19 - الفصل 19: الفصل التاسع(البارت الأول)

لحظات بدت بداية، فتحولت امتحانًا للقلب، وفرحة تسللت إليها الدموع، وخطوات خفية مهدت لصراع جديد، وكأن الحياة تعيد ترتيب الأوراق بلا استئذان.

************************

بعد انصراف الحضور، وبعد أن خفتت أصوات الموسيقى وزغاريد الفرح، جلست ليلى في الحديقة، مستغرقة في شرود عميق. كانت عيناها تبحثان في اللاشيء، وفكرها يسبح بعيدًا في بحر من الأفكار المتشابكة، كأن الليل كله قد اختزل بين أنفاسها.

فجأة، سمعَت تنحنحًا خفيفًا من خلفها. ارتجفت قليلًا ثم التفتت لتجد خالد واقفًا مبتسمًا باعتذار:

"بتتخضي بسرعة يا دكتور."

ردت وهي جالسة وملتفتة له نصف التفاتة:

"وأنت بتخض كتير يا بشمهندس."

ابتسم بسخرية وقال:

"أنا؟ إمتى ده حصل؟"

قالت بجدية:

"يعني أكتر من مرة، اتفاجأت بيك في وشي."

ردّ عليها بنظرة تحمل تحديًا خفيفًا، مع ابتسامة نصف مكتومة تبرز على شفتيه، وعيناه تنطقان أكثر مما يقول:

"وده شيء وحش؟!"

ارتبكت وقالت بخجل:

"مش قصة وحش ولا حلو، بس مبحبش المفاجآت دي."

قال:

"بس أنا متعمدتش أبدًا أخضك أو أفاجئك."

ليلي بدهشة:

"أمال ده اسمه إيه دلوقتي؟"

قال لها بثبات وابتسامة خفيفة:

"كنت بجّيّب حاجة من العربية وشفتك وأنا راجع."

ابتسمت بسخرية :

"زي يوم خطوبة العمدة وبدور، كنت بتجيب حاجة وشفتني في المطبخ. وزي يوم المقابر، ويوم ما كنت راجعة من المستشفى كمان فجأتني في نص الطريق . حتى يوم ما تخضيت من الفار فجأتني ولاقيتك قدامي من غير استئذان"

توقفت فجأة، مدركة ما تفوهت به وهي مندفعه، خاصة أن هذا الموقف كانت تتمنى محوه من ذاكرته قبل ذاكرتها. (وهي تقف كالطفلة المذعورة فوق السرير، بينما كان هو يتأملها بنظرة أربكت أنفاسها) شعرت بالندم يتسلل سريعًا لما قالته، وارتبكت أكثر حين رأت ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه. أدخل يده في جيب بنطاله، وسار بخطوات بطيئة أمامها حتى جلس في المقعد المقابل، وقال بنبرة تحمل مزيجًا من السخرية والهدوء:

"والله ما كنتش متوقع إن ذاكرتك قوية كده، وبتعديلي المواقف"

أسرعت ليلى بالرد من فرط توترها، محاولة إخفاء ارتباكها:

"لا، مش بعد المواقف ولا حاجة...

بس بفكرك إن الموضوع بيتكرر، وأنا ما بحبش المفاجآت دي زي ما قلت قبل كده."

مال خالد قليلًا للأمام، ونبرته باردة لكن تحمل سخرية خفيفة:

"مفهوم. بس بالنسبة لي، مفيش أي تعمد. لو هنفتّح الدفاتر من أولها: تأخرك في المقابر...

أنتِ عارفة إن أختك اتوترت عليكي، وأنا رحت أجيبك. الموقف التاني، لما قابلتك في الطريق راجعة من المستشفى...

أنتِ اللي خوّفتيني لما لقيتك واقفة قدامي وتايهة."

رفعت حاجبيها بدهشة، لكن قبل أن ترد، أكمل بنبرة واثقة:

"أما المطبخ يوم الخطوبة...

أيوه، ده كان متعمد."

لمعت عيناه بابتسامة ساخرة قبل أن يضيف:

"وبعدين نجي لموضوع الفار اللي قلب البيت كله."

ابتلعت ريقها، محاوِلةً صرف ذهنه عن تلك الليلة، لكن سخرية صوته تبعتها:

"حضرتك خضّيتي البيت كله."

ارتبكت وهي ترد محاولة التخفيف:

"البيت كله؟ مش لدرجة دي!"

