11 - الفصل 11: الفصل الخامس(البارت الأول)

قلوبنا مغلقة بإحكام، خائفة من الخذلان

تخشى أن تمنح فتُكسر، فنمضي بحذر...

ونتحسس الخطى في دروب لا نجرؤ على العبور فيها..

🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸

وراء كل نظرة هاربة، شعور لا يُقال،

ووراء كل صمت، رغبة لم يحن أوانها بعد.

في بيت غالية، خيّم سكون دافئ لا يقطعه سوى صوت فناجين القهوة وهي تُرتّب على الطاولة. في تلك الصالة التي تفوح منها رائحة البن المحمّص، جلست منى بجسدٍ ساكن، وعينين شارحتين كأنهما غارقتان في مسافة بعيدة لا يراها سواها. كانت ملامحها الشاحبة تبوح بتعبٍ متراكم لا يحتاج إلى كلمات.

رمقتها بدور بقلقٍ صادق، ثم قالت:

مالِك يا منى؟ شكلك مش على بعضك خالص.

أجابت منى بعد تنهيدة عميقة، كأنها تُفرغ ثِقلًا من صدرها:

مفيش يا بدور...

الحال زي ما هو، لا بيتغير ولا بيتحسّن.

رفعت بدور حاجبيها قليلاً وهي تتأمل ملامحها المتعبة:

زعلانة من بلال تاني؟

هزّت منى رأسها بيأسٍ هادئ:

بطّلت أزعل من زمان...

عايشة علشان البنات وخلاص. أما أخوكي...

فخلاص، مبقاش يستاهل الزعل.

ساد صمت ثقيل لثوانٍ، ثم مالت بدور نحوها قائلة بنبرة حانية:

بس كده مش نافع...

ماينفعش تفضلي عايشة كده، حاولوا تتفاهموا؟

أجابت منى وهي تحدّق في فنجانها بعيونٍ مكسورة:

اتكلمنا كتير، وكل مرة بيقولي إني الغلط، وإن العيب فيا أنا...

تعبت من الكلام. سكت علشان ما أتهانش كل يوم.

ثم غيّرت مجرى الحديث سريعًا، كأنها تهرب من وجعها إلى وجعٍ آخر:

سيبك مني بقى...

قوليلي إنتِ، مالِك؟ فيكي حاجة مش مفهومة اليومين دول، حتى ماعدتيش بتروحي تشوفي الولاد زي قبل كده.

تجمّدت نظرات بدور، وازدردت ريقها بتوتر. عيناها هربتا نحو الأرض كأنها تبحث فيها عن مهربٍ من سؤالٍ يوقظ ما تحاول دفنه.

هل تُخبرها عن نظرات عامر الجافة؟ عن صمته الذي يوجع أكثر من الكلام؟

أم تسلك طريق منى، وتُخفي الألم خلف صمتٍ متقن؟

قبل أن تُجيب، فتح بلال الباب ودخل بخطواتٍ حازمة، ثم جلس بجوارها وقال بنبرة مباشرة لا تحتمل المراوغة:

عايز أكلمك كلمتين يا بدور.

رفعت رأسها بتوتر:

خير...

اتفضل يا خويا.

قال بجديّة:

إنتِ مبقتيش صغيرة، وخلصتي الجامعة. والخطّاب كل شوية بيجوا، وكل مرة بترفضي. المرة دي، العريس دكتور ضياء، ابن العمدة حامد رفاعي. عايزين يجوا يزورونا اليومين دول.

أجابت بهدوءٍ تحاول أن تخبئ ارتباكها خلفه:

مش مستعجلة على الجواز دلوقتي يا بلال.

ردّ بعصبيّة مكبوتة:

وليه مش مستعجلة؟ البنات اللي في سنّك عندهم ولاد في مدارس دلوقتي...

كفاية قعدة ودلع. أنا هظبط معاهم معاد ييجوا وخلاص.

نهض ومضى، تاركًا خلفه جدارًا من التوتر.

