في إحدى مزارع الخيل بدبي، كان النسيم الدافئ ينساب بين الأشجار برقةٍ تشبه لمسة حانية، يحمل معه عبق الأرض وصهيل الخيول القادمة من بعيد. في قلب ذلك المشهد الهادئ، وقفت ليلى على صهوة جوادها، شامخةً كأنها تسترد شيئًا من روحها التي غابت طويلًا. كانت خطوات الفرس على الممر الرملي أشبه بإيقاعٍ داخلي يعيد ترتيب فوضى أحزانها، بعد شهورٍ أثقلها الحزن والقلق على والدها الراحل.
على الجانب الآخر من الممر، كانت سلمى تسير إلى جوار طارق بين صفوف الأشجار المظللة. كانت تضحك أحيانًا بصفاءٍ لم يزُر ملامحها منذ زمن، ثم تغرق في شرودٍ هادئ، وكأنها تتحسس طريق العودة إلى نفسها شيئًا فشيئًا.
قال طارق وهو يرمقها بإعجابٍ خافت، نبرته دافئة تشوبها لمسة دهشة :
ـ بقالك كتير ما ضحكتيش كده.
هزّت سلمى كتفيها بخفةٍ، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ناعمة :
ـ يمكن...
كنت محتاجة أرجع أشم الهوا ده. أفتكر نفسي...
قبل كل اللي حصل.
لم تمضِ لحظات حتى لمح طارق من بعيد طيفًا مألوفًا يقترب بخطى هادئة وواثقة، فارتسمت على وجهه ابتسامة تلقائية ولوّح بيده مناديًا:
ـ إيه يا بوص...
وحشتنا
اقترب خالد، ملامحه الجادة تحمل شيئًا من الإرهاق، لكنه بدا كما يعرفه الجميع، ثابتًا في حضوره. صافح طارق بحرارة، وألقى تحية سريعة على سلمى التي ردّت بابتسامة خفيفة ..
ثم قال طارق ممازحًا وهو يربّت على كتفه:
ـ بقالي ساعة بتحايل عليك تيجي تتغدى معانا وتغير جو، في إيه؟
رد خالد بنبرة هادئة يغلب عليها التعب، وقد بدت في عينيه آثار سهرٍ طويل:
ـ معلش ياطروق...
سفريتي لأبوظبي كانت مرهقة، وكنت محتاج أريح دماغي شوية.
ابتسم طارق وهو يربّت على كتف خالد بخفة:
ــ طب تعال نتغدى وبعدين روح ارتاح...
شوية هوا مش هيضر.
تدخلت سلمى بابتسامة دافئة تشع حيوية:
ــ أنا هروح أنادي ليلى...
أكيد جعانة بعد اللفة الطويلة دي.
تحركت بخفة وغابت خلف الممر تاركة وراءها صمتًا هادئًا يلف المكان.
أما خالد، فظل واقفًا في مكانه، يضع يديه في جيبيه، وعيناه خلف نظارته السوداء تجولان في الأرجاء بتركيز صامت، وكأنهما تبحثان عن شيء مفقود...
وفجأة.....
توقفت النظرات.
هناك، في آخر الممر،وقعت عيناه عليها.
عند السياج، أوقفت الحصان بخفة، ترجّلت بخطوة واثقة، واقتربت منهما، وعيناها تتنقلان بينهما بابتسامة رائقة:
ـ مساء الخير.
قال طارق وهو يرفع حاجبيه مداعبًا:
ـ أظن كده ركبتي خيل يكفِّيكي سنة قدّام.
ضحكت ليلى بثقة، ومسحت على عنق الحصان بحركة دافئة:
ـ لسه يا طارق...
أنا لسه ببدأ.
في تلك اللحظة، ثبتت نظرات خالد عليها، وفي عينيه ومضة غريبة لم يألفها من قبل؛ شيء عميق تحرّك بداخله دون استئذان. وكعادته، احتمى بصمته، واكتفى بتمتمة خافتة بالكاد تُسمَع:
ـ واضح...
التفتت ليلى نحوه بسرعة، كأنها التقطت الهمسة من بين أنفاسه، لكنها لم تقل شيئًا...
فقط اكتفت بابتسامة خفيفة ومضت نحو الطاولة بخطوات هادئة.
أما هو، فظل واقفًا في مكانه للحظة، كأن قدميه تثقلان، وصوت داخلي يهمس له بما لم يعُد قادرًا على إنكاره.
***
على طاولة الطعام، اجتمع الأربعة. كان الجو مفعمًا بهدوء ناعم، وأحاديث متفرقة تتناثر بين الضحكات والتعليقات الخفيفة.
لكن سرعان ما قُطعت أجواؤهم بوصول فتاة أنيقة، ابتسامتها واسعة وصوتها يحمل حرارة اللقاء:
مساء الخير.. إزايكم؟
قفزت ليلى وسلمى من مقعديهما وهما تحتضنانها بحرارة:
قالت ليلى بفرحة:
لينا....
مش معقول!!
ردت لينا بعين تلمع بدمعة خفيفة:
ـ البقاء لله يا ليلى...
عمو عاصم كان عزيز علينا أوي، كلنا زعلنا عليه.
قالت سلمى بلطف وهي تضغط على يدها:
ـ حياتك الباقية يا لينا.
أضافت ليلى بهدوءٍ مستسلم:
ـ الحمد لله على كل حال.
ابتسمت لينا وهي تمسك بأيديهما كأنها تستعيد دفئًا افتقدته:
ـ وحشتوني والله...
دبي من غيركم وحشة.
ثم التفتت برقة نحو طارق وخالد، وحيّتهما بأدبٍ وابتسامة مهذبة:
ـ أهلاً وسهلاً...
آسفة لو قطعت غداكم.
ابتسم طارق بلطف وأشار إلى الكرسي:
ـ ولا يهمك، اتفضلي معانا
أما خالد، فاكتفى بإيماءة خفيفة من رأسه وابتسامة مقتضبة، تحمل ترحيبًا صامتًا..
ضحكت لينا وهي تلوّح بيدها نافية:
ـ لا لا، إحنا خلصنا قبلكم...
بس حبيت أسلّم.
ثم نظرت إلى ليلى وقالت بحماسة:
على فكرة، دكتور هشام هنا، فرصة تقابليه. وكمان في كذا حد هنا من زمايلك.
ابتسمت ليلى ببساطة:
"كويس...
إن شاء الله أقعد معاكو بعد الغدا."
لينا:
"طب خلاص، خلّصوا وأستنّاكم ناخد القهوة سوي."
