في ساحةٍ فسيحة أمام المجمع الخيري، تجمّع الناس بعد صلاة الجمعة، والهواء يحمل نسماتٍ خفيفة تعبق بروح الاحتفال. لافتاتٌ بسيطة ترفرف في الأفق، وأعلامٌ صغيرة تزيّن الطريق المؤدي إلى المباني الجديدة: المستشفى، المدرسة، والمشغل الحرفي. ثلاثة مبانٍ تقف جنبًا إلى جنب، بواجهاتٍ مشرقة تنبض بالأمل والحياة.
كان عامر في المقدمة، يستقبل الأهالي بابتسامة هادئة ووقار العمدة يكسوه. إلى جواره خالد وطارق، يراقبان المشهد باهتمام.
اقترب طارق من ياسين وهمس مازحًا:
ـ شايف اللي أنا شايفه؟
رمقه ياسين بنظرة سريعة نحو المنصّة التي أُعدّت على عجل، ورد بخفة:
ـ ملاحظ إن عمك ماهر واقف كأنه هيفتتح العاصمة الإدارية.
ضحك طارق وأضاف ساخرًا:
ـ وبيوزّع ابتسامات على الناس كأنه بيقولهم: شايفين؟ أنا ورا كل ده.
تبادلا نظرات التفاهم والضحك المكتوم، لكن سرعان ما التفت عامر إليهما بنظرة حازمة، فاعتدل طارق سريعًا، وأشار له بإبهامه مع ابتسامة خفيفة وهمس لياسين:
ـ العمدة واخد باله...
خفّ الهزار.
تقدّم عامر نحو الميكروفون، وعمّ الهدوء المكان. بصوته الهادئ الواثق قال:
ـ "بسم الله الرحمن الرحيم...
النهارده بنفتتح مشروع كنا بنحلم بيه من سنين.
مستشفى تعالج الناس، ومدرسة تربي ولادنا، ومشغل يفتح بيوت بشغل كريم.
الشكر لكل اللي اشتغل بصدج، ووقف على رجله علشان نكمّل المشوار.
وربنا يكتب الخير للبلد."
تعالت التصفيقات بحرارة، وارتسمت على الوجوه ملامح الفخر والرضا. لكنّ اللحظة لم تدم طويلًا؛ إذ تقدّم ماهر بخطواتٍ واثقة نحو الميكروفون، من دون أن يُدعَى، وقال بصوتٍ جهوري ونبرةٍ انتخابية واضحة:
ـ فرحان إننا بنشوف مشاريع زي دي في بلدنا...
وده دليل إن في ناس بتشتغل من جلبها.
بس اللي أهم من الافتتاح هو الاستمرار.
واللي هيضمن ده؟ إننا نختار الناس اللي تكمّل وتحافظ.
الانتخابات جاية...
وكل صوت في رجبتنا.
ساد الصمت لثوانٍ، والرسالة كانت أوضح من أن تُفسَّر.
اقترب ياسين من طارق وهمس ساخرًا:
ـ ده مش افتتاح...
دي دعاية انتخابية ببلاش
رد طارق بخفة:
ـ "ناقص يقول: صوّتوا لماهر...
رمز النخلة."
كبتا ضحكهما بينما أعاد ماهر الميكروفون لعامر، الذي تجاهل المداخلة ببرود، وأكمل مراسم الافتتاح بهدوءٍ..
بدأ الناس يتوزعون على المرافق. النساء توجّهن للمشغل، وبعض الرجال دخلوا عيادة المستشفى، بينما الأطفال طافوا ساحة المدرسة بفضول وفرح.
*****************************
كانت بدور جالسة في صمت، تحمل فنجان شاي لم تشرب منه شيئًا. نظراتها معلّقة على لا شيء، كأنها تفتش في الفراغ عن جواب لا تعرفه.
جلست منى قبالتها، تراقب شرودها للحظات، ثم قالت بهدوء:
"مالك يا بدور؟ سرحانة كده ليه؟"
تنهدت بدور، ثم ردّت بعد تردد:
"عامر...
