18 - الفصل 18: الفصل الثامن (البارت الثاني)

كان اليوم المنتظر قد حلّ أخيرًا...

اليوم الذي انتظرته بدور سنوات طويلة، وهي تتأرجح بين رغبة عميقة في الاقتراب من عامر، وبين خوف خفيّ يشدّها إلى الوراء. كلما خطت نحو الحلم، ارتسمت أمامها صورة أختها الراحلة، فاجتاحها إحساس بالذنب وكأنها تخون ذكراها. لكن، من بعيد، كان هناك صوت آخر يهمس داخلها: "دي الخطوة الصح...

مفيش حد أقرب لأولاد أختك منك".

أفاقت من شرودها على صوت " مني" وهي تطلق زغرودة مدوّية، تبعتها موجة من البهجة في أرجاء البيت. تقدمت غالية بخطوات هادئة، وضعت يديها برفق على كتفيها، وقالت بعينين يغمرهما الحنان:

"ما شاء الله يا بتي...

زي الجمر. ربنا يحرسك ويتمّم لكِ بخير يا رب".

لم تكد الكلمات تترسخ في أذنها، حتى جاء صوت طرق خفيف على الباب، ليُعلن دخول بلال وهو يحمل دفتر الزواج بين يديه. تقدّم مبتسمًا بخطوات واثقة، ناولها القلم، وهي تشعر بتوتر خفي يرفع خفقات قلبها مع كل لحظة. وفي الخارج، تعالت الزغاريد، وكأن الجدران نفسها تشاركها فرحتها، تهتزّ بالتصفيق والفرحة الصاخبة.

لم تلبث ثوانٍ قليلة حتى ارتفعت أصوات الشيخ في أرجاء البيت، وتردّد صدى دعواته بين الجدران:

"بارك الله لهما، وبارك عليهما، وجمع بينهما في خير."

كانت الكلمات تتناغم مع دقّات قلبها المتسارعة، ومع كل كلمة شعرت وكأن نبضاتها ترتفع، حتى بلغت ذروتها حين لمحته أمامها. عامر، في أبهى صورته، يرتدي الجلباب الأبيض الناصع، وهيبته تملأ المكان، ونظرته العميقة تُربكها وتسرق أنفاسها حين اقترب منها.

لم تنتبه لوجود الآخرين حولها إلا حين قطع أخوها بلال صمت الفرحة قائلاً بنبرة مرحة:

– يلا يا بنات، اسبقونا على العربيات.

اقترب عامر منها، ومال نحوها بصوته العميق، هامسًا وكأن الكلمات وحدها بينهما:

– ما شاء الله...

بدر البدور.

ابتسم لها ابتسامة دافئة، ووضع يده على يدها برفق، وكأنها تُمثل طمأنة ومشاركة لمشاعرها في تلك اللحظة الفريدة:

– مبروك...

ربنا يسعدك معايا يا رب.

خفضت رأسها خجلًا، وهمست مرتجفة:

– الله يبارك فيك.

ثم سارا معًا نحو قصر آل صقر، بينما أصوات الطلقات النارية تتردد في السماء، والوجوه من حولهما تفيض بالفرح والاحتفال.

**********************

في القصر الكبير كانت الأضواء تتلألأ في كل زاوية، والبيت يضج بالحركة والضحكات، إذ توافد الضيوف والمهنئون من شتى أنحاء البلدة. على أبواب القصر، وقف خالد وطارق وياسين، يتقدمهم عمهم ماهر، يستقبلون الوجوه القادمة بالترحاب والمصافحات.

لم تمضِ لحظات حتى انتحى ماهر جانبًا، وأمسك بهاتفه، يخاطب رجاء بصوت منخفض يقطر ضجرًا:

– أيوه يا رجّاء...

ابنك المحروس اتأخَّر ليه؟ ما هو عارفش إن النهارده فرح ابن عمّه والبلد كلها هِنا ولا ايه؟

– ومش فاكر إن أبوه بعد كام يوم داخل الانتخابات، ولازم يبجى معايا واجهة جدام الناس؟...