ابتعدت لينا، وجلست ليلى تكمل طعامها بهدوء. وبعد دقائق، وضعت المنديل على الطاولة وقالت:
"أنا هستأذن...
هروح أقعد شوية مع زمايلي."
طارق بإيماءة خفيفة:
"اتفضلي يا ليلى."
وقالت سلمى بدفء:
"طبعًا حبيبتي...
روحي، أنا كمان هاجي معاكي أسلّم عليهم."
تحركتا مبتعدتين، بينما ظل خالد جالسًا في مكانه، يرتشف الماء ببطء. عيناه معلقتان في الأفق...
لكنها في الحقيقة، كانت معلقة هناك...
على ليلى.
قطع شروده صوت طارق:
"خالد، تاخد قهوتك هنا؟ ولا نغير المكان؟"
رد خالد بجمود:
"تعال نقعد في مكان تاني."
انتقلا إلى طاولة جانبية مطلة على ساحة الخيل. جلسا بصمت لحظة، ثم قال خالد بنبرة هادئة، لكن في طياتها سخرية لاذعة:
"تلاقي دكتور هشام ده هو الخطيب المنتظر."
طارق باستغراب:
"خطيب مين؟"
رد خالد، بنبرة توتر طفيفة تسللت إلى صوته:
"هيكون خطيب مين يعني ياطارق .. سلمى؟...
اكيد طبعًا، ليلى. مش هي قالت يوم قراءة الوصية إنها مرتبطة؟ يبقى هو ده الحبيب المجهول."
ضحك طارق ساخرًا:
"حبيب إيه وخطيب إيه بس؟!! مفيش الكلام ده يا بوص."
نظر إليه خالد باستفهام صامت، فأكمل طارق:
"دي ليلى قالت كده علشان تخلص من زنّ عمك وغتاتة سيف...
وسلمى أكدتلي إن مفيش حد فعلًا."
ابتلع خالد ريقه، ثم ارتشف من فنجان القهوة، وابتسامة خفيفة شقت وجهه، كأنها تحمل ارتياحًا داخليًا حاول ألا يظهره. فهو كان يعلم داخله انها حيلة منها للهروب من عمه ومع ذلك...
لم يغب عنه ذلك الشك الصغير، الذي تسلل إليه حين تذكّر ما قالته له ليلى منذ أيام عندما سألها عن خطيبها وردت: هعرفكم عليه قريب
رغم ذلك، شعر بهدوء غريب يتسلّل إلى داخله، كأن شيئًا ثقيلًا انزاح عن صدره.
ثم قال فجأة، بنبرة فيها شيء من الحماس الخفيف:
"بقلك إيه...
ما تيجي ناخد جولة على الخيل؟ نغير جو شوية."
ابتسم طارق، وقد لمح في ملامح خالد شيئًا جديدًا...
لا يُقال، لكن يُفهم.
وما إن همّ بالرد، حتى ظهرت سلمى تقترب منهم.
قال طارق ممازحًا:
"كان نفسي، بس أنا ورايا جولة تانية."
ضحك خالد وربت على كتفه، وهو يقول بنبرة فيها شيء من المرح:
"ماشي يا عم...
هروح أنا بقى وأمري لله
كان خالد قد امتطى جواده، وانطلق به بعنفوانٍ يشبه الهروب أكثر مما يشبه الركوب. كأنه يفرّ من شيء لا يراه، أو يلاحق ظل فكرة يخشى الاعتراف بها. فتح صدره للريح، وترك للهواء أن يصطدم بوجهه، ولثيابه أن تتراقص بفوضى، كأنها تعبّر عمّا يعتمل داخله.
لم يكن يُدرك كم من الوقت مضى، ولا أي طريق سلك. كل ما شعر به أن الزمن تلاشى من حوله، وأن صوت حوافر الخيل صار صدى لما بداخله من اضطراب. كانت كل لحظة تمر كأنها عملية غسيلٍ داخلي، تزيل عنه شيئًا أثقل كاهله، وتوقظ فيه شيئًا آخر كان قد أوشك أن ينساه.
في البعيد، وعلى مقربة من السياج الخشبي للميدان، لمحها...
ليلى.
كانت تبحث بعينيها عن سلمى، لكن نظراتها وقعت عليه، فجأة. رأته على صهوة جواده، منطلقًا بقوة وسلاسة. شهقت قليلًا، ثم شردت فيه لحظة، وقد بدا لها كمن خرج من لوحة فارسٍ عربيّ، يختزل الصمت والكبرياء في طلّة واحدة.
تنبهت فجأة أن عينيه ثبتت عليها...
حدّق فيها بثباتٍ لا تجرؤ على مجاراته. ارتبكت، وأشاحت وجهها سريعًا، كأنها تضبط نفسها متلبسة بشيء لا ينبغي أن يُرى.
بعد لحظات، وصلت سلمى وطارق إليها.
قال طارق وهو ينظر إلى الساحة "هو خالد لسه بيجري بالخيل؟"
ضحكت سلمى وقالت:
"واضح إن مش ليلى بس اللي جيت هنا تاخد بتارها مع الخيل"
ضحك طارق:
"معاكي حق. رغم إن خالد بيعشق الخيل، بس الشغل شدّه الفترة الأخيرة...
من زمان ما ركبش. أول ما شاف خيل قدامه...
ضعف
اقترب خالد منهم بهدوء، وقد لمح همساتهم وضحكاتهم. ابتسم بخفة وقال:
"قلبي بيقول إن الكلام عليّا"
ضحك طارق:
"نشنت يا بوص"
قال خالد مازحًا:
"خير ولا شر؟"
سلمى ردت بسرعة:
"لا خير طبعًا.. إحنا بنقول إنك بتحب الخيل واكيد وحشك ركوبها"
أومأ خالد برأسه وابتسامة راضية تعلو وجهه:
"وحشتني فعلًا."
وقبل أن يسترسلوا، جاء صوت رجولي أجش من خلفهم، لرجل كبير في السن يرافقه وجه نسائي وقور:
"قلت أسلّم عليكِ قبل ما نمشي، يا دكتورتنا."
استدارت ليلى بفرح واضح وقالت:
"انبسطت أوي إني شفتك النهاردة، يا دكتور هشام."
ابتسم طارق وهو يرمق الرجل باهتمام:
"هو حضرتك دكتور هشام؟"
مدّ الرجل يده بمودة، وقال بلطف:
"أيوه...
أنا."
صافحه طارق بحرارة قائلاً:
"أهلاً وسهلاً بحضرتك، أنا طارق صقر...
ابن عم دكتورة ليلى."