ضحك، لكن عينيه لم تفقدا ذلك البريق المربك:

"واضح إنك مش واخدة بالك...

ده كان ناقص البلد كلها تتجمع تحت بيتنا من صويتك."

ارتبكت ليلى، فابتسم خالد ابتسامة جانبية تحمل مزيجًا من السخرية واللامبالاة، وقال بنبرة هادئة :

"عموماً يا دكتور...

إحنا آسفين لو بنخضّك."

ثم نهض ببطء، وكأنه يعطي لخطواته وزنًا مقصودًا، وألقى عليها نظرة عميقة أعقبها بغمزة خفيفة، قبل أن يضيف بابتسامة ماكرة:

"بس حاولي تجمدي قلبك شوية...

لو قابلتي فار تاني. وارد جداً يحصل....

"

دار مبتعدًا نحو غرفته، وصوته يتسلل خلفه في جملة أخيرة قصيرة:

"تصبحي على خير."

تركها واقفة مكانها، في قلبها ارتباك يتصارع مع غيظٍ حذر، وخجل لم تستطع إخفاءه، بينما ترددت في أذنها نبرته الساخرة، وكأنها لم تذهب معه إلى غرفته بل ظلت عالقة معها، تخترق قلبها بلا استئذان.

*****************

في طريقه إلى غرفته، لمح خالد ضوء غرفة الضيافة مفتوحًا ، فتوقف للحظة، ثم اقترب بخطوات حذرة. ما إن دخل حتى وجد عامر جالسًا على المقعد، ينفث دخان سيجارته ببطء، وعيناه شاردتان في اللاشيء.

اقترب منه خالد وقال بلهجة استغراب:

"عامر...

بتعمل إيه هنا؟"

أجابه عامر بصوت مبحوح وكأن الكلمات تخرج بثقل:

"شوي كده...

وطالع يا خالد."

جلس خالد بجواره، وقد لمح ارتباكًا واضحًا على ملامحه، فسأله بنبرة جادة:

"خير؟ في حاجة؟"

هز عامر رأسه وقال:

"والله ما عارف أجولك إيه...

"

اقترب خالد أكثر: "قول يا عمدة، إيه الحكاية؟"

تنهد عامر بعمق قبل أن يبوح:

"يعني شكلي...

لبخت بالكلام مع بدور."

انعقد حاجبا خالد:

"إزاي يعني؟"

بدأ عامر يسرد ما حدث بتفصيل، وعيناه تهربان بين الكلمات وكأنه يخشى الاعتراف.

بعد أن أنهى، نظر إليه خالد متفحصًا:

"بس هي دي حاجة تغلط فيها يا عامر؟ ولا متكنش ضحي لسه في بالك وقلبك؟"

هز عامر رأسه بقوة:

الحكاية ما هِيش كِدَه" ثم تنهد وأردف:

"تِصدّق يا خالد...

إحساسي ناحِيَة بدور غير خالص عن ضحي"

أطرق للحظة ثم أكمل:

"ضحي كنت بعزّها وبحبها، وكانت أم ولادي وزينة في كل حاجة...

بس جوازنا جه زي ما بيقولوا تدابير العيلة، ومشينا على العرف والتقاليد."

ارتسمت على وجهه نظرة لم يرها خالد من قبل، وهو يضيف:

"أما بدور...

ده شعور ما جاش في حياتي قبل كده...

أول مرة قلبي يترج بالشكل ده، وأول مرة أعيش الإحساس اللي أنا فيه دلوجتضحك عامر بخفة، ثم تابع:

"حتى اليوم اللي رفضت فيه انها تركب فيه الخيل جدام الخلق...

كنت بغلي نار من جوه."

ابتسم خالد ابتسامة خفيفة وقال مازحًا:

"كنت حاسس يا عمدة إن في قصة في الموضوع."

ثم أكمل عامر، وصوته يحمل مزيجًا من العزم والاعتراف:

"ولما عرفت إن في حد متقدّم لها...

ما استحملتش يومين من كتر التفكير. ولجيتني ماشي على بيت عمتك أطلبها."

هز خالد رأسه مبتسمًا:

"ده الموضوع شكله كبير يا عمدة، وباين إنك وقعت."

ابتسم عامر ابتسامة باهتة وقال:

"بس أعمل إيه في لساني...

اللي كان لازم أقطعه. لخبطت بالاسم جدامها."

