هناك شيء ما يتسلّل بهدوء...
خوفٌ لا يُعلن عن نفسه، وقلقٌ ناعم يلامس القلب دون ضجيج، كأنّه يتفقّد المكان قبل أن يعلن سطوته.
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
هناك لحظات لا يأتي فيها الخوف صارخًا، بل يتسلّل بخفة...
كظلٍّ لا نراه، لكنه يُقلقنا.
يبدأ القلق صغيرًا، كنبضة غير مألوفة، كرجفة في القلب لا نجد لها تفسيرًا.
وفي غفلة من العقل، تولد مشاعر أولى، خجولة، مرتبكة، تختبئ خلف نظرة عابرة أو كلمة عادية، لكن وقعها...
لا يُنسى.
هكذا يبدأ كل شيء...
بخوفٍ لا يُعلن عن نفسه، وبإحساسٍ لا نجرؤ على تسميته، وبقلبٍ بدأ يشعر...
قبل أن يدرك ماذا يعني الشعور.
عادت بدور إلى البيت بعد ليلة طويلة بجوار فارس، وما إن خطت خطواتها الأولى حتى استوقفها صوت بلال وقد علا نبرته:
"كنتي بايتة في بيت خالك؟"
ترددت قليلًا، ثم ردّت بتوتر:
"أيوه...
فارس كان تعبان، ومرات عمي قالت لماما إني أبات علشان أبقى جنبه."
قطّب حاجبيه وقال بعصبية واضحة:
"الكلام دا ما يِنفَعْش، وأنا نَبَّهْت قَبْل كِدَه، طُول النهار هناك، وكمان مَبيت؟!"
رفعت بدور عينيها إليه، تحاول أن تتماسك:
"غصب عني يا بلال...
الولد كان سخن، ومقدرتش أسيبه غير لما بقي كويس."
لوّح بيده غاضبًا:
حتى لو...
مِش كِدَه برضُه.....
الناس تِقول إيه؟!"
تدخّلت غالية من داخل البيت بصوت حاسم:
"ناس إيه يا بلال؟! البِتّ عَمَلِت إيه غَلَط؟ دي كانت ف بيت خالها، وبِتِراعِي وَلَد أُختَك الله يرحمها ...
يعني بالعَجَل كِدَه نِلُومها ليه؟!"
هتف بلال بعناد:
"يا حَاجَّه...
البيت دا كُلُّه رِجّاله، وبَدور ما هِيّاش صغيره. ....
دي بقالها سِنين، نُصّ عُمرها هناك، وكُنّا بنعدّيها...
بس دلوقتي في عِرسان بييجوا، يعني المفروض نِراعي الكلام.أنا ما جُلتش ما تِراعِيش عيال ضُحي الله يِرحمها...
بس مش كِدَه! مش طول النهار هناك"
دخلت مني على الخط، تحاول تهدئة الوضع:
"ماهو إنت عارف إخواتي كويس، وبدور بالنسبة لهم أختهم الصغيرة...
وبعدين، خالد وطارق في القاهرة طول الأسبوع، وياسين وعامر أغلب اليوم برة...
يعني مفيش حاجة تستدعي الغضب ده."
لكنه قاطعها بنفاد صبر:
"أنا ماليش دعوة بإخواتك ولا أخلاقهم ، أنا بتكلم عن أختي، الناس بتتكلم حوالينا، وكل شوية تقعد هناك، كأن بيتها هناك مش هنا "
قالت مني في محاولة أخيرة لقطع الجدال:
"طب ماهو بنات عمي عاصم، ليلى وسلمى، قاعدين هناك برضه؟"
رمقها بلال بنظرة مشتعلة:
"إنتي مُصَمِّمَه تِعَصّبيني؟! جُلتلك مَليش دَعوه بحد..بَنات عَمّي عاصم دول اِتْرَبُّوا بَرَّه، تَربِيِتهم غِير تَربِيِتنا."
رفعت بدور صوتها أخيرًا، ودموع الكبت تلمع في عينيها:
"وانا عملت إيه؟ إيه الغلط اللي عملته؟!"
