26 - الفصل 26: الفصل الثاني عشر(البارت الثاني)

تجمّدت ليلى للحظة، عينها متسعة بدهشة، أنفاسها متقطّعة، وكأن الكلمات سقطت عليها كالصاعقة.

ارتجف قلبها بين صدمةٍ وخوفٍ، وبين رغبةٍ خفية في التصديق.

لكنها، وبحركة سريعة، التفتت مبتعدة، خطواتها تسبق تفكيرها، قالت بصوتٍ مرتجف:

"لا...

"

خرجت الكلمة كطعنة، قصيرة، حادّة، لكنها محمّلة بكل الارتباك والتردّد.

مشت بسرعة، كأنها تهرب من نفسها قبل أن تهرب منه.

أما خالد...

فقد وقف مكانه مدهوشًا، صامتًا، عيناه تتبعانها في ذهول، وكأن الزمن توقف عند تلك الـ "لا" الصغيرة، التي تركت وراءها فراغًا لا يُحتمل.

لم يعرف خالد إن كانت "لا" التي باغتته هربًا من جرحه الأخير، من كلماته التي وخزت قلبها وكبرياءها...

أم أنها "لا" لشخصه هو.

لكن بطبيعته، بطبعه الذي يأبى الانكسار، اكتفى بالصمت. مكابرٌ، متحفظ، لا يمنح أحدًا مفاتيح روحه بسهولة.

تركها تبتعد، وترك معها قلبه يتعثر في خطواتها. ظل واقفًا، صامتًا، يبتلع ريقه بصعوبة وكأن الكلمة علقت في حلقه.

مد يده بتثاقل إلى الطاولة، التقط مفتاح سيارته، ومضى دون التفات...

تاركًا وراءه صخبًا لم يسمعه أحد سواه.

**************************

بدور، بقلق واضح:

يا منى، إنتي عارفة إن الدكتور منبه عليكي قبل كده بخطورة الحمل تاني...

عليكي وعلى الجنين.

تنهدت منى وأطرقت رأسها:

عارفة يا بدور.

رفعت بدور صوتها بحدة محملة بالقلق:

طالما عارفة، ليه المخاطرة؟!

أجابت منى بنبرة مكسورة:

المخاطرة علشان أخوكي، من يوم ما ولدت ملك وهو معكنن عليّ حياتي...

كل يوم يسمعني إن أنا حرمته من خلفة الولاد. مع إنه عارف كويس إن الموضوع مش بإيدي. وللأسف، مفيش حد قادر يقنعه إن تفكيره غلط. حتى عمتي غالية بتقول: نصيب وقدر، ويمكن الحمل الجاي يعدي على خير.

هزّت بدور رأسها بغضب ممزوج بالخوف:

يعني علشان أخويا بيزن، أو أمي بتتعامل على طبيعتها حسب تفكيرها، ترمي نفسك في التهلكة؟

تنفست منى بنفاذ صبر:

صدقيني يا بدور، أنا نفسي تعبت من الوضع ده. ساعات بقول لنفسي يمكن ربنا يسترها معايا في الحمل تاني.

ردّت بدور بسرعة:

وافرض العكس فكرتي في الاحتمال ده قبل ما تقرري؟

خفضت منى عينيها وقالت باستسلام:

يبقى نصيبي.

تأملتها بدور بألم:

منى، مالك؟! إنتي مكنتيش بتستسلمي بسرعة كده.

تنهدت منى والدمعة محبوسة بعينيها:

علشان تعبت...

طاقتي كلها راحت في المشاكل والضغوط كل يوم ، عاوزة أخلص...

أخلص من اللي أنا فيه، وزي ما تيجي.

بدور، بعزم:

لا، ده مش كلام واقعي. أنا هحكي لعامر، وهو لازم يتدخل.

انتفضت منى بسرعة، تكاد ترجف:

لا.. أرجوكي يا بدور، مش عاوزة حد من إخواتي يتدخل.

تنهدت بدور بغيظ مكتوم، ثم قالت بهدوء:

طيب...

إمتى هتحسمي قرارك؟

أجابت منى بعد تردد:

لسه هاخد رأي الدكتور النهائي...

وأشوف.

أمسكت بدور بيدها وقالت بحزم:

يعني لو التحاليل والتقارير كلها قالت إن الموضوع خطر...

