في غرفتهما، وبعد أن غادرت أمها ومنى، شعرت بدور بثقل الجو في الأسفل، فتوجهت إلى غرفتها لتختلي بنفسها. جلست على الأريكة، عيناها شاردتان، تغوص في أفكار متشابكة. لم يطل شرودها، إذ دخل عامر الغرفة بخطوات متسارعة وانفعال واضح، متأثراً بتوتر الأحداث منذ الصباح الباكر.
هبّت واقفة، بينما حاول هو أن يبتلع غضبه ويبدو أكثر هدوءاً أمامها؛ فهي ليست المسؤولة عن انفعاله، ويكفيها ما مرت به بالأمس. تنحنح واقترب قائلاً:
"ها يا ست البنات، جهزتِي نفسك؟"
أجابته ببرود مقتضب:
"جهزت نفسي ليه؟"
قال بابتسامة خفيفة يحاول بها التخفيف من حدة الموقف:
"للسفر...
مش اتفجنا بعد الفطور نروح القاهرة، نجعد يومين في فيلا المعادي، وبعدها نسافر أي مكان تحبيه؟"
ردت بدور، بنبرة خالية من الحماس:
"مالوش لزوم السفر."
تجهم عامر مستفهماً:
"مش فاهم جصدك."
قالت وهي تنظر بعيداً:
"يا عمدة...
اللي بيسافروا شهر عسل بيكونوا عرسان، علاقاتهم مليانة حب وفرحانين ببعض."
قاطَعها قائلاً:
"وأمال إحنا إيه؟"
أجابت:
"أقصد إنهم بيكونوا فرحانين لأن بينهم حب...
مش زي حالتنا."
قال عامر وهو يحدق فيها:
"وانتِ شايفة إني مش فرحان بيكِ؟ ولا جصدك إنك إنتِي اللي مش فرحانة بيا؟"
قالت بحرقة:
"لو كنت فرحان بيا، كان اسمي في قلبك قبل لسانك، يا عامر...
ما كنتش هتتلخبط فيه."
كلماتها أصابته كطعنة، شعر بوخزة في صدره من ألمها. اقترب منها محاولاً الإمساك بيدها لتهدئتها، لكنها سحبت يدها بعصبية، ومسحت دمعة على وشك السقوط، ثم قالت بسخرية:
"وعلى فكرة، سمعت كلامكم مع خالي ماهر...
صوتكم كان عالي وسمعنا كل حاجة. وأنا رأيي...
بلاش تخلي ياسين أخوك يتجوز ميرهان."
سألها بدهشة:
"ليه بتجولي كده؟ في حاجة تعرفيها وأنا مش عارفها؟"
أجابت بسرعة:
"لا، مش ده القصد."
قال بصرامة:
"أومال الجصد إيه؟"
قالت بوضوح:
"القصد إن جواز القرايب اللي بيكون بترتيب الكبار...
كله تمثيل في تمثيل. وإحنا أكبر مثال."
زفر عامر بغضب وقال:
"لحد هنا وكفاية، الموضوع طول وكلامك بجى ماسخ."
ردت بحدّة:
"أنا كلامي ماسخ، يا عامر؟"
اقترب محاولاً التخفيف من حدة الموقف، وقال:
"أيوه، كلامك ماسخ...
ورأسك دي عايزة تتكسر من العند اللي فيها."
ابتعدت وهي تقول بانفعال:
"بقى العيب فيا أنا؟ وكلامي ماسخ؟ ورأسي عايزة تتكسر؟ طالما أنا مليانة عيوب، بتتجوزني ليه؟"
ضحكت باستهزاء وهي تبكي:
"آه...
نسيت صحيح عندك العذر اللي بتتجوزني عشانه."
اقترب منها قائلاً بنفاد صبر:
"تاني هتفتحي موضوع إني اتجوزتك عشان عيالي؟"
صرخت وهي تبكي بحرقة:
– عندك ردّ تاني؟ قولي! اتجوزتني ليه طالما "ضحي" – الله يرحمها – لسه في قلبك؟ دوست على قلبي أنا ليه؟!
