هناك، حيث تتقاطع المشاعر مع الكبرياء، ينكسر الصمت، وتبدأ المواجهة الحقيقية...
فبعض القلوب لا تُمنَح إلا بثمن، حتى لو كان الثمن شيئًا لا يُشترى
************************
رفع "عامر" عصاه وضرب بها الأرض ضربة غاضبة، ارتجّ لها المكان، ثم قال بصوتٍ حاسم وقد اشتدت نبرته كالسيف:
يبجى الكلام يوجف لحد هِنا.
استدار مغادرًا بيت "غالية"، وخطواته ثقيلة، تتكلم بالغضب أكثر مما يفعل لسانه. كان الصمت حوله صارخًا، لكن عينيه تُخفيان عاصفة لم تهدأ بعد.،، طارق أسرع خلفه، يحاول اللحاق به:
استنى يا عامر...
الموضوع لسه فيه كلام، ما ينتهيش كده
في تلك اللحظة وقف "ياسين" أمامه، باسطًا ذراعيه، وقال برجاء:
اقف يا عمدة، الكلام أخد وعطا يا أخويا...
ما يصحش تسيبنا كده.
لكن "خالد" تقدّم، ووضع يده بحسم على كتف "ياسين"، وقال بنبرة جادة:
سيبه دلوقتي...
عامر محتاج يروق.
أما طارق اقترب من بلال، ونظراته مليئة بالضيق: أرض إيه وشروط إيه اللي بتحطها يا بلال؟ ده جواز أختك مش صفقة؟
خرج الرجال الواحد تلو الآخر، يجرّون خلفهم ظلال التوتر والخذلان، وقد فاحت في الجوّ رائحة خلافٍ ثقيل، يصعب مداواته.
داخل البيت، كان الصمت قد بدأ يتحوّل إلى قلق واضح. نظرت "غالية" إلى ابنها "بلال"، ونبرة صوتها مشبعة بالانفعال والخذلان:
ايه اللي عملته ده ياولدي؟!!
رد بلال، وقد اشتد صوته: بضمن حق أختي يا حاجة
نظرت إليه غالية نظرة طويلة، ثم قالت بغضب مكبوت:
والحج عندك...
بالأرض؟!
قال بلال بإصرار، كأنّه يعلن حربًا قديمة:
أيوه يا حاجة، الأرض دي من زمان كانت مفروض تكون لنا ومرّة ضاعت مننا...
مش عايزها تضيع تاني.
تغيّر وجه "غالية"، وكأنّ شيئًا في داخلها انكسر فجأة. حدّقت فيه، وقالت بصوت قاطع:
جولها صريّح بجى...
إنت مش بتدور على حج بدور، إنت بتدور على الأرض القديمة، وبتستغل أختك حِجّة!
في تلك الأثناء، كانت بدور في غرفتها، تجلس على طرف السرير، شاحبة الوجه، تذرف دموعًا صامتة.
اقتربت منها "منى"، وجلست إلى جوارها، تُحاول تهدئتها، تُمسك بيدها برفق وتهمس:
اهدي يا بدور...
أكيد في حل، عامر مش هيسيب الدنيا كده.
أجابت "بدور" بصوتٍ متهدّج، يكاد لا يُسمع من كثرة الألم:
حل إيه يا منى؟ إنتي عارفة عامر...
عنده كبرياء، مبيحبش حد يلوّي دراعه.
وهو أكيد فاهم إن بلال بيستغلّي...
عشان يرجّع أرض أمي اللي راحت زمان.
مني بتوتر: أنا مش فاهمة بلال ليه اتصرف كده!
أومأت بدور برأسها، وقالت بمرارة:
بلال عمره ما رضي بنصيبه...
دايمًا عينه على أرض ولاد عمي.
كل حياته بيدور على اللي مش في إيده...
وأنا، دلوقتي، بقيت وسيلة.
قالت منى بأسى:
معاكي حق...
عمره ما هيقتنع
بدور بصوت مختنق بالغصّة:
وأنا ذنبي إيه يا منى؟
ثم انفجرت في بكاء جديد، بحرقة من خُذلت ممن ظنّت أنه أقرب الناس إليها، بينما "منى" تضمّها وتحاول تهدئتها:
اهدي...
عامر مش أي حد، حكيم...
وهيفكّر، وهيلاقي حل، يرضي الكل.
لكن بدور، في أعماقها، كانت تدرك أن "الحلول" لا تُصلح ما ينكسر من الثقة.