فكر خالد قليلًا ثم قال:

"أنا شايف إنك تصارحها...

تفهمها إن دي غلطة مش مقصودة. مع إني شايف إنها مش هتصدق بسهولة...

عارف الستات وحساسيتهم."

ضحك عامر بمرارة:

"هتجولي...

عقلها ما شاء الله متربس بمية جفل علشان تقتنع."

ابتسم خالد وربت على كتفه:

"ربنا يعينك."

ثم نهض، واستأذن، تاركًا عامر غارقًا في أفكاره ودوامة مشاعره.

أما هي، فكانت تحت الغطاء، تحاول كتم شهقات بكاءها، بينما يلومها قلبها بصوت خافت قاسٍ:

"شفتي؟ كان لازم تعرفي إنه اتجوزك عشان عياله...

وإنتِ اللي زي الهبلة حبّيتيه وتعلقتي بيه."

قطع تيار أفكارها صوت الباب وهو يُفتح. دخل الغرفة بهدوء، فتظاهرت بالنوم، وأغمضت عينيها أكثر، تخشى أن يقرأ ما في قلبها من وجع.

تلك الليلة...

كانت الأثقل على قلوبهم، بعد أن كانوا يظنونها ليلة العمر. ولكن القدر...

كان له رأي آخر.

*******************

في الصباح، كانت الزغاريد تملأ أرجاء القصر، معلنة فرحة لم تلامس قلبها بعد. فتحت بدور عينيها بثقل، وما إن تبيّنت ملامح الغرفة حتى وقع بصرها عليه، يقف أمامها وقد أسدل عباءته على كتفيه،وعيناه تتأملانها بنظرة تبحث عن مدخل للحديث. اقترب بخطوات هادئة وقال بصوت منخفض:

"صباح الخير."

نهضت من السرير وكأنها تهرب من تلك النظرة، وردت ببرود مقتضب:

"صباح النور."

في طريقها نحو الحمام، استوقفها صوته الواضح الجاد:

"بدور."

التفتت نحوه:

"نعم؟"

قال بنبرة هادئة لكن تحمل شيئًا من الجدية:

"ما تخلّصي...

مستنيك نتكلم كلمتين."

شعرت وكأنها محاصرة بكلماته، فردّت بحدة دفاعية:

مفيش داعي للكلام يا عمدة...

الأمور كلها واضحة."

اقترب خطوة، يحاول أن يقرأ ما خلف عينيها:

"أمور إيه اللي واضحة؟"

قالت وهي تحاول أن تبدو واثقة:

"أقصد زواجنا...

واضح هدفك منه. وعلى فكرة، أنا ما عنديش مانع."

قطّب حاجبيه، وهو يحاول أن يسيطر على انفعاله:

"هدف إيه؟"

خفضت بصرها، وقالت بتردد:

"أنت فاهم وأنا فاهمة."

ارتفع صوته قليلًا، فزاد التوتر:

"فاهم إيه؟ اتكلمي دوغري."

قالت بسرعة، وكأنها تريد التخلص من ثقل الكلام:

"يعني من الآخر...

أنا ما عنديش مانع أكون أم الولاد بدل أختي الله يرحمها."

قاطعها قائلًا:

"طبعًا هتكوني أمهم، وانتي أصلاً أمهم من قبل ما نتجوز...

إيه الجديد؟"

ردت ببرود:

"مفيش جديد."

نظر إليها بعصبية:

"بدور...

أنا ما بحبش اللف والدوران، جولي اللي عندك."

انفجرت قائلة:

"يعني الجوازة دي كلها أنت عاملها علشان عيالك"

تأملها لحظة وقال بهدوء متحكم:

"إنتي شايفة كده؟"

بدور بعصبية: "أيوه."

أخذ نفسًا عميقًا محاولًا تهدئة نفسه، فهو يدرك ألمها مما حدث ليلة البارحة، ثم اقترب خطوة أخرى قائلاً:

"مع إنك سألتيني قبل جوازنا نفس السؤال، وأنا رديت عليكي...

وجلتلك لو عايز أم لعيالي، سواء إنتي أو غيرك، ما كنتش استنيت خمس سنين، كنت اتجوزت بعد كم شهر. لكن أنا يا بدور ما تجوّزتش...

"

ردت بعصبية:مفيش داعي تجمل كلامك ياعمدة

نظر إليها بحدة، ونبرته ازدادت ثباتًا:

"أولًا...

