تناهت المشاعر في هدوء، من بين نظرات مضطربة وكلمات خجولة، حتى تلاقت القلوب على استحياء، وبدأ الحب طريقه بصمتٍ جميل، يتسلل بين التردد والعناد، كأنما قدَرٌ لا مهرب منه.
**********************
في مساءٍ تلبّده سكينةٌ غير معتادة، وبعد أيامٍ من الغياب، وقف عامر أمام بيت عمته "غالية"، بخطوات موزونة، يحمل في قلبه ما لم يقله لغيره، وتسبقه مشاعر لم يعتد مواجهتها. استقبلته عمته كعادتها بابتسامة دافئة وترحاب ينبع من طيبة القلب، وكان بلال جالسًا، يبادل عامر التحية بجدية أقرب للترحيب الحذر.
لم تمضِ دقائق على جلوسه، حتى دخلت بدور لإلقاء السلام. وقف الزمن للحظة بين النظرات. كانت خطواتها بطيئة، وعيناها لا تخفيان شيئًا مما تحمله في صدرها. جلس عامر متماسكًا، بينما قال بلال بنبرة عادية:
اقعدي يا بدور.
جلست بدور، لكن لم تكن الجلسة مريحة، ولا النظرات معتادة. شاحبة الملامح، مقتضبة الردود، وشاردة النظرة...
وكأن شيئًا يُثقل قلبها. عامر لاحظ، ولم يكن يجهل السبب، فقد أخبرته منى أن بدور حزينة من تجاهله خلال الأيام الماضية.
استند عامر قليلًا للأمام، وقال بنبرة هادئة، كأنه يُلقي بحجرٍ في مياه راكدة:
عمتي...
بلال...
هستأذنكم في طلب.
نظر بلال له باهتمام:
تفضل يا عمدة.
غالية اكتفت بنظرة تنتظر ما سيُقال، وبدور رغم جمود ملامحها، ارتفع نبض فضولها فجأة.
عامر قال ببساطة توحي بالثقة:
أنا شايف إنّه مفيش لزوم نطوّل في موضوع الخطوبة أكتر من كِدَّه...
ابتلعت بدور ريقها، واتسعت عيناها بذهول، ونظر عامر إليها نظرة حانية لم تعهدها منه، ثم أكمل:
يعني يا عمتي، إحنا وبدور مش جداد على بعض...
دي بنت بيتنا قبل ما تبقى خطيبتي ومراتي مستقبلاً.
خيم صمت لحظي، تبعته تنهيدة خفيفة من بدور، لم يلحظها غيره، وارتعشت نظراتها في محجرها.
تابع عامر:
انا شايف إننا نكتب الكتاب الخميس الجاي.
بلال، بدهشة:
بالسرعة دي يا عمدة؟! إدينا وقت نجهز نفسنا.
ابتسم عامر:
قدامنا أسبوع...
كل حاجة هتكون جاهزة. أنا بلغتهم يجددوا الجناح بتاعي في القصر، وبدور تنزل وقت ما تحب تختار العفش اللي يعجبها. ترتيبات الفرح، خالد وياسين وطارق هيتصرفوا.
ردت غالية بحيرة:
والله يا ولدي مش عارفين نجول إيه..؟
رد عامر : نجول نتوكل على الله يا عمتي.
ثم التفت لبدور، وعيناه تُكملان ما لم يقله لسانه:
ولا إيه يا عروسة؟
ارتبكت بدور، لم تجد ما تقول، فكيف يتجاهلها لأيام ثم يأتي بطلب تعجيل الزواج؟ أي مشاعر تلك التي تملأ قلبها حيرةً؟
تدخل بلال ليكسر التوتر:
طيب يا عمدة، بدور كمان محتاجة تجهز نفسها.
رد عامر: بالنسبة لفستان الفرح وأي ترتيبات، تنزل من بكرة مع منى وتشتري اللي هي عايزاه.
ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه، وناولها لبلال.
بلال، وهو يفتحها بفضول:
إيه دي يا عمدة؟
عامر: ده مهر بدور.