ما عايزش كلام كتير، عشر دجايج ويكون واجف جدامي.

وفي الداخل، كانت الصالة الفسيحة تزدحم بالفتيات، يتبادلن الأحاديث والضحكات، بينما تصدح الموسيقى العالية فتملأ أرجاء المكان، وتزيد الأجواء بريقًا وحيوية.

****************************

في أحد أركان الحديقة، كان صوتها يعلو على وقع همسات الحاضرين، حتى لفت انتباهه وهو يمر بالقرب منها. كانت تمسك بهاتفها وتتكلم بانفعال واضح:

يا سيف، أرجوك...

بابا متوتر من غيابك...

كل ده؟ خلي اليوم يعدي على خير.

أنهت المكالمة وهي تزفر بضيق، فاقترب منها ياسين وقد ارتسم على وجهه قلق ممزوج بالفضول:

في خير؟ مالك متعصّبة كده؟

التفتت إليه، وعلى ملامحها بقايا انفعال:

مفيش يا ياسين...

بس بابا متضايق إن سيف متأخر كل ده، وعامل توتر لماما.

ابتسم بسخرية خفيفة وقال:

معلش...

دي عادة سيف، من زمان ما بيلتزمش بالمواعيد. شوية وهيجي.

ثم أمال رأسه نحوها ممازحًا، وصوت الخفة في نبرته:

بس إيه الحلاوة دي النهارده؟

ارتبكت من قربه وكلماته، وردّت بلهجة متوترة:

شكرًا...

وقف أمامها يعترض طريقها، وقالت بنبرة جادّة هذه المرة:

عديني يا ياسين...

لو سمحت.

ضحك ساخرًا، واقترب أكثر:

ولوما عدّتِكيش...

إيه اللي هيحصل؟

لكن صوتًا جافًا، حادّ النبرة، جاء من خلفه ليقطع الموقف:

اللي هيحصل مش طيب يا ابن أخوي.

التفت ياسين ببطء، فوجد عمه ماهر واقفًا، ووجهه يشتعل بالصرامة:

خير يا عمي...

بهزر مع مريهان بس.

ازدادت ارتباكها، ووقفت كأن الأرض ضاقت بها،لكن ماهر، بعينين تقدحان غضبًا، قال بلهجة آمرة:

خوّشي جوه مع الحريم...

ما أشوفش ظفرك لحد ما الليلة تخلص. وبعدها...

لنا كلام تاني.

عمي...

إيه بس؟ خير مالك؟ — قالها ياسين وهو يخطو خطوة نحوه، لكن ماهر تجاهله تمامًا، وواصل سيره كالعاصفة التي لا تلتفت خلفها.

لم يكد يبتعد حتى اعترضه سيف بخطوات واثقة وابتسامة باردة. رفع ماهر حاجبيه وقال بصوت جاف:

أهلاً بالمحروس...

توّك افتكرت إن في مناسبة في عيلتك؟

ابتسم سيف ببرود:

ما أنا جيت أهو ياحاج...

روّق بس.

اشتعلت عين ماهر بنظرة حادة:

أروّج؟ أروّج كيف؟ ألاجيها مِنّك ولا مِن أُختك المَحروسة"

تغيّر وجه سيف+، وسأله بحدة:

مالها أختي؟

رد ماهر وعروقه تتوتر:

مش وِجتَها دلوجتي...

روح سلِّم عالضيوف، وأعمِّلك مَنظَر جدّام الخَلق

**************

وسط تصفيق البنات ورقصهنّ في الصالة، كانت يدها ترتجف وهي تشدّ على الهاتف، فإذا برسالة قصيرة تتسلّل إلى قلبها كهمسة مشتعلة:

"عقبال ليلتنا."

لم تكد عيناها تنهيان الكلمة حتى اضطرب قلبها، يعلو ويهبط كالموج، وهمست في سرّها: "يا رب...

"

تلتها رسالته الثانية، أكثر جرأة:

"عاوز أشوفك."

