"يعني لو عاوزة أركب خيل...

ممنوع هنا؟"

طارق بهدوء:

"مش ممنوع...

بس هتكون فيها كلام، ويفضل بعيد عن عيون الناس."

تبدلت ملامح ليلى، وكأنها تنسحب داخليًا. ابتلعت كلماتها، ثم قالت بجفاف:

"تمام...

أنا راجعة البيت."

وغادرت بخطى ثابتة، لكن في داخلها كانت العاصفة تزمجر.

وفي طريق عودتها، كانت خطواتها سريعة، تحمل أثر الانفعال الذي لم تهدأ نيرانه بعد. عند مدخل الحديقة، صادفها خالد، يقف مستندًا إلى أحد الأعمدة الحجرية، وعيناه تلتقطان ارتباكها دون عناء.

قال بنبرة مائلة للدهشة، وهو يرمقها:

"خير؟ في حاجة؟"

ردّت بسرعة، بصوت مشدود تخنقه العاطفة:

"مفيش."

ابتسم بخفة، وفي عينيه لمعة سخرية:

"طب الناس بتسلّم يعني...

"

رمقته بنظرة حادّة، تنطق بكل ما لم يُقال، وقالت بتهكّم:

"على أساس إنك دايمًا بتسلّم وانت داخل وخارج!"

قال بنبرة هادئة تخالطها لمسة استنكار خفي:

"انتي مش ملاحظة يا دكتورة...

كل ما حد يضايقك، تنفجري فيا أنا؟"

توقفت لحظة، وحدّقت فيه بعصبية مكتومة، ثم ردّت بحدة لا تخلو من ارتجاف:

"يبقى ماتظهرش قدامي يا بشمهندس في اللحظات دي!"

ثم استدارت بسرعة وانصرفت، يعلو وقع خطواتها على أرض الحديقة كأنه صدى لما يشتعل بداخلها.

أما هو، فظل واقفًا في مكانه، يرسم على شفتيه ابتسامة ساخرة هادئة، تحمل مزيجًا من الغموض والدهشة، وكأنه يراقب بركانًا يثور أمامه، لا يخيفه بقدر ما يثير فضوله.


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 0 مشاهدة · 1712 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026