نظر بلال في الورقة. كانت عقد بيع فيلا بالمعادي باسم "بدور".
إنت كتبتلها فيلا باسمها؟!
عامر، بهدوء: دي أقل حاجة لبدور.
قاطعتهم بدور بارتباك:
أنا مش محتاجة حاجة يا عمدة.
نظر إليها بلال بحدة، بينما عامر أطلق نظرة حزينة:
ليه كده؟ ده حقك...
ومهرك.
غالية تدخلت سريعًا بدمعة فرح:
تعيش يا ولدي...
وتفرّحها دايماً
ثم غمزت لبلال، وقاما سويًا ، ليتركا لهما مساحة الحديث.
خيم الصمت للحظات، قبل أن يقطعه عامر:
إيه يا بدور؟ كأني شايفك مش مبسوطة؟ لا بمجيتي...
ولا بمهرِك؟
ردت بدور بصوت مرتجف:
أنا مش محتاجة تكتبلي حاجة. ياعمدة.. ولو كنت عامل كده علشان أخويا طلب منك...
فبقولك، أنا مش عايزة.
اعتدل عامر في جلسته، وقابلها وجها لوجه، وصوته يخرج رخيمًا وهادئًا:
أولًا...
ماينفعش تجولي للرجل اللي هيبقى جوزك بعد كام يوم: "يا عمدة"...
ليا اسم.
ارتبكت، وخفضت عينيها حياءً.
ثانيًا، أنا مكتبتش الفيلا علشان بلال طلب...
كتبتها لأن ده مني ليكي...
مش أنا اللي حد يلوي دراعي.
وثالثًا...
ممكن أعرف ليه جالبه وشك من ساعة ما دخلت؟
ردت بتحديٍ خفيف:
يعني كأن فارق معاك تعرف السبب ؟
عامر بتحدي: وليه مايفرجش؟ مش هتبجي مراتي؟
ارتجفت للمرة الثانية، تلعثمت...
وعيناه تخترق وجدانها، ثم سألها:
ها؟ إيه السبب؟
قالت بمرارة:
يعني...
كأن الجوازة دي بالنسبة ليك مجرد فرصة كويسة...
شايف أولادك متعلقين بيا، وأكيد مرات خالي زنت عليك، فقلت أهي بدور أحسن من الغريبة.
هز رأسه ببطء:
يبجى أنتي لسه متعرفنيش كويس...
لو تعرفيني، مش هتجولي اكده.
ردت بسرعة:
طيب تفسّر إيه من يوم خطوبتنا، لا اتصال ولا سلام؟
أفسر إن الأسبوع ده كله كنت في القاهرة بخلص عقد الفيلا، وبجهز ترتيبات الفرح.
سكتت بدور، بينما قلبها ينبض بخجل غير مألوف.
أكمل عامر:
ومش أنا اللي هتجوز علشان زنّ أمي...
لو كنت عايز أتجوز كنت اتجوزت من سنين، من بعد وفاة ضحي...
الله يرحمها.
همست بدور بتوتر:
الله يرحمها.
شردت للحظة...
وشيء ما في ذكرى أختها يجعلها تشعر بالذنب.
سألها عامر وهو يراقب شرودها:
رُحتي فين؟
ولا حاجة...
معاك.
إن شاء الله دايمًا معايا.
ابتسمت:
إن شاء الله.
أفهم من كده إننا اتصافينا؟
أومأت برأسها خجلًا
وفي لحظة صمت قصيرة، تسللت ابتسامة إلى وجه بدور، ابتسامة خجولة لكنها حقيقية، فيما استقرت نظرة عامر عليها، تشبه وعدًا لا يُقال بالكلمات. لعلّ كل العقد لم تُحلّ بعد، لكن شيئًا ما تغيّر...
وبدأت المسافة بين القلبين تقصر.
**************************
كانت سلمى واقفة في الحديقة، متوترة، وعيناها تائهتان في الفراغ. صوتها يحمل نبرة اعتراض لم تفلح في إخفائها، رغم محاولات الثبات.
قالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
– جواز إيه بعد شهر يا طارق؟! إنت مش شايف إن كل حاجة ماشية بسرعة؟ قرار الخطوبة، دلوقتي معاد الفرح...