*****************************
في طريق العودة إلى البيت، خيّم الصمت على الإخوة الأربعة كأن الهواء نفسه صار ثقيلًا، لا يُحتمل. لا أحد نطق بكلمة، كأن كلٍّ منهم غارق في أفكاره، يحاول استيعاب ما جرى.
ما إن دخلوا المنزل، حتى أطلقت "فاطمة" تنهيدة طويلة، متعبة، وقالت بصوت خافت يكاد يختنق:
يا صابرين...
أسرعت الخادمة نحوها، تمسك بيدها بحنان، فتمتمت فاطمة بوجه منهك:
تعالي يا بتي...
خُديني على الأوضة، أريّح شوية.
اقترب منها "عامر"، ونظر إليها بنبرة دافئة فيها من الحنان بقدر ما فيها من الإشفاق:
هدي نفسك يا حجة...
وروّجي شوية.
أضاف "خالد" محاولًا التخفيف من وقع الموقف:
كل شيء له حل...
ريحي دلوقتي، وبعدها نفكر بهدوء.
أومأت "فاطمة" برأسها بصمت، كأنها استسلمت للإرهاق، ثم مضت نحو غرفتها بخطى ثقيلة.
في الحديقة، جلس الإخوة الأربعة تحت صمتٍ جديد، لكنه هذه المرة كان محمّلًا بالكلام.
قال "خالد" وهو ينظر إلى عامر:
معاك حق في اللي عملته يا عامر...
بس لازم نحلها بالعقل
هزّ "طارق" رأسه موافقًا:
بلال فعلاً زودها...
بس برضو نحاول نوصل لحل وسط.
ضحك "ياسين" بسخرية ممزوجة بالغضب:
أنا مش عارف بلال ده مخّه إيه!
كل فرصة تيجي، لازم يحسبها: هايكسب منها إيه؟ حتى جوازة أخته!
رد "عامر" بنبرة ثقيلة، عينيه مشدودتان إلى الأرض:
الموضوع مش بس مكسب مادي يا ياسين...
الأرض القبلية مساحتها كبيرة، صح...
بس اللي بيحرّكه مش الطمع وبس.
فيه عند...
ثم رفع عينيه إلى إخوته وأضاف:
هو عارف إن الأرض راحت بحُكم العُرف...
عمّتي ماتجوزت عمي حسن الله يرحمه كان من بره العيلة، وماخدتش معاها أرض. دي كانت قوانيننا.
لكن بلال عايز يكسر ده...
مش علشان بدور، لأ. علشان ياخد اللي شايف إنه ضاع منه.
قال "طارق" بضيق:
والمشكلة إنه بيتحجّج ببنات عمنا عاصم...
وكأن دي حجّة تبرّر إنه يفرض شروطه علينا
هنا قال عامر بنبرة حاسمة: بنات عمّي ليهم وضع تاني...
دي ورثة شرعي، وماعندهمش إخوات ولاد، واللي هيشاركهم نصيبهم برضو مننا وفينا. وسلمي دي هتبقى مرتك يا طارق، يعني زيتنا في دقيقنا. أمّا ليلى...
نشوف الدنيا هتمشي إزاي معاها، وربك يسهّل ونوصل لكلام يرضي الكل.
ثم التفت قائلاً: إنما حكاية بدور؟ دي مش ورث...
دي طمع من بلال، عايز يرجّع أرض أمه اللي راحت من زمان، ويستخبى ورا جوازة أخته
قال خالد: بالظبط...
وللأسف واخد بدور حجة، ويا عالم حتى الأرض هتكون باسمها ولا لأ.
هتف طارق ساخرًا: يا ابن الإيه يا بلال...
دايماً طمعان
ضحك ياسين بمرارة: طول عمره طماع.
وبينما كانوا يتبادلون الحديث في الحديقة، خرجت ليلى وسلمى من الصالة، متجهتين نحو الممر المؤدي إلى المزرعة. كان صوت النقاش لا يزال مسموعًا، فتوقفتا لحظة، والتقطتا بعض العبارات.
ما إن لمح طارق وجودهما، حتى نهض مبتسمًا وهو يشير بيده:
أهلاً، أهلاً...
تعالوا اقعدوا معانا.
لكنه لم يكمل، إذ قال عامر بنبرة هادئة يغلّفها الإرهاق:
أنا هطلع أريح
تبعه ياسين، وقال:
وأنا هطلع أطمن على الحاجة...
من ساعتها وهي قافلة على نفسها.
خرج الثنائي، فتوجّه طارق نحو سلمى، وقد بدا الانفعال والغضب على ملامحها:
تعالي اقعدي معانا...
لكن سلمى ردت بحدة واضحة:
لا، مش عاوزين...