ثم التفت بخبثٍ خفيّ نحو خالد، كأنما يُلقي جمرة في كومة جليد.
خالد، بابتسامة خفيفة تُخفي اضطرابه، ابتلع ريقه ومدّ يده بدوره:
"تشرفنا يا دكتور...
أنا خالد صقر، برضو ابن عم ليلى."
صافحه الدكتور هشام بحرارة، ثم أشار إلى سيدة تقف بجانبه:
" المدام دكتورة لبني."
وبعد لحظة، التفت إلى ليلى وقال بإعجاب صادق:
"دكتورة ليلي زي بنتي تمام شاطرة من يومها...
رفعت راسي في كل مكان راحتله."
ردّت ليلى بخجل واضح:
"العفو يا دكتور...
حضرتك مش بس كنت أستاذي، ده مقامك عندي مقام بابا بالضبط."
تبادلوا كلمات سريعة، ثم انصرف الرجل وزوجته مودّعينهم بابتسامة.
ما إن ابتعد الدكتور، حتى اقترب طارق من خالد وهمس له بنبرة مازحة:
"ده الخطيب المنتظر؟ ولا الحبيب المجهول؟"
كتم خالد ابتسامة ماكرة، ثم ردّ وهو يرفع حاجبه بنبرة جدّية مصطنعة:
"خلصنا بقى يا طارق...
إنت لقيتها فرصة ومصدّقت"
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
بعد يومين من الغياب في القاهرة، عاد عامر إلى البلدة.
وقبل أن يعرّج على منزله، توجه مباشرة إلى بيت عمته غالية حيث ترك أولاده.
ما إن دخل حتى استقبلته عمته بحفاوة كعادتها، وابتسامة دافئة لا تخلو من الشوق.
بلال نهض من مجلسه وسلّم عليه بحرارة، وتبعته منى بابتسامة هادئة خفيفة الظلّ.
قال عامر وهو يخلع عباءته:
جهّزي الولاد يا منى، لحد ما أتكلم كلمتين مع عمتي وبلال.
نظرت إليه منى بلمحة استغراب، لكنها لم تُعلّق، فقط أومأت برأسها، وانصرفت نحو الغرفة.
التفتت إليه عمته، تتفحّص ملامحه وكأنها تبحث عن شيء غير معتاد، وقالت:
خير يا ولدي؟ كلمتين إيه دول؟
ابتسم عامر ابتسامة باهتة، وحاول أن يبدو متماسكًا رغم التوتر الكامن خلف صوته:
خير إن شاء الله يا عمتي...
ابتسم عامر ابتسامة هادئة، حاول أن يُخفي بها اضطرابه، ثم قال وهو يوجّه نظره نحو بلال بثبات:
"الموضوع يخص بدور."
شدّ بلال قامته قليلًا، وقد ارتسمت على وجهه ملامح قلق حذر:
"في إيه؟ بدور مالها يا عمدة؟"
ردّ عامر بصوت منخفض ثابت، وعيناه لا تفارقان وجه بلال:
"ما أنا لسه قايل يا بلال...
خير، اهدى بس."
ثم صمت لحظة، كأنه يمنح للكلمات وزنها، قبل أن يتابع بوضوح:
"أنا جاي النهاردة...
أطلب إيد بدور."
خيم الصمت لثوانٍ، قبل أن تظهر على وجه غالية ابتسامة عريضة لم تستطع كبحها، بينما بدت الدهشة واضحة في ملامح بلال، وقال باستغراب:
بتقول إيه يا عمدة؟
قال عامر بثقة، ونبرته ممتزجة بالجدية والدفء:
بجولك، لو مكنتوش إدّيتوا كلمة لولد العمدة حامد، فأنا طالب القرب...
طالب بدور.
زي ما بيجولوا، القريب أولى، ولا إيه يا عمتي؟
ردت غالية بحماس:
طبعًا يا ولدي...
مش هنلاجي أحسن منك لبدور
وأضاف بلال، وقد بدأ يتقبل وقع المفاجأة:
والله يا عمدة، لو علينا، إنت عالعين والرأس...
بس الكلمة في الموضوع ده مش ليا...
الكلمة لبدور.
قال عامر بهدوء واحترام:
أكيد...
أنا فاهم. شاوروا بدور، وأنا مستني ردّكم.
لكن ما لم يكن أحدٌ منهم يعلمه...
هو أن تلك التي يدور الحديث عنها، كانت تقف خلف الباب ، لا تبعد سوى خطوات قليلة عنهم، تسمع كل كلمةٍ بوضوحٍ يكاد يلامس قلبها.
كانت بدور تحمل صينية الشاي، لكن ما حملته في تلك اللحظة لم يكن سوى ثِقَل المفاجأة التي هزّت كيانها.
ارتجفت يداها فجأة، واتّسعت عيناها بذهول، كأن كلمات عامر تسللت إلى أعماقها دون استئذان، لتوقظ شيئًا دفينًا لم تستعد له.
رجفة خفيفة سرت في جسدها كله، وصوت أنفاسها المضطرب بدأ يعلو في صمت الممرّ.
الدموع انزلقت من عينيها بلا صوت، لا بكاء ولا نحيب...
فقط صمتٌ مُبلّلٌ بالحيرة والارتباك.
اهتزّت الصينية بين يديها، وارتطام الأكواب الخافت كاد يفضحها، لولا أن منى ظهرت فجأة من آخر الممر،
مدّت يدها بسرعة تلتقط الصينية قبل أن تسقط، ثم حدّقت في بدور بدهشةٍ وقلق، وقد قرأت في ملامحها ما هو أعمق من المفاجأة العادية.
بدور؟! مالك؟ ليه بتعيّطي كده؟
لم تنطق بدور، فقط أغمضت عينيها وهزّت رأسها بنفي باهت، وكأنها تحاول أن تنكر على نفسها الحقيقة
اقتربت منها منى، وأمسكت بذراعها برفق، وسحبتها بعيدًا لغرفتها ، وهمست:
عارفة إن اللي سمعتيه مفأجاة لكي ...
بس لو مش مرتاحة،.. قولي، محدّش هيزعل منك، والله.
جلست بدور على حافة السرير، عيناها شاخصتان إلى الفراغ، ويديها لا تزالان ترتعشان.همّت أن ترد على منى، أن تبوح بشيء من دوّامة مشاعرها، لكن صوت طرقٍ خفيفٍ على الباب جاء كفاصلٍ مباغت، شقّ السكون وقطع الخيوط المتشابكة للكلمات التي لم تُقل.
ارتجفت بدور لا إراديًا، وهبّت واقفةً في مكانها، أنفاسها تتلاحق، والدم يكاد يتجمّد في عروقها.