قال بعصبية قاطعة:
" اللي قلته يتسمع من هنا ورايح...
رجلك تخف من هناك، ومبيت ممنوووع"
سكتت بدور، وأطرقت برأسها، لكن في أعماقها كانت العاصفة تهدر...
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
في المضيفة، كان عامر يجلس برفقة طارق وياسين، يتبادلون أحاديث العمل المعتادة.
قال عامر وهو يرفع نظره نحو طارق:
"إيه أخبار شحنة الفاكهة يا طارق؟"
أجابه طارق وهو يعدّ رشفة من قهوته:
"كل حاجة جهزت يا عمدة، فاضل بس نكمّل أوراقها، وعلى آخر الأسبوع لما خالد يرجع من القاهرة، هنرتب مين يطلع دبي يخلّص إجراءات الشحنة اللي هناك، وبنفس الوقت نمضي عقد استلام المكن الجديد."
هزّ عامر رأسه:
"على خير إن شاء الله."
ثم نظر إلى ياسين:
"وياسين، ياريت تشوف تراخيص المجمع الخيري وصلت لفين."
رد ياسين بثقة:
"إن شاء الله خلال يومين يكونوا جاهزين يا عمدة."
قاطعه عامر بنبرة جادة:
"شد حيلك شوية، أخوك خالد عاوز يدخل في تجهيزات المكان، وكلم المقاول والعمال...
ولو ناقصك حاجة خلى سيف ابن عمك ينجز معاك."
رفع ياسين حاجبيه وقال باستياء:
"أبوس إيدك يا عمدة، أبعدني عن سيف...
أنا هخلص كل حاجة بإيدي، بس هو لأ."
رد عامر بحزم:
ماهو مينفعش كل شوية نبعده من كل شغلانة
تدخل طارق بنبرة حاسمة:
" هو إحنا اللي بنبعده؟ ولا هو اللي بيبعد نفسه بفضايحه؟ ناسي لما عمل مشكلة مع الموردين؟ ولما راح مع خالد شركة المقاولات في القاهرة وسبب فضيحة بسبب تصرفاته الرخيصة مع الموظفات؟ لولا خالد لمّ الموضوع كان زمان اسمنا في التراب."
أشار عامر بيده، كأنه يريد إنهاء النقاش:
"كَفايه يا طارق، قَفِّل عَ السِّيره دي ، المُهِم تُحاوِلُوا تِخَلُّوه ف الصُّورَه، عَشان عَمّكُم ماهر ما يِتْضايَقْش."
قبل أن يرد أحدهم، قُطع الحديث صوت طرقات خفيفة على الباب.
"فيه إيه يا صابرين؟" سأل عامر.
أجابت الخادمة من خلف الباب:
"الغفير بسيوني بيقول فيه ست كبيرة ومعاها أفندي مستنين حضرتك في الجنينة."
استغرب عامر وقال:
"ست كبيرة وأفندي مين دول ؟!!
خرج الثلاثة إلى الحديقة، حيث كانت تقف سيدة خمسينية وقورة، بجوارها رجل يبدو في أوائل الثلاثينات. قالت السيدة بصوت هادئ:
"السلام عليكم يا عمدة. أنا الحاجة ناهد...
بنت خالة هدى، مرات الدكتور عاصم الله يرحمهم، وده ابني الدكتور وائل."
ابتسم عامر بترحاب، وتقدّم يصافح وائل:
"أهلاً وسهلاً، شرفتونا...
اتفضلوا البيت بيتكم."
ثم التفت لياسين:
"ياسين، نادي على الحاجة فاطمة وبنات عمك "
أومأ ياسين رأسه وانصرف.
قالت ناهد وهي تجلس:
"كنا في العمرة، أنا ووائل، ولسّه راجعين. أول ما عرفت بخبر وفاة الدكتور عاصم، قلت لازم أجي أعزّي وأطمن على بنات هدى، الله يرحمها."
أومأ عامر بأسى:
"منعزّكيش في حاجة وحشة يا حاجة...