أكيد مش هتكملي؟

ابتلعت منى ريقها بصعوبة، ثم همست:

إن شاء الله.

****************************

مرّت أيام قليلة منذ تلك اللحظة التي قلت فيها "لا"، ومع ذلك، ما زال قلب ليلى يتخبّط بين الحيرة والدهشة. كانت لازالت تجلس في غرفتها في الفندق ، تتأمل الأشياء حولها بلا وعي، وعينها شاخصة في الفراغ، وكأنها تبحث عن إجابة لا تعرف كيف تصل إليها.

همست لنفسها بصوتٍ خافت يتخلله الدهشة التي لم تفق منها بعد

– معقول...

خالد كل الفترة اللي فاتت وهو جواه مشاعر ناحيتي؟

تنهدت، ومسحت يدها على وجهها وهي تضيف في حيرة:

خالد...

الراجل اللي صعب أفهمه...

هو بيفكر في إيه؟ وعايز إيه مني بالظبط؟ بيطلب مني الجواز، بس ليه بالظبط؟

أغمضت عينيها للحظة، محاوِلة ترتيب أفكارها:

طيب...

أنا ليه قلت "لا"؟ هل عشان اتصدمت وتفاجئت بطلبه...

ولا عشان عايزة أرد له تصرفه الهمجي معايا ...

توقفت قليلاً، ثم أضافت بارتباك:

ولا يكون انا رافضة بجد

لكن قلبها لم يهدأ، وسرعان ما عادت لتساؤلها الداخلي بصوتٍ أكثر صدقًا:

آه...

لا...

مش رافضة...

( أنا منكرش إن أي مكان بيكون فيه خالد...

كل حاجة بتتلخبط...

قلبي بيدق بسرعة...

وبخاف...

وبخجل...

مش فاهمة نفسي...

أنا حابة وجوده ولا متوترة من وجوده؟)

تجمدت للحظة، كأنها واجهت الحقيقة لأول مرة، ثم همست لنفسها بصدقٍ مرير:

أنا مش فاهمة نفسي...

ومش عارفة أتصرف إزاي...

وبين كل هذه الأسئلة، كان قلبها يهتف بلا صوت: شيء غريب يتسلل من أعماقها، شعور لا تستطيع تفسيره...

شعور يجعل كل شيء حولها صاخبًا، حتى في صمت غرفتها.

بينما كانت ليلى غارقة في أفكارها، تتقاذفها مشاعر متناقضة بين عقلٍ يصرّ على الرفض وقلبٍ يرتجف كلما مرّ اسم خالد في خاطرها، قطع شرودها رنين هاتفها الموضوع بجانبها. التقطته بسرعة، وعندما ظهر اسم "سلمى" على الشاشة، ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها، كأن شعاعًا دافئًا اخترق حيرتها. ضغطت على زر الإجابة، وقالت بلهفة:

ألو...

سلمي حبيبتي...

وحشتيني.

جاءها صوت سلمى مليئًا بالشوق:

إنتي أكتر يا ليلى يا حبيبتي.

ابتسمت ليلى بعطف:

إن شاء الله تكوني مبسوطة.

ضحكت سلمى بخفة، وردّت:

ـمبسوطة؟ دي كلمة قليلة...

أنا طايرة من الفرح

تنفست ليلى بارتياح، كأن فرح أختها انسدل على قلبها:

ربنا يسعدك يا حبيبتي...

أكتر وأكتر.

ــ إن شاء الله يا روحي...

بقلك، إحنا هنوصل الخميس إن شاء الله.

رفرفت ابتسامة عذبة على شفتي ليلى وهي تجيبها:

ـطيب يا حبيبتي...

يبقى هاجي أستقبلكم في المطار.

قاطعتها سلمى بسرعة، بصوتٍ حاسم:

لأ يا روحي، مفيش داعي...

تيجي مخصوص من البلد للقاهرة؟ إحنا هنوصل القاهرة وهنيجي لكم على البلد على طول.

هزّت ليلى رأسها لا إراديًا، وردّت باندفاع ودون أن تدرك زلّة لسانها:

لا...

مفيش تعب، أنا أصلاً في القاهرة.