مش اسمي يا عمدة، أنا جوزك وليا اسم. وثانيًا...

مش أنا اللي بجمل الكلام، وإنتي عارفة ده كويس."

مد يده وأمسك بيدها برفق، لكن بقبضة تحمل معنى التمسك، وكاد يضيف شيئًا، لكن طرق الباب قطع اللحظة.

"ادخلي." قالها بضيق.

دخلت صابرين بخطوات مترددة:

"متأخذنيش يا عمدة، ستي الحاجة باعتة لكم الفطور، وبتجول لكم...

الحاجة غالية تحت."

أومأ عامر باقتضاب:

"طيب، روحي إنتِ."

بعد أن خرجت صابرين ، التفت إلي بدور بنبرة مشاكسة :

"يلا، اغسلي وشك وتعالي نفطر سوا، وبعدين ننزل لهم."

قالت وهي تدير ظهرها:

"ما ليش نفس...

إفطر إنت."

ثبت نظره عليها لحظة:

"بدور...

يلا."

لم ترد، بل دخلت الحمام وهي تحاول أن تغسل بقايا دموع علقت بعينيها، وأن تهدئ نبضات قلبها، قبل أن تضطر لمواجهته مرة أخرى.

***************

في بيت ماهر، كان الصباح مشتعلاً على مائدة الطعام. اجتمع الثلاثة: رجاء، وسيف، وميرهان، يتناولون فطورهم في صمت نسبي.

لم تمضِ لحظات حتى دخل ماهر بخطوات واثقة، جلس على رأس الطاولة، تنحنح كمن يعلن بداية الحديث، ثم قال موجهاً كلامه لابنه:

حديثه لابنه بنبرة لا تخلو من الحزم:

"بعد الفطور يا سيف...

هتيجي معايا لبيت عمك شاكر."

رفع سيف نظره متسائلًا وفي صوته شيء من المزاح:

"إيه يا حاج؟ هنبارك للعرسان ولا إيه؟"

تجهم وجه ماهر، ورمقه بنظرة ضيق:

"لا يا أخويا...

مالناش دعوة بالعرسان. إحنا ورانا أمورنا إحنا."

تدخلت رجاء وقد ارتسم القلق على وجهها:

"خير يا حاج؟"

ثبت ماهر نظره عليها للحظة، "خير يا رجاء...

خير.

ثم حوله نظره مباشرة إلى ميرهان، وعيناه تحملان رسالة تحذير واضحة:

وانتي ياهانم .. أوعي تفتكري اللي حوصل امبارح هيعدي اكده.

تسارعت أنفاس ميرهان وهي ترد باندفاع:

"صدقني يا بابا، حضرتك فاهم الموقف غلط."

تدخلت رجاء بلهجة مستفسرة:

"حصل إيه يا حاج؟" ثم التفتت إلى ابنتها: "في إيه يا ميرهان؟"

ترددت ميرهان قليلًا قبل أن تقول:

"كنت واقفة امبارح مع ياسين ابن عمي في الجنينة...

كنت بطلب سيف علشان اتأخر، فجه ياسين يسلم، وبابا شافنا واتعصب."

هنا تدخّل سيف بنبرة حادة:

"وانتي واقفة معاه بتعملوا إيه في الجنينة، والبلد كلها كانت متجمعة؟"

تدخلت رجاء بنبرة تهدئة:

"براحة يا سيف على أختك...

هي قالتلك ابن عمها جه سلّم، وده دايمًا بيحصل."

لكن ماهر أطلق ضحكة ساخرة بغضب :

دايمًا بيحصل؟ إنك توجفي وسط الناس مع ابن عمّك؟ وهَيجُولوا إيه عليناالناس؟ وجبَل اكده كمان وصّلها بالعربية جدام البلد كليتها

تدخلت ميرهان في محاولة لتبرير نفسها:

"يابابا، يوم ماوصلني ده علشان السواق اتأخر."

ضرب ماهر بكفه على الطاولة بقوة، فاهتزت الأكواب، ثم وقف بحدة:

"انتهى الكلام...

والموضوع ده هيتحط له حد النهاردة...

يلا يا سيف."

سأل سيف بتردد:

"خير، بس يا حاج...

إيه اللي هيتعمل؟"

تدخلت رجاء بصوت قلِق:

"طيب فهمنا، دماغك فيها إيه يا حاج؟ قلقتنا."