انفتح الباب بهدوء، ودخل بلال بخطى ثابتة، ملامحه جامدة يعلوها تحفظٌ لا يُخفي توتره الداخلي. رمقها بعينين صلبتين، ثم قال بصوتٍ خافتٍ محسوب، كأنه يزن كل حرفٍ بعناية:
ـ اجعدي يا بدور.
جلست بدور في مكانها، وجسدها مشدود، تلوّي أصابعها في قلق ظاهر. اقترب بلال خطوة وقال دون مقدمات:
من غير لفّ ولا كلام كتير...
العمدة عامر، ابن خالك، متقدملك.
رفعت عينيها إليه بخجل وارتباك ،تنحنح بلال قليلًا، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الاستجواب:
"كان عندك علم بالكلام ده؟"
تلبّكت أكثر، ووقفت فجأة كأنها تهرب من السؤال أو من نفسها، وردّت بانفعال خافت:
"لا والله...
أول مرة أسمع بالكلام ده."
تحوّل بلال ببصره إلى منى، وسألها بحدة خفيفة:
وإنتي؟ كنتي عارفة؟
أجابت منى بتوتر واضح:
لا والله يا بلال...
أنا زيي زيكم، ماعرفتش غير دلوقتي.
أطلق بلال زفيرًا، ثم وقف وقد بدا عليه التردد، وقال بصوته الجاد:
على العموم...
فكّري يا بدور.
رفعت بدور نظرها إليه وسألته، صوتها يشوبه التوتر:
وانت رأيك إيه يا بلال؟
تردّد لحظة، ثم ردّ بنبرة مشدودة:
"رأيي...
هقوله بعدين. دلوقتي، فكري وردّي ليّا خبر...
يا أنا، يا أمك."
ثم استدار وغادر الغرفة، تاركًا وراءه صمتًا موحشًا، وعيونًا معلقة في الفراغ...
وأسئلة تتناسل في قلب بدور دون إجابات.
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
على مدخل البيت، وقفت فاطمة، عيناها تلمعان بالشوق، وذراعاها مفتوحتان بحفاوةٍ صادقة، كأنما تحتضن الفرح نفسه.
ـ يا ألف مَرْحب بيك يا وِلْدي
قالتها بصوتٍ متهلِّل، وهي تُسرع نحو عامر.
اقترب منها عامر، وقبّل رأسها ويدها بتوقيرٍ صادق، وعلى وجهه ابتسامة دافئة:
ـ إيه يا حاجة...
إيه الهَنا اللي أنا فيه؟ مستنياني عَ باب البيت؟!
ضحكت فاطمة، وملامحها تُضيء بالفرح كالشمس في صباحٍ صافٍ:
ـ ومِين غيرك يستاهِل الانتظار؟ مش هِنِستَنّى أعزّ منك يا وِلْدي
ثم احتضنته بحنوّ الأمهات، وهمست في أذنه برقةٍ وعينها تبرق بالرضا:
ـ فرّحت جلبي النهارده يا عامر...
ألف نِهار أبيض عليك، وعلى الأخبار الزينة.
ابتسم عامر، وفي ابتسامته مزيج من الدهشة والدعابة:
ـ جولي كده بَجى يا حاجة...
الأخبار لحّقت توصلك؟!
دي ما عَدِّتش رُبع ساعة!
ثم ضحك وأومأ برأسه بمكرٍ خفيف:
ـ أكيد منى...
مايتحبّس في بجها فُولة.
ضحكت فاطمة وهزّت رأسها نافية:
ـ لا والله يا ولدي، المرة دي مش منى...
دي عمتك غالية اللي بلّغتني.
رفع عامر حاجبيه بدهشةٍ مرحة:
ـ كمان عمّتي غالية؟!
ردّت فاطمة بطيبةٍ ودفءٍ :
ـ وماله يا ولدي...
دي فرحانة بيك، وأنا كمان فرحانة. الله يتمّم بالخير يا رب.
تنحنح عامر قليلًا، وعاد الجِدّ إلى نبرته:
ـ اصبري يا حاجة...
إحنا لسه ما سمعناش رد بدور.
قالت فاطمة بعينين تلمعان باليقين، ونبرةٍ تحمل ثقة الأم وحدسها:
ـ إن شاء الله هتوافق.
نظر إليها عامر بتساؤلٍ خفيف، كأنه يختبر يقينها:
ـ عرفتي منين؟
ربّتت على صدرها برفق، وابتسمت بثباتٍ لا يتزعزع:
ـ جلبي حاسس يا ولدي...
جلبي حاسس.
أومأ عامر برأسه، وفي عينيه لمعة أملٍ خافتة:
ـ إن شاء الله خير يا حاجة...
إن شاء الله خير.
🍂🍂🍂🍂🍂🍂
في الغرفة، كان كل شيء ساكنًا...
إلا تلك العاصفة التي دارت في صدر بدور. جلست في مكانها كما تركها بلال، لا تتحرك، وعيناها معلّقتان في الفراغ، كأن الزمن توقف عند الكلمات الأخيرة التي نُطقت.
كانت شاردة...
أو بالأحرى، متجمّدة في قلب صدمة لا تعرف لها اسمًا ،اقتربت منها منى بهدوء يشبه نبرة الحنان، وجلست إلى جوارها دون أن تنبس بكلمة في البداية، ثم مالت نحوها وهمست بلطف :
"إيه يا بدور؟ هتفضلي مصدومة كده كتير؟"
لم ترفع بدور رأسها، فقط همست بصوت خافت، كأنه يخرج من أعماق بعيدة:
"لا...
أنا كويسة."
لكن صوتها كان هشًا كورقة في مهبّ الريح، لا يُقنع أحدًا.
نظرت إليها منى بعينين غمرهما القلق، ومسحت على يدها برفق وسألتها:
"طيب...
حاسة بإيه؟ وإيه ردّك على طلب عامر؟"
لم تُجب بدور. فقط انسابت دموعها بهدوء، وارتجف صدرها بأنفاسٍ متقطعة. ثم فجأة، وكأنها لم تعُد تقوى على حمل الصمت وحدها، أمالت رأسها على صدر منى، تستند إليه كمن يبحث عن ظلٍّ في حرّ الارتباك.
ضمّتها منى برفق، وربّتت على كتفها بحنانٍ صادق، بينما الغرفة استسلمت للصمت...
إلا من صوت الدموع، وهمسات قلبٍ لا يعرف كيف يعبّر عمّا يختلج بداخله.