كتبت بخجل مرتبك: "ماينفعش يا طارق...

البيت مليان ناس."

جاء ردّه سريعًا، مبتسمًا بين السطور:

"هو ده عزّ الطلب...

وهما مشغولين بالدوشة والهيصة، قابليني في الجنينة اللي ورا."

كتبت بإصرار ضعيف: "لا."

لكن الرد جاء حاسمًا:

"خمس دقايق...

وألاقيكي هناك."

استسلمت لشيء أكبر من قدرتها على الرفض، واتجهت بخطوات خجولة نحو الحديقة الخلفية. وقبل أن تصل، اصطدمت فجأة بأحدهم. جاء صوته ساخرًا: حاسبي.

التفتت، تائهة في الارتباك:

آسفة...

ماخدتش بالي.

رمقها سيف بنظرة طويلة، فاحصة، لم ترتح لها ثم قال بهدوء متعمد:

مساء الخير.

أحنت رأسها وهي تتابع طريقها:

أهلًا...

مساء النور.

وغادرت مسرعة، تاركة خلفها عينين تلاحقانها، ولسان حاله يهمس في نفسه: "يا ابن المحظوظة يا طارق."

هناك، في ظل أشجار الحديقة، كان طارق ينتظر. اقترب وهمس:

إيه القمر ده كله؟

أخفضت رأسها بخجل:

يعني...

عاجبتك؟

ضحك بمكر:

إنتِ تعجبي الباشا يا باشا.

رفعت عينيها ممازحة:

وإيه رأيك في الفستان؟

قال باقتضاب:

مش بطّال.

توقفت، وارتسم العتاب على وجهها:

مش بطّال؟ كده يا طارق؟

ابتسم، مائلًا نحوها:

هو حلو...

بس ملفت حبتين.

رفعت حاجبيها باعتراض:

ملفت إيه؟ ده أنا جايباه واسع مخصوص علشان كلامك، وبرضه مش عاجبك!

اقترب منها خطوة، وصوته يلين:

إنتِ كل ما تلبسي حاجة بتكون ملفتة...

يمكن المشكلة مش في الفساتين، المشكلة فيكي إنتِ...

وفي الحلاوة اللي بتخلي أي حاجة ملفتة.

اشتعلت وجنتاها:

طارق...

مد يده نحو يدها، لكنها سحبتها سريعًا:

يلا...

هدخل للبنات قبل ما أتأخر.

حاول الإمساك بها، لكنها ابتسمت بخفة وهي تبتعد:

باي.

تململ وهو يجزّ على أسنانه: "ماشي...

يا سلمي."

تركت وراءها خطواته المترددة، وأخذت هي معها ذلك الخفقان الذي لا يهدأ.

*****************

وسط أجواء الفرح والتهنئات، مالت فاطمة نحو رجاء قائلة بابتسامة:

عقبال ليلة ميرهان يا رجاء.

ابتسمت رجاء وردّت:

تعيشي يا حاجة.

لكن عينيها سرعان ما التقطتا شرود ابنتها، فالتفتت نحوها متسائلة:

إيه يا ميرهان...

مالك؟

أجابت ميرهان بفتور:

مفيش يا ماما...

هو أنا هيكون مالي يعني؟

تدخلت فاطمة مازحة:

ميرهان شكلها مش معانا

رجاء باستفهام:

مرات عمك بتقول عقبالك وأنتِ لا بتردي ولا حاجة...

مالك ليه سرحانة.؟

ردّت ميرهان ببرود:

ـ مخدتش بالي يا ماما.

نظرت إليها رجاء مليًّا وقالت:

مخدتيش بالك! لا، شكله في حاجة.

تنهدت ميرهان بضيق:

يووه يا ماما، قلت مفيش.

ثم نهضت من مكانها فجأة، تاركة أمها في ذهول من حال ابنتها، وعينيها تتبعانها بحيرة.

وعلى الجانب الآخر...