كل مرة بلاقي نفسي قدام أمر واقع، وكأني مش طرف في الموضوع!
اقترب طارق منها قليلًا، يحاول تهدئتها، وعيناه لا تفارقان وجهها المرتبك:
– إنتي ليه واخدة كل حاجة كأنها فرض؟ وليه ما تقوليش إني حاسس إني اتعلقت بيكي؟
إني محتاجك تكوني في حضني النهارده قبل بكرة؟
ارتبكت سلمى، واحمرّ وجهها خجلًا من صراحته، تراجعت خطوة لكنها لم تهرب. اقترب منها طارق خطوة أخرى، وهمس:
– ولا إنتي ليكي رأي تاني؟
أجابت، وقد أزاحت نظرتها عنه، بخجل وتوتر:
– طارق...
لو سمحت، إحنا بنتكلم جد
ابتسم طارق بخفة، وقال:
– وأنا والله بتكلم جد الجد
ثم مدّ يده بهدوء، أمسك بكفها، وقادهما إلى أقرب مقعدين في الحديقة. جلس بجوارها، وصوته انخفض، كأن ما سيقوله لا يليق أن يسمعه سواها.
قال بصوت خافت:
– سلمى...
إحنا بقالنا شهور مع بعض،وقبل كده كمان، إحنا مش لسه غرب وبنتعرف...
والفترة الجاية، شغلي هيكتر في القاهرة، ونزولي البلد هيبقى قليل،وأنا مش بحب أكون في مكان، وإنتي في مكان...
مابكونش مطمّن.
قاطعته سلمى، بنبرة اعتراض:
– ليه يعني مش مطمن؟! ما أنا قاعدة وسط أهلنا.
ابتسم:
– يا ستي، حتى لو...
بحبك تكوني قدام عيني دايمًا.
قالت بنبرة تجمع بين السخرية والاعتراض:
– ده تملّك بقى.
ضحك طارق مداعبًا:
– افهميها زي ما تحبي.وبما إنك "ملكية خاصة لطارق صقر"،خدي عندك دي كمان ممنوع اللبس اللي حضرتك بتلبسيه ده.،وأظن قلتلك قبل كده.
احتدّ صوتها فجأة، وهي تدافع عن نفسها بعصبية:
– طارق...
بتقول إيه؟!ماله لبسي يعني؟
لو أنا مش عاجباك...
محدّش جبرك تتجوزني
ردّ بجدية:
– أنا قلت "لبسك" اللي مش عاجبني، مش "إنتي"...
وتفرق كتير يا هانم.
أجابت بعناد وحدة:
– لا، متفرقش، لبسي يعني شخصيتي...
يعني أنا
ارتفع التوتر، لكنه أشار بيده ليهدّئ الموقف، وقال بابتسامة ساخرة:
– بالله عليكي، واحدة قمر زيك، وجسمها قمرين...
نص رجالة البلد بصّوا عليكي يوم الافتتاح
احمر وجهها خجلًا، لكن الغضب لم يفارقها:
– نعم؟! رجالة إيه؟!إنت محسّسني إني كنت لابسة حاجة مش محترمة!
أجاب بنبرة جادة:
– مش القصة "محترمة" ولا لأ...
بس لبسك اللي هناك في دبي حاجة و اللي لازم يكون هنا في وسط صعايدة حاجة تانية خالص
قالت متحدية، ونبرتها تعكس تمسكها بذاتها:
– بس دي أنا..سلمى بتاعة دبي، هي هي سلمي هنا.
تنهد طارق، وقال بنبرة صريحة:
– ياسلمي واضح إنك مكنتيش واخدة بالك بجد يوم افتتاح المجمع...
الناس كانت بتبصلك إزاي بالفستان المجسم اللي كنتي لابساه؟
توترت سلمى أكثر، وارتفع صوتها:
– يادي الفستان! من يومها وانت بتلومني عليه.....
خلاص، هرميه في الزبالة علشان ترتاح
ضحك طارق بخفة:
– لا، ما ترميهوش...