رمقها ماهر بنظرة حاسمة:

"لما نرجع،هتفهمي كل حاجة...

إنتي وبتك."

ثم غادر بخطوات واثقة، تاركًا وراءه صمتًا ثقيلًا ووجوهًا يكسوها القلق.

***********************

في الحديقة، اجتمع الجميع والأصوات تتعالى بالتهاني والضحكات. ما إن وقعت عينا غالية على ابنتها بدور، حتى فتحت ذراعيها واحتضنتها بحرارة قائلة بسعادة:

"مبروك يا بتي...

ربنا يهنيكم."

تلتها مني، وهي تضم بدور وتغمز لها بخفة:

"صباحية مباركة يا عروستنا."

ارتسمت على وجه بدور ابتسامة باهتة، لم تغفل عنها عين عامر، الذي كان يقترب منهم وهو يلقي السلام على عمته غالية. ردت عليه وهي تحضنه:

"صباحية مباركة يا ولدي...

ما تاخذنيش، جينا بدري، جولنا نسلم عليكم جبل ما تتوكلوا على الله وتسافروا."

أجابها عامر بمحبة:

"تنوري يا عمتي في أي وقت."

تدخلت فاطمة بابتسامة ودودة:

"صباحية مباركة يا ولدي، إن شاء الله تكونوا فطرتم زين"

رد عامر:

"الحمد لله يا حاجة."

ثم نظر حوله وسأل:

"أومال فين البجية؟"

أجابته فاطمة:

"إخواتك وبنات عمك لسه بيفطروا جوه."

لم تمضِ سوى لحظات حتى قطع حديثهم دخول ماهر يتبعه ابنه سيف، وقد ألقى السلام بفتور:

"السلام عليكم."

رد الجميع:

"وعليكم السلام."

ابتسمت غالية قائلة:

"أهلاً يا حاج ماهر...

إنت كمان جاي تبارك للعرسان؟"

ابتسم ماهر ببرود ونظر نحو عامر:

"صباحيتك مباركة يا ولد أخوي"

رد عامر بهدوء:

"الله يبارك لك يا عمي."

أردف ماهر:

"محتاجك في كلمتين يا عمدة...

ويا ريت إخواتك كمان يحضروا."

تدخلت فاطمة متسائلة:

"خير يا حاج ماهر...

في إيه؟"

ابتسم ماهر ابتسامة مقتضبة:

"خير يا حاجة ان شاءلله."

أشار عامر إليه:

"اتفضل يا عمي." ثم نادى على صابرين التي جاءت مسرعة. قال لها بحزم:

"اعملي جهوة لنا، ونادي البشمهندس خالد، والأستاذ طارق، وياسين، يجوا على المضيفة."

مرّت لحظات، واجتمع الجميع في المضيفة. كسر عامر الصمت قائلاً:

"اتفضل يا عمي...

خير؟"

قال ماهر بنبرة جادة:

"يا ولد أخوي، يمكن يكون خير ويمكن لا."

رد طارق مستغرباً:

"دي فزورة يا عمي؟"

هز ماهر رأسه:

"لا يا ولد أخوي...

ماليش في جو الفوازير ."

قال خالد محاولاً تهدئة الجو:

"طيب ما تتفضل يا عمي وتدخل في الموضوع."

ابتسم ماهر بسخرية:

"الصبر يا بشمهندس...

معروف إنك طويل البال، مالك مستعجل ليه؟"

تدخل عامر:

"والله يا عمي أنا شايف فعلاً بلاه اللف والدوران...

اتفضل جول اللي عندك."

التفت ماهر إلى ياسين قائلاً:

"والله ياسين أظن إنه عارف أنا جاي ليه."

نظر ياسين إليه بدهشة، لم تقل عن دهشة إخوته، فقال ماهر موجهاً كلامه لعامر:

"يرضيك يا عمدة إن ميرهان بتي، اللي هي في مجام أختك الصغيرة، تبقى سيرتها على كل لسان في البلد؟"

سأل عامر باستغراب:

"ميرهان؟ وسيرتها؟ تجصد إيه يا عمي؟"

أجاب ماهر بحدة:

"ياسين أفندي...

كل فترة ألاجيه منفرد ببتي ميرهان."