مرّت لحظاتٍ ثقيلة، قبل أن تنطق منى بنبرة ناعمة مطمئنة:
"إيه بس يا حبيبتي؟ اهدي...
لو مش عاوزة، خلاص، محدّش هيجبرك على حاجة."
رفعت بدور وجهها ببطء، ودموعها لم تجف بعد، وهمست بصوت متهدّج، كأن الكلمات تُجرح في طريقها للخروج:
"أنا تايهة...
قلبي مقسوم نصين...
"
ترددت للحظة، ثم تابعت بنبرة يختلط فيها التوتر بالحيرة:
"نص رايح لعامر...
والنص التاني بيقولي...
ده جوز ضحي...
الله يرحمها."
اتسعت عينا منى بدهشة، لكن لمعة فرحٍ خافتة تسللت إلى ملامحها، وقالت بصوت مذهول، لكنه دافئ:
"إنتي بتهزري؟!
يعني...
يعني عاجبِك عامر؟!"
ثم ابتسمت ابتسامة مملوءة بالمودة وهمست:
"يا بنتي، والله لو ضحي شايفانا دلوقتي، مش هتأمّن على ولادها مع حد غيرك.
وبعدين...
الحي أبقى من الميت، وربنا بيبدّل القلوب لحكمة."
لم تحتمل بدور وقع الكلمات، فانهارت باكية، ودفنت وجهها في حضن منى، التي احتضنتها بقلب الأخت الكبيرة، وراحت تُربّت على كتفها بحنان، تهمس بكلمات مواساة لا تُقال، بل تُشعر.
وبعد لحظات من الصمت، أرادت منى أن تُخفف من ثقل اللحظة، فابتسمت بخفة وقالت ممازحة:
"بس من إمتى يا ست هانم؟
معجبة بأخويا وأنا معرفش؟!"
رفعت بدور عينيها بخجل وابتسامة باهتة، وقالت:
"من زمان يمكن...
بس هو عمره ما كان بيبصلي."
ضحكت منى بخفة، وقالت بمكرٍ لطيف:
"طب وإيه اللي تغيّر؟ فجأة بقي يبصلك؟!"
هزّت بدور رأسها في حيرة وهمست:
"معرفش...
بس بقاله فترة نظرته ليا غير...
اهتمامه مختلف...
بس عمري ما تخيلت إنه هييجي ويتقدّملي بالشكل ده، وبالسرعة دي."
ثم نظرت إلى منى بعينين قَلقتين وسألتها بصدق:
"بس بجد...
تفتكري اتقدّملي علشان شايفني أمّ حنونة لولاده؟
مش عشاني أنا؟"
أمسكت منى بيدها بقوة، ونظرت في عينيها بثقة:
"عامر مش كده يا بدور.
ولو كان بيفكر كده، كان اتجوز من زمان.
ضحي بقالها سنين متوفية...
ليه ما اتجوزش من أول سنة سواء انتي أو غيرك؟"
سكتت لحظة، ثم اقتربت منها أكثر وهمست:
"وبعدين، إنتي ما شفتيش شكله من يومين؟
لما اتكلموا عن العريس اللي جاي، شكله اتغيّر.
عمتي وبلال نفسهم لاحظوا."
توردت وجنتا بدور كزهرتين خجلتين في أول الربيع، واحمرّ وجهها وهي تخفض رأسها بخجل واضح.
قهقهت منى بخفةٍ ومكر، ثم مالت عليها وهمست:
"مبروك يا ستي...
مبروك يا مرات العمدة."
احمرّ وجه بدور أكثر، لكنها لم تنطق...
فقط أومأت برأسها ببطء، إيماءة خجولة، لكنها مليئة بالوضوح.
اعتراف صامت...
يكشف أكثر مما تُفصح عنه الكلمات.
شهقت منى بفرحة مخنوقة:
"ياااه...
فرحتيني والله.
عامر أخويا طيب وبيراعي ربنا،
وربنا عوّض صبره بيكِ...
مش هيلاقي أحنّ منك، لا عليه ولا على عياله."
وفجأة، انفتح الباب برفق، ودخلت "غالية" بخطى هادئة.
وقفت لثوانٍ تتأمل المشهد، بنظرة أمٍّ تعرف كل شيء دون أن يُقال.
ابتسمت في صمت، كأن قلبها سبقها بالفهم، وعيونها قرأت ما لم يُكتب.
اقتربت من بدور وجلست إلى جوارها، ثم ضمّتها إلى صدرها كأنها تحتضن قدرًا كانت تتمناه.
وقالت بنبرة هادئة:
"ربنا يكتبلك الخير يا بتي...
ويجبر خاطرك."
لم تقل بدور شيئًا، فقط أغمضت عينيها وسط حضن غالية، وصدرها يرتفع وينخفض بأنفاس متأثرة.
وفي قلبها، كان هناك دعاء صامت...
لا يُقال، لكن يسمعه من لا يغفل عن نبض القلوب.
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
بالقرب من إحدى شركات الاستيراد في سوهاج، كان ياسين يهبط سلّم المكتب بخطوات سريعة، حين وقعت عيناه على ميرهان واقفة على مقربة من باب الشركة.
توقف لحظة، وابتسم بدهشة خفيفة:
"أهلاً يا ميرهان."
استدارت نحوه بملامح هادئة ونبرة خافتة:
"أهلاً...
يا ياسين."
اقترب منها قليلًا وسأل:
"كنتي عند سيف؟"
أومأت برأسها:
"آه، زيارة سريعة."
نظر إلى ساعته، ثم عاد ينظر إليها:
"رايحة فين؟ مروّحة؟"
أجابت وهي تُخرج هاتفها:
أيوه...
هكلم السواق ييجي ياخدني
قال ممازحًا وهو يفتح باب السيارة:
يا ستي، تعالي أوصلك أنا...
ما تخافيش، مش هدفعك أجرة توصيل
ثم أضاف بنبرة ماكرة:
أو يمكن أدفعك ...
بيتكم بعدينا بشوية.. فهتتعبيني
ضحكت بخفة:
رجعت في كلامك في ثانية
لو فضلتِ ساكتة شوية كمان، هسيبك وامشي.. أنا ما يتخادليش على كلمة
ضحكت وتقدّمت لتدخل السيارة وهي تتمتم:
مهو باين فعلاً
في الطريق، كان الصمت يملأ الأجواء لوهلة، قبل أن تقطعه ميرهان بتردد:
أخبار مرات عمي إيه؟ ومنى؟
رمقها ياسين بنظرة جانبية وقال:
لو وحشينك قوي...
تعالي اسألي عليهم بنفسك.
أومأت برأسها:
إن شاء الله.