ساد صمت قصير، قبل أن يأتِ صوت سلمى متعجبًا:

ـفي القاهرة؟ ليه؟

تجمدت ليلى في مكانها، وارتبكت ملامحها، شعرت بالحرج يتسرب إلى نبرتها. حاولت تدارك الموقف، فخرج صوتها متلعثمًا:

ـيعني...

كده...

بغير جو.

رفعت سلمى حاجبيها بدهشة، وكأنها تحاول أن تفهم ما وراء الكلمات:

بتغيري جو!

كانت ليلى ما زالت في حالة من الشرود، تقلب كلماتها مع سلمي كأنها تبحث في داخلها عن حجة تُبرر بها لنفسها قبل أن تُقنع أختها.

قالت بصوت حاولت أن تجعله مرحًا، لكن ارتجافه فضحها:

يعني...

يا سلمي...

هو انتي لوحدك اللي بتفرفشي؟ أنا كمان قلت أقلدكم.

سكتت سلمي لحظة طويلة، كأنها تستمع بين السطور لا إلى ما قيل فقط. ثم سألتها بصوت هادئ يخالطه قلق:

ليلى...

انتي كويسة؟

أسرعت ليلى بالرد، خشية أن ينكشف ما تخفيه:

آه يا حبيبتي...

أنا تمام...

ليه بتقولي كده؟

لكن سلمي لم تقتنع، صوتها خرج متردّدًا:

مش عارفة ليه...

حاسة إن فيكي حاجة...

وموضوع إنك تروحي القاهرة تغيّري جو...

مش داخلة دماغي.

رفعت ليلى صوتها قليلًا، محاولة الدفاع عن موقفها:

ليه بقى؟ مش داخلة دماغك ليه؟ هو أنا ماليش نفس أغير جو زيك؟

ابتسمت سلمي ابتسامة صغيرة، محاولة أن تُلين الأجواء:

لا طبعًا يا حبيبتي...

مقصدش...

أكيد ليكي حق...

بس أوعي تكوني زعلتي إني سافرت.

جاء صوت ليلى هذه المرة سريعًا، مليئًا بالحرارة والحنان:

لا يا حبيبتي...

بالعكس...

أنا فرحانة إنك مبسوطة ومع إنسان بتحبيه وبيحبك...

طارق إنسان كويس.

ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه سلمي، عينها تلمع بالرضا:

آه...

كويس أوي أوي يا ليلى.

ابتسمت ليلى هي الأخرى، لكن ابتسامتها كانت مثقلة، أقرب إلى قناع يخفي خلفه تعبها:

الحمد لله...

ربنا يسعدكم...

وزي ما اتفقنا، الخميس هاجي أستقبلكم في المطار.

سمي:"ماشي يا حبيبتي."، ثم أنهت الاتصال.

لكنها ظلت تحدق في شاشة الهاتف المظلمة بعد المكالمة، كأنها تحاول أن تستخلص منها سرًا مخفيًا. شرودها لفت انتباه طارق، الذي كان يجلس بالقرب منها يراقب تعبيراتها المتبدلة. سألها بحيرة:

"حبيبي...

ماله؟"

تنهدت سلمي وهي تضع الهاتف ببطء إلى جوارها:

"مش عارفة يا طارق...

حاسة إن ليلى فيها حاجة."

قطّب طارق حاجبيه:

"حاجة خير...

مالها؟"

قالت سلمي بقلق يزداد:

"يعني بقالها كم يوم في القاهرة وهتقعد يومين كمان للخميس...

وبتقولي بغير جو."

حاول طارق أن يهون عليها:

"طيب...

ما هو يمكن فعلًا بتغير جو."

هزت سلمي رأسها نافضة الشك:

"مظنش يا طارق...

ليلى مش من طبيعتها تغيب كل ده عن شغلها...

إلا لو كانت متضايقة...

أو زعلانة إني سافرت وسبتها."

ابتسم طارق محاولًا السيطرة على توترها:

"لا يا حبيبتي...

مظنش. تفكيرها مش طفولي كده."

التفتت إليه بدهشة، عيناها تتسعان:

"طفولي؟ يعني لو زعلت إن أختها سافرت يبقى تفكير طفولي؟"

"لا يا حبيبتي...

مش قصدي...