ده يتشال معزز مكرم...
ويتلبس ليا أنا...
لوحدي، بعد الجواز.
ازدادت خجلًا وارتباكًا، وهمست:
– يا سلام
ثم صمتت قليلًا، قبل أن تقول بنبرة حزينة:
– يعني بطريقتك دي...
شايف إننا نقدر نكمّل؟
أجاب بثقة:
– نقدر ونص...
ومش باخد رأيك، يا هانم.
اغرورقت عيناها، لكن خجلها هذه المرة لم يكن من غضب، بل من كلماتٍ تغلغلت إلى قلبها:
– كالعادة...
مليش رأي. ..وانت بقى ازاي هتتجوز واحدة مش عاجباك.!!!..
مال طارق نحوها بخفة، وصوته ينخفض:
– ده إنتي عاجباني...
ونُص، يا باشا.
خيم صمتٌ قصير، لكنه لم يكن ثقيلًا، بل كان ممتلئًا بخفقات قلبين يتقابلان رغم كل الاختلاف...
وكل الخلاف.
******************
كان خالد يقف في شرفته، شارداً، والسيجارة تتوهّج بين أصابعه، حين اخترق صمته صراخٌ حاد قادم من الطابق السفلي.
ألقى نظرة سريعة إلى الأسفل دون أن يرى شيئًا، فرمى سيجارته واندفع بسرعة نحو الدرج.
فتح الباب بعنف، ليفاجأ بها واقفة فوق السرير، بعينين متسعتين وملامح مرتبكة. كانت ترتدي منامة وردية خفيفة، لا تليق بموقفها المفاجئ أمامه، فتجمّدت في مكانها كتمثال وقد علا وجهها احمرار واضح.
توقّف يحدّق بها لثوانٍ، قبل أن يحاول كسر الصمت المرتبك بسؤال سريع:
ـ «فيه إيه؟ حصل إيه؟»
أجابت بتوتر:
"فـ...
فار."
قطّب حاجبيه بدهشة:
"نعم؟"
قالت بإحراج:
"فار...
كنت قاعدة في البلكونة، وفجأة طلع فار على السور، شكله جه من الجنينة...
"
كتم ضحكة حاولت الهرب منه، بلع ريقه وقال:
"آه...
فار، تمام."
توجه نحو الشرفة، ألقى نظرة، ثم قال بهدوء:
"شكله خاف من صوتك وهرب."
احمرّ وجه ليلى، وقالت بعصبية مصطنعة تخفي خجلها:
"يعني طبيعي إني أصرخ "
ثم رمقته بنظرة حذرة، وقد شعرت بنظراته تتفحصها، تتفحص ارتباكها، ومنامتها التي لا تخفي الكثير.
فقالت بعصبية محاولة التغطية على خجلها:
"بس حضرتك إزاي تدخل الأوضة كده من غير ما تستأذن؟"
ابتسم ساخراً، ورفع حاجبيه قائلاً:
"آه، صح...
كان لازم أسمع الصرخة وأكمل شاي فوق؟
ردت بانفعال:
"كان يبقى أحسن"
وقبل أن يتطور النقاش، دخلت سلمى فجأة، ونظرت إليها بدهشة:
"فيه إيه؟ واقفة كده ليه على السرير"
تذكرت ليلى فجأة غباء الموقف وأنها ما زالت واقفة فوق السرير كطفلة مذعورة، فنزلت بسرعة، وبدأت تروي لأختها ما حدث.
أما خالد، فخرج من الغرفة وفي عينيه لمعة خفية، وعلى وجهه ابتسامة حاول جاهداً أن يخفيها.
وعند الباب، التقى بطارق الذي كان قادمًا مستفسرًا:
"إيه الصويت ده؟ وانت كنت بتعمل إيه هنا؟"
رد خالد باقتضاب، وهو يحاول كتم ضحكته:
"فار."
قطّب طارق حاجبيه بدهشة:
نعم ياخويا؟!
غمز له خالد بخفة، وقال وهو يبتعد ضاحكًا:
"بقلك...
فاااار."
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟
✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:
👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور
🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━