كنا هنتمشّى شوية في المزرعة.
رفع طارق حاجبيه بدهشة:
دلوقتي؟ ده الوقت اتأخر.
قالت بعناد:
وايه يعني؟ يلا يا ليلى.
لكن ليلى وضعت يدها على ذراع أختها بلطف:
استني يا سلمى...
نتكلّم بدل ما تمشي وانتي متضايقة.
اقترب طارق بخطوة، وقال بقلق:
نتكلم في إيه؟
نظرت إليه سلمى بعينين تغليان بالغضب:
نتكلم في تقسيمكم لينا...
والأرض.
رد طارق، وقد بدا عليه الاستغراب: مش فاهم قصدك.
صاحت سلمى بانفعال:
من شوية كنتوا بتتكلموا إن العمدة رافض يكتب لبدور أرض لأنها ملهاش ورث، لكن احنا عشان عندنا ورث، يبقى جوازنا وسيلة تضمن إن الأرض ما تطلعش برا العيلة!
هتف طارق وقد نفد صبره:
إيه العبط ده اللي بتقوليه؟!
تدخل خالد بهدوء، وربّت على كتفه:
طارق...
اهدا، وفهمها بهدوء.
لكن سلمى زادت انفعالها:
مش عايزة أفهم...
كفاية اللي سمعته
وقبل أن تنسحب، أمسك طارق بذراعها :
لا...
هتسمعي وتفهمي.
اقتربت ليلى من أختها، لكن خالد أوقفها بإيماءة هادئة:
سيبيهم...
لازم يتكلموا لوحدهم....
تعالي نقعد هناك لحد ما يخلصوا
ذهبت ليلى على مضض، وجلست على أقرب كرسي،بينما جلس خالد أمامها، عاقدًا كفيه بهدوء مراقب.
ثم قالت بعد صمت، بنبرة مزيج من السخرية والأسى:
الأرض عندكم دايمًا سبب في المشاكل والتوترات.
رفع خالد عينيه إليها، وردّ ببرود مشوب بالحذر:
تقصدي إيه؟
قالت، ونظرتها تتنقّل بينه وبين الحديقة:
بدور قلبها انكسر النهاردة...
اليوم اللي كان مفروض يكون من أسعد أيامها، اتقلب عتاب وصدام علشان أرض.
وسلمى...
فهمت إن طارق بيتجوزها علشان الأرض.
اقترب منها قليلًا، وشبّك يديه أمامه، فتراجعت بهدوء.
قال وهو يحدق فيها:
مش شايفة إنك بتحكمي من منظور عاطفي يا دكتورة؟
رفعت حاجبيها باستغراب:
عاطفي؟ إزاي يعني؟
أجابها بهدوء:
يعني كل حاجة وراها سبب.
عامر ليه أسبابه لرفض ...
وسلمى يمكن فهمت الكلام غلط.
قالت بعد لحظة صمت، بصوت فيه مزيج من الحيرة والغضب:
طيب، إيه السبب اللي يخلي راجل يوقف جوازه من واحدة عاوزاها علشان أرض؟
ابتسم خالد ابتسامة جانبية، وقال بهدوء:
عشان لو عاوزاها فعلًا...
مش هيقبل إنها تكون شروة في سوق المساومة.
وأظن في حد رفض يكون شروة قبل كده...
مش كده؟
رمقها خالد بنظرة طويلة، عميقة، تحمل في طياتها ما لم يقله. ثم اقترب قليلاً من جلسته، حتى شعرت ليلى بالمسافة تتقلص بينهما بشكل أربكها. قال بصوت منخفض، لكنه شديد الوضوح:
اللي بيقول "مش هبيع نفسي مقابل أرض"...
لازم يفهم إن غيره كمان بيرفض يتساوم
فهمت تمامًا قصده...
كان يذكّرها بما قالته يوم قراءة وصية عمها "ماهر"، حين وقفت في وجه الجميع ورفضت فكرة أن تُستخدم كوسيلة لحماية الميراث.عندما قالت لعمها وسيف "احنا مش شروة"
شعرت بأن الأرض تضيق من حولها، وبأنها محاصرة في زاوية لم تكن مستعدة لها...
لا من كلماته، ولا من نظراته.
********
على الجانب الآخر من الحديقة، كانت "سلمى" تتحدث بانفعال متصاعد، كلماتها تتداخل وتتسابق، حتى قاطعها "طارق" بنبرة صارمة، ناظراً في عينيها بثبات:
بصي يا سلمى...