" قالها طارق سريعًا وهو يمد يده ليلمس يدها في محاولة للتهدئة. "قصدي إن ليلى أهم حاجة عندها إنك تكوني مبسوطة ومتطمنة. ومظنش إنها تسيب شغلها وتسافر كم يوم كده إلا لو فعلًا عايزة تغير جو."

لم تقتنع سلمي، مالت بجسدها للأمام، عيناها تبحثان عن إجابة:

"طب...

اشمعنى سافرت علطول بعد ما أنا مشيت؟"

تنهّد طارق وأطرق رأسه لحظة، ثم قال بصراحة:

"مش عارف يا سلمي...

بس بصي، أنا هحاول أفهم الأمور إيه."

"هتفهم إزاي؟" سألت سلمي بترقب.

– "هسأل خالد...

هو معاها في الشغل...

وأكيد بلغته إنها عايزة أجازة...

أو يمكن لاحظ إنها فيها حاجة."

نظرت إليه سلمي برجاء :

"طيب يا حبيبي...

اتصل به على طول."

ابتسم طارق ابتسامة صغيرة وهو يحاول تهدئتها:

"طيب يا حبيبتي...

تعالي بس ننزل نتغدى وبعدين أطّلبه."

لكنها ردت بسرعة وحزم، كأن قلبها لم يعد يحتمل التأجيل:

"لا...

دلوقتي...

يا طارق."

رفع طارق حاجبيه ونفخ في ضيق خفيف، ثم قال بنفاذ صبر ممهور بالاستسلام:

"طيب...

أمرك."

أمسك طارق هاتفه، وضغط على الرقم بسرعة، حتى جاءه صوت خالد الجاد عبر الخط:

خلود...

إيه يا بوص، وحشتني...

إيه الأخبار؟

ارتسمت على شفتي خالد ابتسامة صغيرة رغم صوته المتحفظ:

تمام يا عريس...

إيه أخباركم إنتو؟

ردّ طارق بخفة:

إحنا تمام يا حبيبي.

ثم صمت قليلًا قبل أن يخفض نبرته متسائلًا:

بقُلك إيه يا خالد...

هو ليلى في حاجة؟

تصلبت ملامح خالد للحظة، وأجاب بجدية متسائلة:

حاجة إيه؟

تنحنح طارق وهو يحاول أن يبدو عابرًا:

قصدي يعني...

بقالها كام يوم في القاهرة، وبتقول لسلمي إنها "بتغير جو".

في تلك اللحظة، ابتلع خالد ريقه ببطء، كأن السؤال أصابه في مقتل، ثم زفر طويلًا وتنهد بارتياح مصطنع قبل أن يجيب:

طيب ما هي قالتلكم...

بتغير جو. في إيه بقى؟

لكن طارق لم يقتنع بسهولة، فصوته حمل شيئًا من الإصرار وهو يرد:

لأ يا سيدي، أصل سلمي مش مصدقة. بتقول ليلى شكلها متضايقة أو في حاجة. فقلت لها هكلم خالد وأسأله...

يمكن حاجة ضايقتها أو خلتها تاخد إجازة وتيجي القاهرة."

أغلق خالد عينيه لثانية، ثم قال ببطءٍ محسوب، يخفي خلف كلماته ما لا يريد كشفه:

لأ...

مفيش حاجة. زي ما قالت لكم بالظبط، جت تغير جو كام يوم...

وخلاص."

سكت طارق لثوانٍ، كأن شيئًا في نبرة خالد لم يترك في نفسه راحة. لكن وجود سلمي بجواره جعله يتدارك الموقف سريعًا، فابتسم في صوته وهو يرد:

طيب يا حبيبي...

ماشي. يلا، سلّم عليهم كلهم.

خالد: بيسلموا عليك.

وأغلق طارق الخط، بينما ظل خالد يحدّق في شاشة الهاتف بعد انطفاء الضوء، والشرود يعود إليه أضعافًا مضاعفة..

****************************

كانت بدور تجلس شاردة في حديثها مع منى، وقلقها على حالها يشدها من الداخل، حتى قطع شرودها دخول الصغيرة فرح وهي تلوّح بلعبتها الجديدة:

"خالتو بدور...