اقتربت منه بخطوات مترددة، والدموع تبلل وجهها، وصوتها يرتجف بين الغصّات:
كنت كل مرة قلبي يميل ليك، أرجع ألوم نفسي...
أقول: إوعي يا بدور، ده جوز أختك. كنت بخاف أخون ضحي حتى بنظرة.
لكن لما حسّيت منك ومن الكل إن وجودي في حياتك مش غِلط، صدّقت...
سمحت لنفسي أحبك.......
لكن إنت جيت وهدمت كل ده...
وفي ليلة كان المفروض تكون أجمل ليلة في حياتي. قولي يا عامر...
ليه لييييييييييه؟"
ظلّ واقفًا أمامها، صامتًا، كأن الكلمات خانته مثلما خانه لسانه من قبل. لم يجد ما يقوله سوى أن يقترب ببطء، ووضع كفّه على كتفها برفق، ثم قبّل رأسها قائلًا بصوتٍ خافت:
– حجك عليّا يا بدور...
والله ما كنت قاصد أوجعك. الكلمة خرجت غصب عني، لحظة ارتباك، مش أكتر.
لكن صدّجيني...
مشاعرك ناحيتي بتجابلها مشاعر أكبر بكتير
رفعت عينيها نحوه، والدموع ما زالت تلمع في أطرافها، فأكمل بصوتٍ متعب، صادق:
– ما هنكرش إن "ضحي" كانت غالية...
أم ولادي، وليها مكانها اللي ما يتبدّلش.
لكن معاكِي، حسّيت بحاجة تانية...
دفء ما عرفتهوش جبل كده. كأن الحياة رجعتلي ، بصوتك، بنظرتك، بحنيّتك اللي بتطمن القلب.
شهقت بالبكاء وقالت:
"وليه ناديتني باسمها؟"
قال بأسف:
"غلطة...
زلة لسان ويستاهل الجطع"
ابتسمت وسط دموعها وقالت:
"فعلاً."
ضحك ممازحاً:
"يعني عَجَبِك تِجطعي لساني؟"
قالت بخفوت، وعيناها هاربتان إلى الأرض:
ـ "آه...
"
مد يده برفق، ورفع رأسها حتى التقت نظراتهما، فإذا بعينيها تشعّان بمزيج من الحب والخجل واللهفة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، وابتلع ريقه قبل أن يقول بنبرة مازحة يغلفها الشوق:
ـ "ها...
نتوكل على الله ونسافر؟ ولا لسه هتجولي إني أحنا مش عرسان "
ابتسمت بخجل وأومأت:
"نتوكل على الله."
ابتسم لها قائلاً:
"طيب...
نص ساعة وجهزي نفسك والشنط، وأنا هبلغ بيومي يجهز العربية."
أومأت برأسها بخجل ممزوج بالفرح، ثم غادرت لتستعد.
*************************
في بيت ماهر، جلست رجاء تنتظره بلهفة، يتزاحم في رأسها سيلٌ من التساؤلات. ولم تكن ميرهان أقل قلقًا منها، فهي الأخرى كانت تتوجس مما قد يحمله عودته. وما إن دخل ماهر بصحبة ابنه سيف، حتى أسرعت رجاء نحوه تقول بلهفة:
"خير يا حاج...
طمّني."
ابتسم سيف قائلاً:
"اطمئني يا حاجة...
وافرحي، بنتك هتتخطب قريب."
ارتسم القلق على وجه رجاء وهي تسأل:
"هتتخطب؟ وإيه علاقة ده بمشواركم لبيت عمك؟"
رد سيف وهو يشيح بيده:
"هو ده سبب مشوارنا."
كانت ميرهان قد سمعت حديثهما، فتقدمت نحوهم وهي تقول بقلق:
"قصدك إيه يا سيف؟"
ردّ سيف:
"يعني إنتِي مش عارفة؟"
تدخّلت رجاء:
"عارفة إيه يا بني؟ فهمونا."