ثم قالت بعد لحظة، بصوت خافت يشوبه ارتباك:
وطارق؟...
سمعت إنه هيعمل خطوبته قريب؟
نظر لها ياسين نظرة جانبية متفحّصة، ورد بهدوء:
لسه...
لغاية دلوقتي الموضوع مش رسمي، يعني بيتعرفوا على بعض هو وسلمى اكتر
هزّت ميرهان رأسها ولم ترد، لكن شيء في وجهها تغيّر.
راقبها ياسين، ثم قال بنبرة فيها لمحة سخرية:
إيه يا بنت؟ اللي يشوفك كده يقول ده جوزك وراح يتجوز عليك
صمت لحظة، ثم أردف بلهجة أكثر حدة:
ده حيالله أبوكي كان عاوز يلزقك له، وطارق رفض.
كلماته كانت كطلقات غير محسوبة، شعر بوقعها بعد فوات الأوان، فتنحنح وقال سريعًا:
ماقصدش طبعًا...
بهزر
لكن كان الوقت قد فات. كانت عينا ميرهان تلمعان بدموع حارقة، وهمست بانكسار:
معاك حق...
أبويا شايفني سلعة، عايز يخلّص منها بأي تمن.
أحسّ ياسين بالذنب، فأراد أن يُصلح ما أفسده لسانه:
خلاص بقى يا ميرهان...
ما كانتش كلمة تتقال.
مااحنا عارفين عمي ماهر ودماغه.
ثم التفت إليها ومدّ لها منديلاً وهو يضحك:
امسحي دموعك بقى...
قلبتيها فيلم لأمينة رزق
ابتسمت بخفة، ابتسامة باهتة قاومت الخذلان...
لكنها خرجت في النهاية
مرّ الوقت، وهدأت الكلمات بينهما، حتى وصل ياسين إلى أمام بيت ماهر
توقفت السيارة، ومدّت ميرهان يدها إليه تُسلّم عليه بابتسامة شاحبة، ثم نزلت بخطوات مترددة
وما إن دخلت إلى فناء البيت، حتى وجدته واقفًا عند الفرندة، يلفّ يده خلف ظهره، وعيناه تضيقان حين وقعتا على السيارة.
صوته اخترق سكون اللحظة، حادًا كالسيف:
ده مش ياسين، واد عمّك، اللي وصّلك؟
توقفت خطواتها، ونظرت نحوه بارتباك:
أيوه يا بابا...
قابلته عند باب الشركة، وأنا طالعة من عند سيف...
والسواق اتأخر عليّا، فـ...
فوصّلني.
لم يُعلّق للحظة، فقط هزّ رأسه بهدوء يحمل ما بين طياته تفكيرًا عميقًا، ثم قال بصوت أجوف:
طيب...
طيب.
وأشار بيده نحو الداخل:
ادخلي.
امتثلت لكلمته في صمت، لكنها شعرت أن صمته لم يكن رضا...
بل نذرٌ لعاصفة قد تأتي لاحقًا.
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
في صباح اليوم التالي، كانت غالية جالسة تحتسي الشاي بهدوء.و بلال إلى جوارها ،التفتت نحوه بنظرة تحمل مزيجًا من الحنان والجدية وقالت بصوت خافت:
"بَجُولك يا وِلدي...
أُختك عَطتني رَدّها بالموافجة."
رفع بلال حاجبيه بدهشة:
بالسرعة دي يا حاجة؟ ده بدور من يومين كانت بتقولّي إنها مبتفكرش في الجواز دلوجتي مافتحت معاها موضوع ابن العمدة رفاعي..
ابتسمت غالية وقالت:
"خَلَاص يا وِلدي...
الجَلب وما يِرِيد."
ضحك بلال بسخرية:
"هو بَجى فيها الجَلب وما يِريد يا حاجّه؟!
ويا ترى العِمده كمان...
جَلبه وما يِريد؟!"
رمقته بنظرة حازمة وقالت:
"إيه يا بَلال؟
لا العِمده ولا أُختك عَمِلوا حاجه غَلَط.
كل الحكاية إنّ البِت بترتاح له...
وده كِفايه، يا وِلدي."
ظل صامتًا للحظة، ثم قال بنبرة نصف ساخرة:
ماشي يا حاجة.
قاطعته غالية بنبرة جادة:
"المُهِم...
هتِرُدّ على وِلْد خالك إمتى؟"
فرك بلال كفيه وقال:
اصبري يومين يا حاجة...
بنتنا تتعز، مش لازم الرد ييجي على طول.
أومأت غالية برأسها وقالت:
"اللي تِشُوفه يا وِلدي...
بس ما تِغيبش عليهم."
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
مرّ يومان على عودتهم من دبي، رحلة لم تكن عابرة كغيرها من الأسفار. حملت بين طياتها ما هو أبعد من اجتماعات وعقود وصفقات. كانت كأنها مرآة عاكسة، انكشفت فيها نوايا، وتبدّت مشاعر، وتبدلت مواقف...
بصمت، وبدون اتفاق مسبق.
في المضيفة، اجتمع عامر مع خالد وطارق، يتبادلون الضحك والحديث، يسترجعون ما مرّ في الرحلة من طرائف، وتعليقات، ومواقف لن تُنسى. لكن رغم ضحكة عامر، كانت نبرته تخبئ شيئًا...
كأنه يُمهّد لخبر لم يُعلن بعد.
قطع هذا الصفاء صوت الهاتف. نظر عامر إلى الشاشة، فعبرت على وجهه غمامة خفيفة، قبل أن يجيب بنبرة هادئة:
"أيوه يا بلال...
إن شاء الله نعدّي عليكم بكرة بعد المغرب."
وما إن أنهى المكالمة، حتى نظر إليه طارق مستفسرًا:
"بلال عايزنا في إيه؟"
رد عامر بعد أن تنحنح، كأنه يُعدّ الكلمات لتخرج دون ارتباك:
هو مش بلال اللي رايدكم...
أنا اللي رايدكم الأول
رفع خالد حاجبه باهتمام، وقال:
خير يا عامر؟ في حاجة؟
أخذ عامر نفسًا عميقًا، ثم قال:
"خير إن شاء الله...
أنا ناويت خير."
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة صريحة وفيها شيء من التوتر:
"أنا ناوي أتجوز بدور...
بت عمتكم غالية."
ساد الصمت، نظرات بين الأخوين، ما بين دهشة وتفكّر، قبل أن ينفجر طارق ضاحكًا:
"يا عمدة! قلبي كان حاسس...