وربنا يتقبّل عمرتكم."
لحظات، ودخلت الحاجة فاطمة ورحّبت بها بحرارة، ثم تبعتها ليلي وسلمى.
وما إن رأتا ناهد حتى اندفعتا نحوها، تحتضنانها.
ليلى بابتسامة:
"ازيك يا خالتو؟ وحشتينا جداً."
سلمى بفرح:
"أهلاً يا خالتو."
احتضنتهما ناهد بحنان، وهمست بعينين دامعتين:
"البقية في حياتكم يا بنات...
والله ما عرفت بخبر وفاة باباكم غير من يومين، ربنا يرحمه ويجعل مثواه الجنة."
قالت ليلى بهدوء، وهي تضغط على يد خالتها:
"حياتك الباقية يا خالتو."
ثم تقدّمت نحو وائل، ومدّت يدها مصافحة بابتسامة هادئة:
"إزيك يا دكتور وائل؟"
ابتسم وائل وقال بلطف:
"أهلاً وسهلاً، دكتورة ليلى.
ثم التفت إلى سلمى، صافحها بابتسامة ودودة:
"أهلاً يا سلمى...
البقية في حياتكم."
ردّت الفتاتان معًا بصوت واحد:
"حياتك الباقية."
قاطعتهم فاطمة وهي تبتسم لناهد بهدوء:
"منعزّكيش في حاجة وحشة يا حاجة، وأهلاً وسهلاً بيكم."
قالت ناهد باعتذار لطيف:
"سامحوني على الزيارة المفاجئة، ماكنش معايا رقم البنات، ومعرفتش أبلّغ حد قبل ما أجي."
ردّت فاطمة بسرعة، ونبرتها تحمل ودًا صادقًا:
"يا خبر! البيت بيتك يا حاجة، تيجي وتنوري في أي وقت."
قالت سلمى بهدوء:
"معلش يا خالتو، إحنا غيّرنا الأرقام بعد ما رجعنا مصر...
إن شاء الله أبعتهولِك."
ابتسمت ناهد:
"ياريت يا بنتي، علشان أطمن عليكم من وقت للتاني."
سأل وائل بنبرة هادئة وهو ينظر إلى سلمى:
"هترجعوا دبي إمتى يا سلمى؟"
همّت بالرد، لكن طارق تدخّل سريعًا، بنبرة واثقة:
"إن شاء الله قاعدين معانا فترة، وسط أهلهم."
رمقه وائل بنظرة مقتضبة، ثم قال بهدوء:
"كويس...
تغيير جو"
قالت ناهد وهي تربّت على يد سلمى:
"كويس يا بنتي، خليكم وسطنا شوية، لحد ما الحزن يهدى."
ردّت سلمى بهدوء وهي تبتسم:
"إن شاء الله يا خالتو."
ثم التفتت نحو وائل قائلة:
"لسه شغال في أبوظبي يا دكتور؟"
رد وائل بابتسامة بسيطة:
"آه، لسه زي ما أنا."
قالت ناهد وهي تهز رأسها بأسف خفيف:
"بقالي أكتر من سنة مرحتش أزوره هناك...
من آخر مرة كنت هناك وشُفتكم."
ثم تابعت بمرح:
"بس طالما إنكم هنا في مصر، يبقى إن شاء الله هشوفكم على طول."
قالت ليلى بلطف:
"إن شاء الله يا خالتو...
أكيد."
عندها رفع عامر صوته ممازحًا، وهو ينظر للجميع:
"إيه يا جماعة؟ الكلام خدنا ونسينا واجب ضيوفنا!"
ضحكت ناهد وقالت:
"متتعبوش نفسكم...
إحنا هنقعد شوية ونمشي."
فاطمة بسرعة، وكأنها ترفض الفكرة تمامًا:
"تمشوا فين؟! لا يمكن! تِرجعوا القاهرة كده على طول؟!"
قالت ناهد بابتسامة ممتنة:
"إحنا جينا نطمن على البنات وقمنا بالواجب...
والأيام جاية."