نظرت منى إلى بدور بحنانٍ مشوب بالقلق:

متزعليش من بلال، هو فعلاً قاسي ساعات...

بس المرة دي معاه حق. لحد امتى هترفضي يا بدور؟ يمكن المرة دي يكون نصيبك.

اكتفت بدور بهزّة رأس باهتة:

إن شاء الله.

رنّ هاتف منى، لمّا رأت اسم المتصل، انفرج وجهها قليلًا:

ده عامر.

ردّت عليه بصوتٍ دافئ:

أيوه يا خويا...

الحمد لله...

طبعًا، هاتهم، من عيوني.

ثم التفتت إلى بدور بعد أن أغلقت الخط:

بيقول هيعدّي الولاد عليّا، مسافر القاهرة يومين، والحاجة مش قادرة عليهم.

****

لم يمض وقتٌ طويل حتى حضر عامر.

ما إن لمحته عمته غالية حتى هبّت من مكانها بوجهٍ يشرق بالفرح:

أهلاً بيك يا وِلدي...

زمان ما شفناك.

ابتسم عامر ابتسامة مجاملة دافئة، وانحنى ليُقبّل يدها:

أهلاً يا عمّتي، حقك عليّا...

الشغل غالبني اليومين دول.

سلّم على الجميع وجلس لبعض الوقت، بينما في الخارج كانت ضحكات فارس وفرح تتعالى وهما يركضان في الحديقة مع مريم وملك، ضحكاتٌ صافية كأنها تحاول محو ثِقل ما يُقال وما يُخفى في الداخل.

وفي تلك الأثناء، فُتح باب الغرفة بهدوء، ودخلت بدور تحمل صينية الشاي. خطواتها بدت متزنة، لكن ارتباك عينيها فضح اضطرابًا خفيًا كانت تحاول أن تسيطر عليه. اقتربت في صمت، وضعت الصينية أمام عامر بحذر يشبه خشية لمس الجمر، ثم ألقت التحية بصوت خافت، دون أن تجرؤ على رفع عينيها نحوه:

أهلاً يا عمدة.

رفع عامر رأسه، وحدّق فيها للحظةٍ امتدّت كأنها تسترجع زمنًا بعيدًا. لم تكن نظرته مجرّد ردٍّ على التحية، بل محاولة لالتقاط ملامحٍ قديمةٍ تشوّشت قليلًا، لكنها ما زالت تسكن أعماقه. ثم قال بصوتٍ هادئٍ يحمل ما لا تقوله الكلمات:

أهلًا بدور...

تسلم إيدِك.

رمقتهم غالية بنظرةٍ تجمع بين الدهاء والمرح، ثم مالت بجسدها نحو بلال وقالت بنبرةٍ خبيثةٍ تخفي وراءها ما هو أكثر:

– مش هتحكي للعمدة عن العريس اللي جاي يطلب بدور؟ عامر كبير العيلة، وكلمته ليها وزن.

توقّف عامر عن احتساء الشاي، وحدّق في عمّته باستغراب، انعقد حاجباه وهو يسأل:

عريس إيه يا عمّتي؟

أجابه بلال بنبرةٍ هادئةٍ ظاهرًا، بينما عينيه تترقبان ردة فعله:

دكتور ضياء، ابن العمدة حامد...

متقدم للدور

يعني هم ناس محترمين وولاد ناس. ولا إيه رأيك يا عمدة؟

ابتسم عامر ابتسامةً متماسكة، لكن صوته جاء خافتًا، كأن شيئًا ما يخنق نبرته المعتادة:

–العمدة حامد راجل له مقامه، واهل بيته كله ناس محترمة.

لم تدع غالية الفرصة تمرّ، بل تابعت بإلحاحٍ لطيف:

– يعني تشجّعهم ييجوا؟

تردّد عامر لحظة، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ يحمل شيئًا من الحرج:

الرأي في الآخر يرجع لكم و لبدور...

مش أنا اللي أقرّر.