اعترض ياسين:

"منفرد إيه يا عمي! إيه الكلام ده؟"

تدخل سيف بانفعال:

"أومال تسمي إيه وقفتك امبارح معاها في الجنينة الورانية، بعيد عن عيون الناس؟"

التفت عامر إلى ياسين بنظرة حادة:

"كلام إيه ده اللي بيجوله سيف؟"

أجاب ياسين:

"الكلام مش بالصورة دي."

رد ماهر:

"أومال إيه يا ولد أخوي؟ مش ميرهان دي شرفك وعرضك؟ تجبل يتجال عليها كلام من الخلج؟"

قال طارق محاولاً التهدئة:

"يا عمي، ممكن واقف معاها صدفة...

والأمور اتفهمت غلط."

هز ماهر رأسه:

"الأمور بتتفهم زي ما بتتشاف."

تدخّل خالد بصوت حازم:

"خلينا نسمع ياسين يا عمي...

ونفهم الحكاية."

ثم التفت نحو ياسين، وعينيه تلمعان بالجدية:

"اتكلم."

قال ياسين وهو يحاول يبرر، وصوته فيه توتر:

"الحقيقة...

قابلت ميرهان بالصدفة في الجنينة، وقفنا شوية، سلّمت عليها...

ولحظات ولقيت عمي واقف ورايا، متعصب."

قاطعه ماهر :

"لا يا وِلد أخوي...

إنت كنت واجف مانع البِت تعدّي، ووجفتك ما كانتش عادية. وجَبَل اكده توصلها بالعربية! من إمتى وحريمنا يركبوا عربيات مع وِلاد عمّامهم لوحدهم جدّام الخلج؟"

تدخّل عامر :

"والله يا عمّي...

في دي معاك حج، بس الغلط ما هوش عليه لوحده، الغلط على ميرهان كمان."

قال ماهر بنبرة حادة وهو يرمق ياسين:

"ميرهان لسه صغيرة وبتتصرف بطبيعتها، لكن البيه كبير وواعي، وعارف إن البلد ما بترحمش."

قال عامر:

"محجوجين لك يا عمي...

وياسين خلي بالك بعد اكده، ألسنة الناس ما بترحمش."

هز ماهر رأسه وقال بنبرة حازمة:

"الأمور ما بتتنهيش اكده يا عمدة."

تساءل طارق:

"ما العمدة بنفسه اعتذر لك يا عمي...

إيه المطلوب؟"

أجاب ماهر بلهجة حاسمة، وقد انعكس الغضب في نبرته:

"المطلوب إن سيرة بتي ما تجيش على لسان حد."

تطلع إليه خالد مستفهمًا:

"بمعنى؟"

رد ماهر، مشددًا على كلماته:

"يعني زي ما البلد كلها شافتهم في العربية، وشافتهم في الجنينة الورانية لوحديهم...

يشوفوهم كمان وهما مكتوب كتابهم على بعض."

تبادلوا نظرات صامتة يختلط فيها الذهول بالتساؤل، قبل أن يقطع الصمت صوت عامر، بنبرة حادة لا تخلو من استنكار:

"مكتوب كتابهم؟! إنت بتجول ياسين يتجوز ميرهان؟!"

ابتسم ماهر ابتسامة خفيفة تحمل شيئًا من التحدي:

"إيه؟ ميرهان مش جد المجام يا عمدة ولا إيه؟"

أجاب عامر بهدوء :

"الموضوع مش اكده يا عمي...

بس إزاي توصل الحكاية للجواز؟ معجول عشان وجف معاها مرة ولا مرتين يبجى لازم يتجوزها؟"

رد ماهر بحدة:

"والبلد كلها تتكلم على بت عمكم...

يرضيكم الكلام ده؟"

تدخل طارق مستنكرًا:

"وإنت يرضيك يا عمي تجوز بنتك بالطريقة دي؟"

قال ماهر بصرامة:

"مالها الطريجة؟ أنا بصلّح غلط اتعمل."

قال خالد بنبرة جادة:

"مع إن الأمور ما وصلتش للغلط يا عمي...

وزي ما حكاها ياسين، كانت كلها مصادفات. لكن خلونا نسمع رأيه...

هو المعني بالموضوع قبل أي حد."

ساد الصمت لحظة، ثم قال ياسين بثبات:

"وأنا موافق."

تساءل طارق بدهشة:

"موافق على إيه؟"

أجابه ياسين:

"موافق على كلام عمي ماهر...

ما يرضينيش إن اسم ميرهان يجي علي لسان الناس."