لكن فاطمة لم تسمح لها بإكمال الكلام، فالتفتت تنادي بصوت مرتفع:
"صابرين...
حضّري العشا بسرعة"
*****
انتهى العشاء، وتوجه الجميع إلى الجنينة، حيث النسيم العليل يمر بخفة بين الأشجار، والأضواء الهادئة تتراقص فوق أوراق الليمون. التفوا حول الطاولة الكبيرة، يحتسون الشاي ويتبادلون الأحاديث والذكريات، في أجواء دافئة رغم صمت الليل.جلست ليلى وسلمى قرب خالتهما ناهد، تتأملان ملامحها التي أعادت إليهما ذكرى الأم الغائبة، وكأنها ظل من رائحتها وحنانها.
كانت " ناهد " تمثل لهما أكثر من مجرد قريبة. كانت جسرًا من الذاكرة بين طفولتهما وأمهما الراحلة. وحين كانت تزور الإمارات، لم تكن تفوّت لقائهما، أما في طفولتهما بمصر، فقد قضت البنات لحظات لا تُنسى في بيتها.
قالت سلمى، وهي تحتضن يد ناهد:
"خالتو...
وهي إيمان عاملة إيه؟"
ردت ناهد بحنو: الحمدلله يابنتي كويسة وجابت جني مع يوسف كمان
ضحكت سلمى وقالت بإعجاب:
"ولله ما شاء الله...
ربنا يبارك فيهم يا رب."
ثم علّقت ليلى بابتسامة دافئة:
"ما شاء الله.. .يااه، إيمان وحشتنا قوي. بقالنا كتير ماشفناهاش."
ضحكت سلمى:
"أنا لسه فاكرة ماكنا بنزوركم واحنا صغيرين ولما كنا نلعب استغماية ، وكل مرة تستخبى في نفس المكان وتعيط لما نلاقيها"
ضحكت ناهد، وقالت بحنو:
"يااه لسه فاكرة يا سلمى؟! هي إيمان طول عمرها حساسة ودمعتها قريبة."
تدخل وائل مبتسمًا:
"فاكرة يا سلمى السباق اللي كنا بنعمله؟ مين يطلع الأول الشجرة اللي قدام بيتنا ؟"
ضحكت سلمى بحرارة:
"لسه فاكرة يا وائل...
ودايمًا كنتوا تسبقونا وتتريقوا علينا وتقولوا ا إن البنات أضعف"
لكن على الجانب الآخر، كان ياسين يهمس ساخرًا لطارق:
"بيتسابقوا ويتشعلقوا علي الشجر...
دي مش طفولة، دي جبلاية قرود."
زمّ طارق شفتيه وقال بعصبية مكتومة:
"اسكت، مش وقت الهزار ده." ..ثم التفت إلى وائل وقال بابتسامة مصطنعة:
"واضح إن ذاكرتك قوية جدًا يا دكتور...
فاكر الطفولة كأنها كانت إمبارح."
ابتسم وائل، وقال:
"في ذكريات...
ماتتنسيش."
دخل ياسين مجددًا بسخريته المعتادة:
"وياترى لسه بتتشقلب على الشجر يا دكتور؟ ولا بطّلت الحركات دي؟"
رمقه وائل بنظرة مقتضبة وقال بفتور:
"نعم؟"
تدخل عامر على الفور، وقد لمعت عيناه بحدة:
"ياسين...
جوم شوف القهوة اتأخرت ليه."
نهض ياسين على مضض، بينما بقي طارق في مكانه،يغلي من الداخل، يشاهد سلمى تبتسم دون تحفظ في حضور وائل. كيف؟ وهي التي كانت دومًا متحفظة معه؟ رغم كل محاولاته لكسر ذلك الحاجز الذي أحاطت به نفسها كلما اقترب منها. شيء ما في حضرة وائل جعلها تتصرف بعفوية نادرة...
وشيء في صدر طارق لم يعد يحتمل.
وفي لحظة اندفاع، دون أن يراجع نفسه أو يلتفت لوقع كلماته، نطق بها...