، كانت الفتيات يحيطن ببدور، يسحبنها إلى وسطهن للرقص، وسط زغاريد عالية وتهنئات متلاحقة وتصفيق حار.

في الخارج، انطلقت الأعيرة النارية بكثرة، وتعالت أصوات الطبول، لتعلن ليلة ارتجّت لها القرية بأكملها فرحًا.

حتى اكتملت الليلة بهدوء، خفتت الأضواء، وانحسر صخب الأصوات،مخلفة خلفها عبق الذكريات الدافئة.

************

كانت بدور في غرفتها بعد انتهاء الفرح، واقفة أمام المرآة، ظهرها للباب، وأصابعها تكافح لتفكّ الدبابيس بين خصلات شعرها المتهدلة. انعكاسها في الزجاج يعكس ارتباكًا خفيفًا، وبريقًا حذرًا يتسلل إلى عينيها.

سمعت وقع خطواته يقترب ببطء، وكأن الأرض تتنفس مع كل خطوة. توقفت يدها للحظة، وشعرت قلبها يتسارع.

وقف عامر خلفها، صامتًا، يتأملها في هدوء. ظلّه انعكس على كتفيها، وصوته انساب أخيرًا، منخفضًا لكنه عميق:

– ما شاء الله...

على الجمال.

ارتعشت شفتاها بابتسامة صغيرة، لكنها لم تلتفت بعد. استجمع هو أنفاسه واقترب خطوة، وصوته هذه المرة أكثر دفئًا:

– الليلة دي...

حاسس إني محظوظ.

اقتربت أنفاسه من عنقها، فأدارت وجهها ببطء نحوه. المسافة بينهما قصيرة، حتى كادت تسمع خفقان قلبه.

وفي اللحظة التي مدّ فيها يده ليلمس أصابعها، نطق باسمها المبحوح:

– ضحي...

سقطت الكلمة في قلبها كحجر ثقيل. تجمدت ملامحها، وانسحب الدفء من وجهها. نظرت له بحدة وارتباك، ثم تراجعت خطوة للخلف وهمست بصوت مهتز:

– أنا...

بدور...

يا عامر.

ارتبك هو أيضًا، وابتلع ريقه، ثم تنحنح محاولًا إصلاح الخطأ:

– معلش...

لخبطت...

غصب عني.

لكنها لم تجبه، وبدت الدموع وهي تحجّر في عينيها. ابتعدت أكثر، وأدارت وجهها لتخفي ارتجاف شفتيها، وقالت بهدوء جاف:

– معلش.

توجهت نحو الحمام، تاركة وراءها هواءً مشحونًا بالخذلان. فمن كانت تخشى أن تفسدها ذكرى أختها، حدث بالفعل...

لكن على يديه هو، لا على يدها هي..

وقف عامر في مكانه، يشعر وكأن شيئًا انكسر بداخله،زفر بضيق، وأشعل سيجارة، ثم اتجه إلى الشرفة محاولًا تهدئة أنفاسه.

بعد دقائق، خرجت من الحمام، وملامحها متماسكة رغم أثر البكاء. أطفأ سيجارته واقترب منها، صوته هذه المرة خافت، يكاد يتوسل:

ما تاخذنيش يا بدور...

يعني جلا ما لا يسهو."

لم تطل النظر في عينيه، اكتفت بابتسامة باهتة وكلمة قصيرة:

"ولا يهمك."

ثم فتحت خزانتها، تناولت عباءة، وعادت إلى الحمام. هناك، فتحت الصنبور، وتركت الماء يختلط بحرارة دموعها وشهقاتها المكتومة.

طال مكوثها، وهو بالخارج يختلط دخان سيجارته بحرارة أنفاسه. وحين خرجت أخيرًا، توجهت إلى الفراش، واندثرت تحت الغطاء، تتظاهر بالنوم.

جلس بعيدًا يراقبها، وقلبه يجلده على زلة لسان عابرة، لكنها تركت ندبة في ليلتهما الأولى...

ندبة كان يخشى أن تلتئم بصعوبة.


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 0 مشاهدة · 1557 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026