وبينما كان ينطق كلماته الأخيرة، التفت بعفويةٍ إلى بدور، فالتقت عيناه بوجهها المتورّد خجلًا وارتباكا، فنهضت بهدوءٍ وتمتمت بكلمة استئذان، وغادرت الغرفة على عجل.

ضحك بلال ضحكةً خفيفة، وقال ساخرًا:

–شكل العروسة خجلت.

ردّت غالية وهي ترمق عامر نظرةً تختبر عمق صمته:

–طالما شايفهم ناس طيبين يا ولدي ...

يبجي تعالى احضر يوم ما يجوا يطلبوها...

اهو انتي كبيرنا برضك

نهض عامر وهو يُعدّل من عباءته، وقال بنبرةٍ قصيرةٍ حاسمة:

–إن شاء الله يا عمّتي...

بالإذن انا بجي علشان متاخرش علي سفري.

ثم خرج إلى الحديقة باحثًا عن نسمة هواءٍ تزيل ثقل الأحاديث التي تركها خلفه. حينها لمح بدور واقفة قرب السور، تتابع نظراتها الأطفال وهم يركضون بضحكاتٍ بريئة. اقترب منها بخطى هادئة، ووقف بجانبها، وقال بصوتٍ خافتٍ محمّلٍ بما لا يُقال:

– مبروك...

ربنا يتمّم لك بخير.

استدارت نحوه بسرعة، وكأن كلماته باغتتها، ثم أشاحت بوجهها وقالت بترددٍ خافت:

– إن شاء الله.

ساد الصمت بينهما لحظة، قطعته همستها الخجولة:

– سمعت ماما بتقولك...

تعال احضر قعدة طلب يدي.

أجابه بهدوءٍ فيه عتابٌ دفين:

– ما أظنش.

رمقته بدهشةٍ صادقة:

– ليه؟

أدار وجهه بعيدًا، وصوته تسلّل محمّلًا بمرارةٍ خفيفة:

– عمّتي قالت كده من باب المحبّة والاحترام...

في نظرها لسه ليا كلمة، لأني كبير العيلة.

أما إنتِي...

مش جولتي "مليش كبير"؟ يبجى ليه أجي أحضر؟!!

ارتبكت ملامحها، وتذكرت تلك العبارة التي تفوّهت بها في لحظة غضب، لكنها الآن ارتدت عليها كصفعة. تمتمت بصوتٍ خافتٍ يكسوه الخجل:

– ماقصدتش...

حقك عليا.

ابتسم ابتسامةً ماكرةً خفيفة وقال:

– بتجولي إيه؟ مش سامع.

احمرّ وجهها، ورفعت صوتها قليلًا:

– بقول ماقصدتش...

حقك عليا.

أجابها بابتسامةٍ هادئةٍ هذه المرة:

– ولا يهمك. وإنتِ كمان...

حقك عليا. مقصدتش أحرجك يوم الخيل.

صمت للحظة، عيناه تتابعان الأطفال أمامه، قبل أن يُكمل بصوتٍ خفيض:

– لو تحبي...

يوم ما يجوا يطلبوكي، أجي. معنديش مانع.

تأملته بنظرةٍ طويلةٍ اختلط فيها التساؤل بالحسرة، ثم قالت بهدوءٍ:

– إنت شايف كده؟

ارتبك للحظة، وردّ متلعثمًا:

– مش فاهم جصدك.!!

هزّت رأسها سريعًا، وكأنها تراجعت عن البوح، ثم تمتمت وهي تتراجع بخطوتين:

– ولا حاجة...

ولا حاجة يا عمدة.

استدارت مسرعة نحو الباب، فاصطدمت بمنّى التي بادرتها بقلق:

– في إيه يا بدور؟

أجابت بدور بسرعة، تحاول أن تخفي اضطرابها خلف ابتسامةٍ باهتة:

– مفيش يا منى...

مفيش

تركته واقفًا في الحديقة، يحدّق في الفراغ، وأفكاره تتزاحم للمرة الأولى...

هل فاته شيء كان بين يديه؟ أم أن الوقت بدأ يطالبه بثمن صمته الطويل؟


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 0 مشاهدة · 1197 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026