بصوت أقرب للتحدي، منه للفرح أو الإعلان:
"سلمي...
مش تفرّحي خالتك بالخبر الحلو؟"
ساد صمت مفاجئ. توقفت الأحاديث، وتوجهت الأنظار نحو سلمى، التي اتسعت عيناها بدهشة لا تستطيع إخفاءها. أما ناهد، فرفعت حاجبيها في تساؤل لطيف:
"خبر إيه يا بنتي؟"
تجمّدت سلمى في مكانها، نظرت إلى طارق بدهشة، وعينيها تحملان تساؤلاً حادًا.
تابع طارق، بنبرة ثابتة ظاهرها الثقة وباطنها الغضب:
"بما إن حضرتك موجودة يا حاجة ناهد، يبقى فرصة نبلّغك خبر أكيد هيفرحك...
أنا وسلمي اتخطبنا."
سقطت الكلمات كالصاعقة. اتسعت عينا سلمى، ونظرت إلى ليلى التي تجمدت ملامحها. بينما ارتسمت على وجه فاطمة ابتسامة خفيفة تُخفي الكثير.
قالت ناهد بفرحة صادقة:
"ألف مبروك يا بنتي...
خبر حلو...
وأكيد مش هتلاقي أحسن من ابن عمك سندك وظهرك."
قال طارق:
"ربنا يخلّيكي، وإن شاء الله نكون قدّ المسؤولية."
ثم التفت لوائل، وبنبرة ذات مغزى قال:
"مش هتبارك يا دكتور وائل؟"
رد وائل وهو يتنحنح:
"أكيد...
مبروك يا سلمى. ربنا يسعدكم
ألقى طارق كلمته كقنبلة وسط الحاضرين، بينما ظلت سلمى جامدة، لم تحرك ساكنًا، سوى نظراتها التي احمرّت غضبًا وارتبكت في آن. أما هو وببرود متعمّد، تجاهل كلّ ما في عينيها من عتاب، وترك خلف شفتيه ابتسامة ساخرة، توحي بانتصار أراد اقتناصه على حين غرّة.
ومع انصراف الضيوف وتوجه الجميع إلى غرفهم، بقيت هي وحدها في الحديقة،وما إن رأته يعبر البوابة عائدًا، حتى نهضت كأن شيئًا دفعها، وسارعت نحوه بخطوات حانقة. لمحها ياسين من بعيد فهمس لطارق ممازحًا:
"في قطر داخل علينا، أنا هستأذن بقى."
ضحك طارق بخفّة، وقال:
"وانت من أهله."
اقتربت سلمى منه، وصوتها يغلي بالانفعال:
"ممكن أعرف إيه اللي قلته من شوية؟"
رد ببرود وهو يتظاهر بالجهل:
"قلت إيه؟"
قالت بحدة:
"الكلام اللي قلته لخالتي ناهد"
قال ساخرًا:
"أنا قلت كلام كتير، فكريني أنهي جزء بالضبط تقصدي؟"
صاحت به وقد بلغ التوتر ذروته:
"ما تعصبنيش، إنت فاهم قصدي كويس"
نظر لها بهدوء وقال:
"اهدي."
أكملت وهي تحاول السيطرة على صوتها المرتجف:
"أنا هادية...
وعايزة أعرف، ليه قلت إننا مخطوبين؟"
قال وهو يرفع حاجبه:
"ما هي دي الحقيقة...
هو أنا كدبت؟"
حدّقت فيه بذهول:
"نعم؟ حقيقة؟!"
رد بثقة:
"أيوه."
قالت بحدة:
"إزاي؟ وأنا وافقت إمتى؟"
ضحك بخفة وقال:
"هتوافقي."
زمّت شفتيها بغضب:
"نعم؟ الثقة دي جاية منين؟ مين قال إنّي هوافق؟"
نظر لها بنظرة لها مغزى عميق وقال:
"قلبي."
ارتبكت، وحاولت أن تُعيد السيطرة على الموقف:
"لو سمحت...
احنا بنتكلم بجد دلوقتي."