ابتسم ماهر بخبث وهو يلتفت نحو ابنه سيف، فتبادلا نظرة ذات مغزى. عندها تدخّل عامر قائلاً:

"ياسين...

فكر كويس قبل ما ترد."

رد ياسين:

"فكرت يا عمدة، وموافق...

بس ليّا كلمة لعمي ماهر: أنا وافقت علشان أحافظ على سمعة ميرهان، مع إنك وأنا عارفين إن ما حصلش أي حاجة تعدت حدود الأدب."

قال طارق معترضًا:

"طيب، طالما أنكم متأكدين إن الموضوع بريء...

ليه نوصل للجواز؟ اللي يسمع كده يفتكر إنك غلطت معاها"

قاطعه خالد بصوت حازم:

"طارق، مالوش داعي الكلام ده."

قال ماهر بعصبية:

"مش بت ماهر اللي يتغلط معاها! ومش عشان بجول جواز تبجى بتي عاملة العيبة...

العيب من عنيدكم باللي بدأ اتجاوز حدوده."

حاول عامر يهدّي الموقف وقال:

"طيب يا عمي، هدي أعصابك وكله بيتحلّ بالعقل."

لكن ماهر قاطعه وحسم الكلام:

"اللي عندي جولته يا ولد أخوي...

والرد عنديكم."

ثم وقف مشيرًا إلى ابنه قائلاً:

"يلا يا سيف."

وغادر هو وولده، تاركَيْن خلفهما وجوهًا مذهولة، وأجواءً مشحونة بالتوتر.

بعد مغادرة ماهر، دخلت فاطمة المضيفة على عجل، وقد ارتسم القلق على وجهها، وقالت بلهفة:

خير يا ولاد...

عمّكم ماله وشّه مجلوب ومتعصّب اكده؟ إيه اللي جرى؟

رد طارق بسخرية:

"كالعادة يا حاجة...

عمي مصرّ يلزّق بنته لحد فينا. لما لقى إني مش نافع...

مسك في ياسين."

قاطعه عامر بحزم:

"طارق، اتكلم بهدوء، ومتنساش إن اللي بتتكلم عنها دي بنت عمك."

تدخل ياسين وقال بجدية:

"وأنا مش هسمحلك تتكلم كده عن ميرهان. متنساش إنها هتكون مراتي في المستقبل، وهي ملهاش ذنب في تصرفات عمك."

التفتت فاطمة إليه بصدمة:

"مراتك؟! كلام إيه ده يا ياسين؟"

تدخل خالد، وأمسك بيد والدته قائلًا:

"اقعدي يا حاجة واهدي...

إحنا هنشرحلك القصة كلها."

بدأ خالد يسرد ما حدث، وحين انتهى، التفتت فاطمة إلى ياسين بنبرة عتاب:

"ليه يا ولدي كده؟ ما إنت عارف عوايدنا، وعارف عمك ماهر ما بيهزرش."

أجاب ياسين بهدوء:

"يا حاجة، أنا ما عملتش حاجة غلط...

ومعاملتي مع ميرهان مفيهاش عيب."

قال عامر معترضًا:

"بس وجفتك معاها لوحديكم في الجنينة، وفي يوم فرح والبلد كلها موجودة، وركوبها معاك العربية...

ده بيفتح مجال لكلام الناس."

ابتسم ياسين باستهزاء:

"يا سلام! يعني ما طارق كان بيقف مع سلمى على انفراد...

حد قال حاجة؟ ولا خالد ما بيوصّل ليلى رايحة وجاية من المستشفى...

حد علّق؟! ماهي هيا هيا البلد"

انفعل طارق:

"مسمحلكش تشبّه وقفتك مع ميرهان بوقفتي مع سلمى. إنت عارف إن سلمى كانت في حكم خطيبتي قبل ما الموضوع يبقى رسمي."

أما خالد، فاكتفى بنظرة مقتضبة نحو ياسين قائلًا:

"بالنسبة ليا...

مش وقته أرد على كلامك السخيف ده."

ثم أكمل طارق، بنبرة امتزج فيها الغضب بالتحذير:

"وبعدين يا بني آدم، إحنا زعلانين عليك إنك اتدبست في جوازة مش على مزاجك. إنت ناسي إن عمك ماهر من كم شهر كان بيلمح إني أتجوز ميرهان؟ إنت تقبلها لنفسك؟"

في تلك اللحظة لمح طارق سلمى واقفة قرب باب المضيفة المفتوح، تومئ له باستفسار عما يقوله، وبجوارها ليلى، التي انتبه لها خالد بدوره، وحاول أن يلمّ الموقف قائلًا بصوت مقتضب:

"عموماً...