من يوم الافتتاح، وهو لا كلّمني، ولا سأل، ولا حتى رسالة."
رفعت منى حاجبيها بتعجّب:
"يمكن انشغل في حاجة...
المشروع لسه جديد، والمسؤوليات كتير."
هزّت بدور رأسها ببطء، وعيناها تمتلئان بحيرة:
"حتى لو انشغل، مش يتصل؟ يسأل؟ ده يدوب اتخطبنا، وتاني يوم كان الافتتاح...
وبعدها بقالنا كم يوم الدنيا سكتت. لا كلمة ولا تليفون."
قالت منى بنبرة عملية:
"طب ما تكلميه إنتي؟ اسأليه، يمكن منتظر منك خطوة."
اتسعت عينا بدور، وردّت بسرعة:
"أسأل أنا؟! لا طبعًا...
هو من أولها كده؟ أنا أتصل وأسأل؟"
ضحكت منى بخفة:
"ماشي يا ستي...
هنرسم التقل من دلوقتي."
هزّت بدور رأسها، وقالت بنبرة أعمق:
"مش موضوع تقل يا منى...
بس أنا حاسة إن عامر حسبها بعقله. لقى إن أنا متعلقة بولاده، وهما كمان، و يمكن حتى مرات عمي لمحتله يتقدم ليا، فطلبني. بس قلبه...
مش حاسة إنه ميّال."
سكتت منى للحظة، ثم سألتها بنظرة مباشرة:
"يعني إنتي شايفة إن قلبه مش ميّال ليكي؟"
صمتت بدور، فكّرت للحظة، فتقدّمت منى في كلامها:
"طب تفسّري بإيه وشّه اللي اتقلب أول ما عرف إن جالك عريس؟"
ارتبكت بدور، وخفضت عينيها، ولم ترد. فتابعت منى، بنبرة فيها دفء ومزاح:
"عامر يا بدور مش من النوع اللي يتجوز لمجرد إن عياله عايزينك. وده مش جواز مجاملة. عامر أخويا مش بتاع كلام كتير زي طارق وياسين، بس قلبه لما بيحس، بيفكر كويس قبل ما ياخد خطوة. ولو الموضوع مجرد مسؤولية، كان اتجوز من زمان، مش بعد وفاة ضحي بكذا سنة."
نظرت منى في عينيها وأضافت بابتسامة:
"أكيد فيه حاجة في قلبه ليكي...
بس انتي يمكن خايفة تصدقي."
أشاحت بدور بوجهها، تخفي ارتباكها، وعضّت على شفتها دون أن تنبس بكلمة، بينما ظل قلبها مضطربًا بين الشك والتمني.
********************
خرجت ليلى من باب المستشفى، تمسك بحقيبتها الصغيرة وتجرّ خطواتها ببطء، كأنها تسير داخل غيمة من شرودٍ لا قرار لها. كان النهار يلفظ أنفاسه الأخيرة، والضوء الذهبي يتسلل إلى الغروب رويدًا رويدًا، بينما كانت هي غارقة في أفكارها، لا تدري إلى أين تمضي.
واصلت السير دون وجهة، حتى وجدت نفسها في ممرٍ زراعي ضيّق، تحفّه الأشجار من الجانبين كأنها جدران صامتة. توقفت فجأة، التفتت حولها بقلق...
المكان لا يبدو مألوفًا، والظلال بدأت تتكاثف كأنها تقترب منها.
وقبل أن يتجذر الخوف في صدرها، سمعت صوت سيارة تقترب ببطء، يتسلل إليها مع هديرٍ خافت. ارتبكت وتسمّرت في مكانها. توقفت السيارة على بُعد خطوات منها، وانخفض الزجاج الأمامي بهدوء...
كان خالد خلف المقود.
فتح الباب المجاور له بهدوء، والتفت إليها بابتسامة جانبية خفيفة تحمل مزيجًا من السخرية والاطمئنان، وقال بنبرة هادئة:
"شكلك توهتي يا دكتورة."
حاولت ليلى تدارك الموقف، وقالت بلهجة مرتبكة، تسبقها ابتسامة خجولة:
"لا...