قال بهدوء:
"وأنا مش بهزر."
قالت، وعيناها تلمعان بالدموع:
"ومين قال إني موافقة؟ الموضوع كله إنك طلبتني من بابا، ولسه ما حصلش موافقتي."
قال بثبات:
"وأنا قلت إنك هتوافقي."
صرخت:
"هو بالعافية؟"
قال بابتسامة جانبية:
"لا، بالرضا."
قالت بمرارة:
"وإنت شايف إن اللي حصل النهاردة برضايا؟ قدام كل الناس تقول إننا اتخطبنا؟"
بدأت دموعها تنزلق، ثم أردفت بصوت مبحوح:
"إيه الجواز ده اللي يبدأ من غير رأيي؟...
تطلبني من غير ما أعرف، بابا يوافق، ويكتب في وصيته، وتيجي النهاردة انت تعلن ان اتخطبنا!"
رأى طارق ارتباكها ودموعها، فاقترب منها بلين، وأمسك يدها برفق، وقال هامسًا:
" ممكن نهدي شوية؟"
سحبها نحو أقرب مقعد، جلس أمامها وقال بهدوء:
"بصي يا سلمى، مفيش حاجة هتتم غير برضاكي...
ومش بس كده، لازم تكوني فرحانة كمان."
نظرت له بنظرة ممتلئة بالسخرية:
"يا سلام! واللي حصل النهاردة؟ ده رضا برضه؟"
رد طارق:
"اللي حصل إني حطيت النقط على الحروف."
قالت بتوتر:
"نقط إيه؟ وحروف إيه؟"
أجاب:
"قصدي أقول للكل إن البنت دي تبعي."
احمرّ وجهها خجلًا، وهمست:
"إنت بتقول إيه؟ مش لسه بتقول كل حاجة برضايا؟"
قاطعها:
"بصراحة بقي ومن غير لف ودوران، من أيام أخر زيارات ليا ليكم في دبي، وأنا حاسس بإعجاب منك...
زيي بالظبط. ومن وقتها خدت قراري وطلبتك من عمي."
صدمت:
"إعجاب؟ لا، طبعًا...
مفيش الكلام ده!"
نظر لعينيها مباشرة:
"بجد؟"
توترت، أشاحت بوجهها وقالت بصوت خافت:
"أه...
بجد."
مد يده، وأدار وجهها بهدوء وقال:
"طب قوليها في وشي كده."
تلعثمت، ثم قالت:
"آه...
بجد."
ابتسم وقال:
"مش سامع."
نظرت له بعصبية، لكنه لم يتراجع...
ثم غمز بخفة وقال:
"أنا سيبتك شهر من يوم وفاة عمي...
دلوقتي وقتك خلص."
قالت بدهشة:
"وقت إيه اللي خلص؟"
نهض وقال:
"اقفلي الموضوع ده بقي ، أنا عايز أنام."
قالت بعصبية:
"رايح فين؟ احنا مخلصناش كلامنا"
قال وهو يدير ظهره:
"أنا خلصت."
ثم التفت فجأة وقال:
"بالمناسبة...
مش لايق عليكي الشعلقة على الشجر."
قالت بحدة:
"نعم؟!"
رد ببرود:
"أخونا وائل ده ممكن .. اهو آخره يتنطط على الشجر."
قالت بغضب:
"طارق.. بتقول إيه؟!"
ابتسم وقال
بقول :تصبّحي على خير."
غادروتركها خلفه بين نارين: غيظٍ يشتعل في صدرها من استفزازه، وكلماتٍ لم تستطع نفي وقعها على قلبها...
كلمات أربكتها، وأوقفتها بين مد وجزر.
خجلها من اعترافاته، وغضبها من جرأته، وتلك المشاعر التي لم تعرف لها اسمًا من قبل، كلها تلاحقت داخلها كعاصفة مربكة.
هل ما شعرت به ارتباك؟ أم انزعاج؟ أم شيء آخر...
أعمق، وأقرب للقلب منه للعقل؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟
✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:
👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور
🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━