هما كلمتين. لا طارق صقر ولا عيلته بياكلوا حق الستات، ولا عمرنا طمعنا في ورث حد. عندنا من زمان، الأرض للرجالة، والبنات بيتعوضوا بفلوس أكتر، خصوصًا لو اتجوزوا من بره العيلة. لأن البنت ممكن تبيع، أو جوزها يتصرف في الأرض على مزاجه...
وإحنا مش عايزين غريب يدخل بين أراضينا اللي كلها كتلة واحدة.
ثم أكمل، وعيناه لا تفارق وجهها:
ده حصل زمان مع عمتي "غالية" لما اتجوزت "حسن" الله يرحمه، وكان من بره العيلة. بابا وعمامي عوضوها بفلوس، وبنصيب في شركة الاستيراد...
كل حاجة. إنما إنتي هتتجوزي واحد من العيلة.
تابع بنبرة هادئة لكنها واثقة:
وبما إنك مالكيش في الزراعة، ولا في متابعة المزارعين ولا إيجارات الأرض، فاللي هيمسك ده طبيعي يكون أنا أو حد من إخواتي...
مش طمع، بس مسؤولية ومتابعة..
ثم توقف لحظة، وقال بنبرة حاسمة تخلو من المجاملة:
بس لو شايفة إنك تقدري تتابعي الأرض والمستأجرين والمحاصيل...
اتفضلي. محدش هيمنعك. وبقولها للمرة التانية...
طارق صقر ما بيطمعش في ورث مراته.
ثم استدار، وغادر دون أن ينتظر ردًا. ظلّت "سلمى" واقفة، تتنفس بصعوبة، وصوت قلبها يكاد يعلو على سكون الليل.
من بعيد، كانت "ليلى" تراقب المشهد. لم تستطع تجاهل التوتر الذي حمله وجه "طارق" وهو يبتعد، ولا الدموع في عيني "سلمى". فاستأذنت من "خالد" بهدوء، متعللة برغبتها في الاطمئنان على أختها، لكنها في قرارة نفسها، كانت تهرب من ذلك الحصار الذي بات يحيطها كلما اقترب "خالد" بنظراته الهادئة وكلماته المحسوبة.
سارت بخطوات سريعة، حتى وصلت إلى طرف الحديقة حيث كانت "سلمى" تجلس وحدها، تمسح دموعها بكف مرتجف.
قالت ليلى، بنبرة مشفقة لكنها متوترة:
إيه يا سلمى؟ بتعيطي ليه؟
رفعت "سلمى" رأسها، وعيناها محمّرتان، وصوتها متقطع:
حاسة إني غلطت...
اتكلمت مع طارق بطريقة ما يستاهلهاش.
تنهدت "ليلى" وجلست بجوارها، واضعة يدها على كتفها:
ما أنا قلتلك، اهدي...
بطلي تندفعي كده. انتي ماشية زي القطر، ما بتلحقيش تفكري.
أومأت "سلمى" برأسها بأسى:
"معاكي حق...
بس أنا اتغاظت من اللي حصل لبدور النهاردة، وكمان الكلام اللي اتقال عن جوازنا...
حسيت إني مجرد وسيلة علشان الأرض تفضل جوه العيلة."
هزّت ليلى رأسها بتفهُّم:
"معلش...
بس لازم تهدي برضه. وبصراحة، زي ما فهمت من خالد، عامر ليه أسبابه في اللي عمله مع بدور، وبرضه ماينفعش خالص يتحط شرط زي ده علشان الجواز يتم."
تنهدت سلمى، وقالت وهي تمسح دموعها:
"صح...
طارق قالّي إن عمتي غالية زمان لما اتجوزت عمو حسن، وكان مش من العيلة، عمامي ما رضيوش يدّوها أرض...
وعوضوها بفلوس. بس بلال...
شكله مش قادر ينسى إن باباه ماكنش بنفس وضع عم العمدة، فحاسس إنه لازم يعوض اللي ضاع، حتى لو عن طريق بدور."
ابتسمت "ليلى" ابتسامة خفيفة، وقالت:
شفتي؟ إحنا استعجلنا في الحكم.
نظرت إليها "سلمى" بحيرة:
طيب...
أعمل إيه دلوقتي؟
ربّتت "ليلى" على يدها، وقالت برقة:
ولا حاجة. اهدي، واتكلمي معاه من غير غضب. المواضيع دي محتاجة عقل...
مش قلب وبس.
سكتت "سلمى" للحظة، ثم أومأت برأسها، وكأنها بدأت تدرك كم كانت تتصرف بدافع الألم، لا الفهم.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟
✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:
👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور
🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━