ابتسم سيف قائلاً:
"خلال أيام قليلة، هتتقرأ فاتحة ياسين وميرهان."
شهقت ميرهان بدهشة:
"إيه الكلام ده؟!"
تدخل ماهر الذي جلس متكئًا وعلى وجهه ملامح الانتصار:
"الكلام اللي سمعتيه...
هو اللي هيحصل، يا بنت ماهر."
تطلعت إليه رجاء باستفهام:
"مش فاهمة حاجة...
يعني ياسين طلب ميرهان؟ ولا إيه اللي حصل بالضبط؟"
رد سيف بابتسامة جانبية:
"الحج حط النقط على الحروف."
تدخلت ميرهان باستياء:
"يعني حتى ما طلبنيش...
أنتم اللي جبرتوه يتجوزني؟"
قال سيف بحدة:
"إيه أجبَرناه دي؟ هو عيل صغير؟"
وأردف ماهر بثقة:
"ومش بنت ماهر اللي تجبر راجل يتجوزها...
ده بكرة هو اللي هيجري لحد ما الموضوع يتم."
قالت رجاء بقلق:
"أوعى يا حاج تكون لمحت له بالجواز، زي ما حصل مع طارق قبل كده."
انفعلت ميرهان والدموع في عينيها:
"ما هو أنا دايمًا اللي ماعنديش كرامة ولازم نجري وراهم علشان يتجوزوني!"
صرخ ماهر غاضبًا:
"اخرسي.. إنتِ بنت ماهر...
عارفة يعني إيه؟ يعني نص رجالة البلد نفسها تناسبني."
قالت رجاء محاولة التهدئة:
"طيب، طالما كده، ليه نجبر ياسين وميرهان يتجوزوا؟"
رد ماهر بحدة:
"اسألي بنتك اللي ماشية تتصرمح معاه .. إنتِي عايزة الناس تكون شافتهم مع بعض، وأنا أجفل على الحكاية وأدفن راسي زي النعامة؟
صرخت ميرهان باكية:
"يا بابا، والله قلتلك...
كان بيكلمني بالصدفة، وركوبي في العربية غلطة ومش هتتكرر."
رد ماهر بحدة:
"وأنا هستنى أشوف هتتكرر ولا لأ؟"
توسلت ميرهان:
"يا بابا، أرجوك...
بلاش موضوع الجواز ده."
رد سيف ساخرًا:
"وليه لأ؟ ما إنتِ كده كده هتتجوزي، على الأقل ياسين ابن عمك وعارفين أصله وفصله."
وافقه ماهر:
"بالظبط."
صرخت ميرهان:
"ياسين والله أخويا...
مافيش حاجة ناحيته"
تدخلت رجاء بحذر:
"يا حاج، طيب اصبر...
الأمور ما بتيجيش كده."
لكن ماهر نهض واقفًا، وقال بغضب حاسم:
"اللي عندي جولته...
يلا، امشوا من وشي. ومفيش نقاش تاني."
غادر الغرفة تاركًا خلفه ميرهان تبكي، ورجاء تنظر إليها بحزن، بينما سيف يكتفي بالصمت وملامحه غامضة.
***********************************
في المستشفى، كانت ليلى تقف في نهاية الممر مع زميلها الطبيب الجديد، الدكتور عمر، الذي عُيّن قبل أيام في قسم الأشعة. كانا يتبادلان الحديث، تتسلل بين كلماتهما بعض الابتسامات الخفيفة.
لمح خالد المشهد من بعيد، فتبدلت ملامحه إلى نظرة غاضبة. وما هي إلا لحظات حتى اقتربت إحدى الممرضات من ليلى وقالت:
"دكتورة ليلى، البشمهندس خالد طلبك في مكتبه."