المواضيع اللي زي دي ما ينفعش نتناقش فيها وإحنا متوترين كده، والقرارات ما بتتاخدش بسرعة. ياسين...

اقعد مع نفسك وفكر قبل ما عمك ياخد الرد النهائي."

تدخل عامر مؤيدًا:

"بالضبط...

شوف وقرر، وفي كل الحالات القرار قرارك وإنت اللي هتشيله. وبصرف النظر عن عمك وطباعه...

لو ليك ميل لبنت عمك، فميرهان بنتنا وتربيتنا."

أطرق ياسين يفكر، بينما استأذن عامر قائلًا:

"وأنا هستأذنكم...

هستعد للسفر. ولما أرجع يا ياسين، أكون عرفت ردك النهائي."

قال طارق باستهزاء:

"ليه؟ هو عمك هيقدر يصبر أسبوع لحد ما ترجع؟"

رد عامر بهدوء:

"يبجى يصبر...

الموضوع مش سلج بيض، ده جواز."

أكّد خالد كلامه:

"بالظبط...

يبقى يصبر."

ثم استأذن هو الآخر:

"أنا كمان هروح المستشفى، عندي شوية أوراق هتتمضي وتعيينات جديدة."

وأثناء خروجه، التفت إلى ليلى قائلًا:

"إنتي رايحة دلوقتي المستشفى؟"

أجابته باقتضاب:

"أيوه."

قال خالد:

"طيب، تعالي أوصلك...

أنا كمان رايح."

ردت سريعًا:

"مفيش داعي...

مرتضى هيوصلني."

ابتسم خالد بسخرية:

"مرتضى مش فاضي...

رايح يوصل العمدة وبدور للقاهرة."

قالت ليلى بحذر:

"مش مشكلة...

هتصرف أنا."

استدار خالد متسائلًا:

"وإيه المانع أوصلك؟"

ردت بانفعال:

"ما هو أنتم عندكم ما بترحموش حريم العيلة اللي تركب مع ولاد عمها العربية زي ما عمك ماهر قال...

وياسين أخوك لمح على ركوبي معاك."

ابتسم خالد بخفة وقد فهم مقصدها، وقال مازحًا وهو يغمز بمكر:

"لا، ما تاخديش على كلام عمي ماهر...

ومتخافيش، محدش هيدبّسكِ تتجوزيني علشان ركبتي معايا."

ارتبكت ليلى، وابتلعت ريقها بخجل، ولم تجد فرصة للرد قبل أن يتجه هو إلى الخارج، فاتحًا باب السيارة بجواره مشيرًا لها بالركوب.

بعد لحظات، خرج طارق من المضيفة مغتاظًا، تتبعه سلمى. التفت إليها بعصبية:

"أيوه يا سلمى؟"

قالت معاتبة:

"إنت ما قلتليش ليه إن عمي ماهر كان عايزك لبنته ميرهان؟"

رد طارق:

"هو ده اللي يهمك في الموضوع كله؟"

قالت:

"أيوه...

ده اللي يهمني."

قال طارق بحدة:

"وهتفرق في إيه أقولك أو ما أقولكيش؟ هو يعني أنا خطبتها؟ ولا بينا قصة حب؟ كان مجرد تلميح منه، وأنا صدته."

ردت سلمى:

"كان يفرق إنك ما تخبيش عني حاجة."

قال طارق:

"ودي حاجة تتقال أصلاً أو تستاهل تشغل تفكيرك؟"

قالت بحزم:

"بالنسبة ليا...

تستاهل."

رد طارق بنفاد صبر:

"سلمى، مش وقته كلامك الساذج ده."

قالت بعصبية:

"كلامي ساذج؟ إنت شايف اللي بقوله ساذج؟"

قاطعهم خروج ياسين إلى الخارج وهو متضايق، فأوقفه طارق قائلًا بانفعال:

"ياسين"

استدار ياسين قائلًا:

"خير؟"

قال طارق:

"استنى...

عايز أتكلم معاك كلمتين."

تركتهم سلمى وهي تنظر لطارق بغيظ، والجو ما زال مشحونًا.


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 0 مشاهدة · 3459 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026