من يوم حكاية الخيل، والنظرات اللي بينكم، والزعيق اللي مافهمناش له معنى...
قلت أكيد في حاجة بتتخبّى."
وفي اللحظة ذاتها، دخل ياسين إلى المضيفة، والتقط آخر جملة، فابتسم وقال ممازحًا:
آه يا عمدة...
ده أنت طلعت مش سهل، ولا باين عليك
رفع عامر عينيه إليه وقال بجدية:
"سهل إيه وصعب إيه؟ عدّل كلامك يا ياسين، ماعندناش هزار في الكلام ده."
ضحك طارق وقال مشاكسًا:
"يا عمدة متزعلش، بس يعني...
من إمتى الموضوع ده؟"
رد عامر بنفاد صبر خفيف:
"إمتى إيه؟ هتخبط بالكلام زي ياسين ولا إيه؟"
هنا تدخّل خالد، بصوته الهادئ وابتسامته التي تعرف كيف تُذيب التوتر:
"خلاص يا جماعة...
استلمتوا العمدة."
ضحك عامر، ثم قال بصراحة:
"الحكاية بسيطة...
الولاد متعلقين بيها، الحاجة وعمتكم غالية رايدين يكون في نَصيب....
وأنا فكّرت وقلت: ليه لأ؟"
ضحك ياسين وقال ساخرًا:
"أمي وعمتي رايدين، والولاد رايدين، ماشي هنعدّيها بقى يا عمدة"
التفت إليه عامر بنظرة صارمة وقال:
"ياسين، جووم شوف المشوار اللي جولتلك عليه."
نهض ياسين مبتسمًا وخرج، ولحقه طارق بعد لحظات، ليجيب على اتصال هاتفي.
بقي خالد وحده مع عامر. نظر إليه مطولًا،نظرة أخٍ يعرف ملامح التردد، ويقرأ ما لا يُقال.
شعر عامر بثقل تلك النظرة، فتظاهر بعدم الاكتراث:
"إيه؟ شكلك رايد تجول حاجة؟"
رد خالد بابتسامة ماكرة:
"لا هقول، ولا هعيد. أنت اللي هتقول."
قطّب عامر جبينه:
"أجول إيه يعني؟"
قال خالد بثقة هادئة:
تعترف..
ضحك عامر ضحكة خفيفة:
"مافيش حاجة أعترف بيها."
رد خالد وهو يحاصره بمكر بالكلام:
"أنا قلتلك قبل السفر إنك متغير. أنكرت ،وما صدّقت سافرنا، رحت طلبت يدها...
إيه اللي حصل في العشر أيام؟
قال عامر بصوت منخفض، وكأنه يتهرّب من الإجابة:
ماحصلش حاجة...
انت مكبّر الموضوع.
هز خالد رأسه وقال مستفهما:
طيب ليه الاستعجال؟
ابتسم عامر ابتسامة هادئة وقال:
"كان في عريس متجدّم ليها ، وأنا جُولت...
"
قاطعه خالد وهو يضحك :
"قلت أنا أولى!"
ضحك عامر ضحكة قصيرة:
"بالضبط "
ضحك الاثنان، وساد بينهما صمت خفيف فيه ارتياح. صمت لا يُقال فيه الكثير، لأن ما في القلب قد قيل أخيرًا.
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
في بيت "غالية"، حلّ اليوم المنتظر...
الفرحة كانت واضحة على وجه غالية، كأنها تستقبل نذرًا تحقق بعد طول رجاء. طالما تمنت هذه اللحظة، حتى كادت تفقد الأمل في وقوعها. سنوات وهي تُخبئ الدعاء في قلبها، تُردده في صمت، تناجي به ربها خفية...
وها هو الحلم يخطو خطواته الأولى نحو التحقق.
أما بدور، فكانت ساكنة في ظاهرها، مشتعلة في داخلها. لم تختبر هذا الشعور من قبل؛ كان قلبها في حالة لا تعرف لها اسمًا. شيء غريب، مُربك، يضغط على صدرها كلما سُمِع اسم "عامر".
هو الرجل الوحيد الذي رأته بعين الأنثى. لم يلمس يدها يومًا، لكنه احتلّ قلبها دون استئذان...
دون أن ينتبه. ولطالما أقنعت نفسها أن الأمر لا يمكن، لا يجوز، لا يُحتمل؛ فهو زوج أختها الراحلة، وربما لا يراها إلا كأخت صغيرة.
لكن...
نظراته مؤخرًا؟
لم تكن كما اعتادت.
قطع شرودها دخول منى وهي تفتح الباب بوجه مشرق وابتسامة واسعة، تكاد تُنير الغرفة:
ـ ما شاء الله...
إيه القمر ده يا بدور؟
احمرّت وجنتا بدور وخفضت عينيها في خجل، ثم تمتمت بصوت خافت:
ـ تسلمي يا منى...
اقتربت منها منى واحتضنتها بحنان دافئ، وهمست في أذنها بدعاء صادق:
ـ ربنا يكتبلك الخير كله...
ويجعلها بداية فرح ما ينتهيش.
لم ترد بدور، فقط أغمضت عينيها للحظة، كأنها تحتمي من شعور غامر أو تسند قلبها على صدر الدعاء.
هي لا تعرف إن كانت تفرح، أم ترتبك، أم ترتعد من حجم ما يحدث.
لكنها تعرف شيئًا واحدًا يقينًا:
"عامر"...
صار أقرب من أي وقت مضى.
والحلم الذي ظنّته مستحيلاً، صار على بُعد نبضة.
ومن الخارج، دوّى صوت "مريم" الصغيرة، ابنة منى وبلال، وهي تركض بخفة وفرح، تقطع صمت الترقّب بضحكتها العذبة:
ـ مامااا...
عمتي بدور...
تيتا فاطمة وصلت، وخالو عامر، وخالو خالد، وخالو طارق، وخالو ياسين...
كلهم جمّ!
تسارعت أنفاس بدور فجأة، كأن قلبها سبقها إلى الباب، وارتبكت نظراتها. فامتدت يد منى بهدوء، التقطت يدها وربّتت عليها مطمئنة:
ـ اهدي بس...
أنا هخرج أسلّم عليهم، وانتي خدي نفس، ولما تهدي تعالي على مهلك.
في الصالة، كان الدفء قد سبقهم إلى المكان.
غالية تستقبلهم بترحاب، وبلال يمدّ يده عامرًا بالحفاوة.
صافح بلال عامر وهو يقول:
ـ منوّر يا عمدة...
شرفتوا البيت.
ابتسم عامر ورد بنبرة هادئة:
ـ البيت منوّر بأهله يا بلال.