أومأت ليلى برأسها موافقة، وإن كان التردد قد تملكها؛ فمنذ ذلك الموقف الصباحي الذي أحرجها فيه بمزاحه الثقيل، وهي تتعمد تجنبه. لكن ها هو الآن يطلبها في مكتبه.
طرقت الباب بخفة، فجاءها صوته بالإذن. دخلت بخطوات هادئة، واقتربت من مكتبه:
"بيقولوا إنك عاوزني...
خير؟"
لم يرفع رأسه عن الأوراق المبعثرة أمامه. صمت بضع ثوانٍ، ثم رفع عينيه ببرود قائلاً:
"خير يا دكتورة...
كنت عايزك تنسقي حملة تطعيم الأطفال في قرى البلد. أظن عندك عدد كافٍ من الممرضات، والحملة هتبدأ الخميس. ياريت تتابعي الموضوع بنفسك."
أومأت ليلى بالموافقة:
"تمام، إن شاء الله قبل الخميس الأمور هتكون جاهزة."
ثم سألت:
"في حاجة تانية؟"
أجاب:
"أيوه...
من بكرة، دكتور أحمد عزمي هيمسك إدارة المستشفى، وأنا هكون موجود من وقت للتاني للإشراف العام الإداري فقط. وأي حاجة تخص الجانب الطبي تتواصلي مع دكتور أحمد."
ابتسمت ليلى وقالت:
"طيب...
كويس."
ابتسم بسخرية خفيفة:
"شايفك انبسطتي...
ماصدقتي ترتاحي مني."
هزت رأسها نافية:
"لا طبعًا، مقصدتش كده...
بس زي ما قلت، في حاجات طبية محتاجة إشراف طبي، فده هيكون أفضل."
هز رأسه ببرود:
"مفهوم."
استأذنت بالانصراف، لكن صوته أوقفها قبل أن تصل إلى الباب:
"اللي يشوفك الصبح متضايقة من ركوبك معايا العربية وخايفة من تلميحات الناس، ما يشوفكيش دلوقتي وأنتِ بتهزري مع الدكتور الجديد بتاع الأشعة."
التفتت نحوه بعينين متسائلتين مضطربتين:
"تقصد إيه يا بشمهندس؟"
أمسك بالقلم بين أصابعه وقلبه ببطء دون أن يرفع بصره إليها:
"اللي أقصده قلته يا دكتورة."
اشتعل الغضب في عينيها:
"لا، أنت كده بتلمّح لحاجة وأنا ما اسمحلكش تقولها."
نهض واقترب منها خطوة:
"هو أنا اللي بلمّح؟ ولا حضرتك الصبح اللي بتلمّحي إن ركوبك معايا غلط وكلام الناس وكلام عمي...
ودلوقتي واقفة مع زميلك على انفراد، ضحك وهزار!"
ارتفع صوتها بانفعال:
"للمرة التانية، بتغلط فيّ وأنا مش هسمحلك. وتلميحي الصبح كان ردًا على كلام عمك وتلميحات ياسين من بعده. أما وقوفي مع دكتور عمر، فكان بكل احترام وفي حدود الزمالة...
كنا مجموعة واقفة، ولما استأذن اتنين، كملنا إحنا المناقشة."
ابتلع خالد ريقه، وهز رأسه:
"مفهوم."
رمقته ليلى بنظرة حادة:
"إيه اللي مفهوم؟"
قال ببرود مصطنع:
"خلاص يا دكتورة، مش هنقضي اليوم كله نتناقش في وقفتك مع مين."
ردت بحدة:
"معاك حق...
أنا أصلاً مش مفروض أبرر لك ولا لغيرك تصرفاتي."
ثم فتحت الباب وخرجت، تاركة خلفها فراغًا مشحونًا بالتوتر.
عاد خالد إلى مقعده ببطء، وأسند ظهره، وعيناه شاردتان إلى اللاشيء. تمتم في نفسه:
"إيه اللي أنا قلته ده؟...
إيه يا خالد، من إمتى وأنت انفعالي كده وما بتحسبهاش؟"
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟
✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:
👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور
🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━