أبدًا، كنت بتمشى شوية بس."
رمقها خالد بنظرة مستغربة، ثم قال:
"بتتمشي دلوقتي؟...
وهنا؟"
أطرقت رأسها بخجل، وردّت وهي تحاول أن تبتسم:
"أيوه...
يمكن سرحت شوية، ومخدتش بالي."
ضحك بخفّة، وقال وهو يومئ برأسه:
"كويس إن لحقتك قبل ما تكمّلي سرحانك وتوصلي على البلد اللي جنبنا."
ثم أشار بيده نحو المقعد بجانبه، وابتسامته لا تزال حاضرة:
"اركبي."
ترددت للحظة، ثم فتحت الباب وجلست، لا تزال ملامح التوتر الخفيف على وجهها. انطلقت السيارة ببطء، وصمتٌ قصير خيّم بينهما.
وبعد دقائق، كسر خالد الصمت، سائلًا بنبرة هادئة دون أن يلتفت إليها:
"مرتاحة في الشغل؟"
نظرت إليه، وبدت عليها المفاجأة، لكن سرعان ما انفرجت ملامحها عن ابتسامة صادقة:
"آه جدًا...
حاسة إني أخيرًا رجعت لمكاني...
للمكان اللي بحبه."
لم يعلّق، اكتفى بإيماءة خفيفة، وعاد الصمت من جديد، لكنه كان صمتًا مريحًا.. يشبه المدى المفتوح على الجانبين، والزراعة التي لا تطلب إلا أن تُمرّ بجانبها بصمت مطمئن.
**************
في ذلك المساء الهادئ، دخل بلال إلى الغرفة بخطوات واثقة، يحمل في يده كوبًا من الشاي، ومدّه نحو منى وهو يبتسم بهدوء. قال بصوته الرتيب كمن يفتح باب حديث عابر إن الجو لطيف، والشاي في وقته.
أخذت منى الكوب شاكرة، وهي تبتسم بخجل خفيف، ثم جلست على الطرف الآخر من الأريكة. جلس بلال قبالتها، ينظر إليها للحظة، ثم قال بنبرة بدت عادية، لكنها كانت تحمل ما هو أبعد من الكلمات.:
كنت بفكر في موضوع الأرض. مش شايفة إن إخواتك بقى عندهم مشاغل كتير؟ طارق وعامر في المجمع، وفرع القاهرة بيكبر، ولسه الاتنين داخلين على جواز. ليه ما أتولى أنا متابعة الأرض؟ أهو أبقى شايف كل حاجة وأريحك.
رفعت منى عينيها نحوه، وعلى ملامحها ارتباك صامت. ردّت بتردد، كأنها لا تزال تبحث عن صيغة مناسبة للاعتذار.: مش عارفة يا بلال، أنا متعودة إن إخواتي هم اللي بتابعوا ارضي، والدنيا ماشية كده من زمان.
اقترب بلال منها بخطوة، ثم مد يده ووضعها على كتفها بخفة. صوته جاء ناعمًا على نحو لم تعهده منه من قبل.
: وأنا إيه؟ مش كلنا واحد؟ معقول جوزك موجود، وتسيبي إخواتك يتابعوا حاجتك؟ الأرض دي لعيالنا في الآخر...
وأنا أولى.
شعرت منى بشيء لم تستطع أن تسميه. لم يكن ارتياحًا، ولم يكن نفورًا صريحًا، لكنه ذلك الشعور الغريب حين يتغير مألوف قديم دون إنذار. لم تعتد من بلال هذا القرب، لا في المسافة ولا في اللغة.
سحبت كتفها بهدوء، وأجابت بصوت خافت، كأنها تحاول إنهاء الحديث بلطف:
. إن شاء الله يا بلال، هشوف مع إخواتي.
ابتسم بلال إيماءة خفيفة، ونهض وهو يردد أن القرار في يدها، وأنه موجود وقت الحاجة. ثم غادر الغرفة بخطاه الهادئة، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا لم تفهمه منى...
لكنها شعرت به تمامًا.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟
✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:
👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور
🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━