قالت غالية مبتسمة:
ـ يا سلام عالزيارة الكبيرة دي يا حاجة فاطمة...
گَلَّفتوا روحكم ليه؟
ردت فاطمة بحنان:
ـ ولا تسوى جنب خيركم يا غالية.
مر الوقت في تبادل الأحاديث والضحكات...
ثم دخلت "بدور".
خطواتها هادئة، لكن قلبها يركض.
تسلّلت إلى الداخل بخجلها المعهود، تُسلّم على الجميع وهي تتجنّب النظر المباشر لأي وجه، حتى وصلت إلى فاطمة التي احتضنتها بشوقٍ.
وفي لحظة خاطفة، التقت عيناها بعيني عامر.
نظرة واحدة فقط...
لكنها كانت كفيلة بأن تربك كل شيء بداخلها.
كأن قلبها توقف للحظة، ثم عاد ليخفق بقوة أكبر.
عامر لم يتكلم، لكنه نظر....
نظرة منه فقط اربكتها
وبدور...
تلعثمت في صمتها، وابتسمت ابتسامة صغيرة لا تُرى، لكنها كانت كافية لتُشعل ملامحها بالخجل.
كانت تلك النظرة...
أول اعتراف، لا تُقال فيه كلمة.
وبعد لحظاتٍ من الصمت، قطعت فاطمة الجوّ بضحكة خفيفة، ثم قالت مازحة:
ـ إيه يا عامر يا ولدي...
مش ناوي تجول؟
ابتسم عامر لوالدته وتنحنح، ثم التفت إلى غالية وبلال وقال بنبرة يختلط فيها الاحترام بالصدق:
ـ يا عمّتي...
وبلال، قبل ما يكون بينّا نسب، إحنا أهل. وده مش أول نسب بينّا، سبق واتناسَبنا مرة واتنين، ويشرّفنا نكرّرها تاني. ومجيتنا النهارده فيها كل الخير...
جايين نطلب إيد بدور، على الخير والبركة.
ارتسمت على وجه غالية ابتسامة دافئة، وقالت وهي تومئ برأسها:
ـ وإنت ما ييجي منك غير كل خير يا ولدي...
وأردف بلال بوقار، وهو ينظر إلى عامر بعين التقدير:
ـ ده شرف لينا يا عمدة. واللي زيك يتشرّف بيه أي بيت. وبدور، إن كان ليها نصيب، ربنا يكتب لها الخير معاك...
إنت راجل معروف بالأصول.
رد عامر بهدوء وثقة:
ـ تسلم يا بلال...
والمعزّة والتقدير بينّا دايمًا. وأي حاجة تطلبوها، إحنا تحت أمركم وأمر بدور.
تبادل عامر وبدور نظرة خجولة، ثم قال بلال:
ـ وده عشمنا برضك يا عمدة.
ثم وجه كلامه لبدور ومنى:
ـ يلا يا بنات، جَهّزوا السُفرة.
تحركت منى وبدور إلى الداخل، بينما عاد بلال للحديث بنبرة أكثر جدّية يتخللها ثقل ما سيُقال:
ـ إحنا عارفين إنك راجل بتِجَدَّر اللي معاك، وشفنا ده بعنينا مع المرحومة ضحي...
الله يرحمها.
ردد الحاضرون بصوت واحد:
ـ الله يرحمها.
أكمل بلال بعد لحظة صمت:
ـ بس بدور...
وضعها مختلف.
هنا تدخّلت غالية بنبرة فيها شيء من الانزعاج:
ـ إيه اللي بتجوله ده يا بلال؟
أشار لها بيده بهدوء:
ـ اصبري يا حجة...
العمدة راجل فاهم.
ثم التفت إلى عامر وقال:
ـ بدور أنا مش بس أخوها، أنا كمان أبوها...
وطلبنا مش كبير، بس بنطلب التقدير، مش أكتر.
رد عامر بثقة وهدوء:
ـ وأنا من أولها جُلت: ما فيش غير التقدير والمحبّة.
هنا تدخل خالد مبتسمًا وهو ينظر إلى بلال:
ـ اتفضل يا بلال، قول طلباتك...
والعمدة مش هيتأخر.
بلال بصوت ثابت:
ـ عارف يا بشمهندس...
العمدة راجل أصيل، وبيعرف يقدّر.
وبدور، ما شاء الله، لسه صغيرة، بس عقليتها كبيرة، وهتتجوّز وتراعي ولاد أختها زي ما كانت أمهم تمام.
استشعر عامر المعنى الخفي خلف كلمات بلال، فعقد حاجبيه وتقدم بجسده قليلًا، كأنه يُحاصر التردد في عيني محدّثه، ثم قال بلهجة قاطعة لا تحتمل المواربة:
ـ جولها صريحة يا بلال...
إيه اللي في بالك؟
بلال تنحنح وقال:
ـ الأرض القبلية تتكتب باسم بدور.
ساد صمت ثقيل، خيّم على الغرفة كغمامة داكنة.
وجوه تباينت بين الدهشة والذهول.
غالية وقد ارتفع حاجباها بصدمة قالت:
ـ كلام إيه اللي بتجوله ده؟!
بلال:
ـ ماله الكلام يا حاجة؟
هزت غالية رأسها وقالت بحسم:
ـ إنت عارف كويس يا بلال...
إحنا ما بنكتبش أرض باسم الحريم. دي عوايدنا من زمان، ومحدش كسرها.
نظر عامر إلى بلال نظرة طويلة، وقال:
ـ بدور ما يكفّهاش أراضي الدنيا كلها، يا بلال...
بس زي ما قالت عمتي، دي عوايدنا من زمن. إيه اللي اتغير؟
رد بلال بهدوء:
ـ اللي اتغير إن بنات عمك عاصم هيورثوا أرض. العوايد بتتغير...
يبقى إحنا أولى.
قال عامر وهو يلوّح بعصاه على الأرض:
ـ سيبك من سيرة بنات عمي عاصم، ليهم ظروفهم وكلامهم ليه وقت تاني. دلوقتي إحنا في موضوعنا إحنا...
وانت عارف، الأرض ما بتتكتبش باسم الحريم، وده معروف وعليه العُرف، ومفيش فيه نقاش.
بلال، بإصرار:
ـ ولو ده هو مهر بدور، يا عمدة؟
رفع عامر عصاه وضرب بها الأرض بقوة، ثم قال بصوت حاسم وقد اشتدت نبرته:
ـ يبجى الكلام يوجف لحد هِنا.
ثم وقف، معلنًا نهاية الحديث.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟
✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:
👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور
🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━