تعالي العبي معايا بلعبتي الجديدة"

التفتت لترى فرح تمد إليها يديها الصغيرة، ببراءة لا تُقاوَم. ابتسمت بدور ونهضت بخفة، لتذهب مع الطفلة إلى غرفتها، حيث كان فارس ينشغل بألعابه. وسرعان ما ذاب الوقت، وهي بينهما كطفلة ثالثة، تضحك وتشاركهما اللعب، حتى امتلأت الغرفة بضحكات عالية ورنين مرح.

وفي تلك اللحظة، كان عامر متجهًا إلى غرفته، فاستوقفه ذلك الصوت المجلجل بالفرح. اقترب بخطوات بطيئة، حتى وقف عند باب الغرفة، عيونه تتابع المشهد بصمت.

رآها جالسة بينهم، شعرها منسدل على كتفيها، وعيناها تبرقان من المرح، وضحكتها تملأ المكان فيذوب صلابته للحظة دون أن يشعر.

اقترب أكثر، لكن سبقه صوت فرح، وهي تهمس بشوق:

"بابا...

تعال العب معانا."

رفعت بدور عينيها نحوه،ثم قالت بمرح مقصود وهي تنظر إليه بخبث:

"حبيبتي فرح، بابا مشغول...

بلاش نعطله.

ابتسم عامر واقترب ببطء، نبرة صوته دافئة وفيها شيء من المزاح:

لأ...

بابا فاضي.

أردفت بدور، وهي ترفع حاجبيها بمرح:

ده إيه الهنا ده..العمدة فضي نفسه وجه يلعب معانا

ضحك عامر بخبث، مدركًا تمامًا ما تقصده، ثم جلس بجوارهم قائلًا:

العمدة ذات نفسه ماعندهوش أغلى منيكم...

بس جدروا ظروفه.

ردت بدور، وفي عينيها لمعة خجل وشيء من الدلال:

إحنا بنقدّر...

يا ريت هو كمان يقدّر.

ابتسم عامر وهو يرمقها نظرة خفية:

هو برضه بيقدّر.

ولم يمهلهم فارس وقتًا للاسترسال، إذ قاطعهم ببراءة طفولية:

هو إنتوا هتفضلوا توشوشوا كتير...

مش هنلعب؟

تبادلت بدور وعامر نظرات مرتبكة، فاشتعلت وجنتاها خجلًا، ثم انفجر الجميع في ضحكة صافية، غمرت الغرفة مرة أخرى بدفءٍ لا يُنسى.

**************************

أمام إحدى صالات الوصول في مطار القاهرة الدولي، وقفت ليلى شاردة، عينها على لوحة مواعيد الطائرات وقلبها معلق بلحظة وصول أختها. لم تشعر بالوقت، حتى قطع شرودها صوت رجولي هادئ خلفها:

"لسه نص ساعة على وصول الطيارة."

التفتت بسرعة، لتجده واقفًا هناك، متخفّيًا خلف نظارته الشمسية، عينيه مثبتتان إلى الأمام، ويداه في جيب بنطاله، كأنما يتعمد ألا يلتقي نظرهما.

ارتبكت وقالت بخفوت:

"عارفة...

شكلي جيت بدري."

رد بابتسامة قصيرة لم تكتمل:

"لو تحبي ناخد فنجان قهوة لحد ما الطيارة توصل؟"

ترددت، قلبها يريد أن يهرب، لكن عقلها يذكّرها بأنها مضطرة للبقاء بجواره نصف ساعة على أي حال. أجابت متوترة:

"تمام...

مفيش مانع."

فسح لها الطريق وأشار بيده، كأنه يترك لها الاختيار، وابتسامة صغيرة زينت ثغره.

على إحدى الطاولات الزجاجية في المطار، جلسا متقابلين. أمام كل منهما فنجان قهوة. خلع خالد نظارته الشمسية ووضعها أمامه على الطاولة، ثم ألقى نظرة خاطفة نحوها بينما كانت عيناها معلقتين بالزجاج الجانبي، تراقب حركة الطائرات على المهبط كأنها تهرب من النظر إليه.

قال فجأة وهو ينظر إليها بثبات:

"لسه عاوزة تسافري دبي؟"

أجابت متوترة، دون أن تلتفت:

– "يمكن...

يمكن ده أفضل قرار."

احتسى رشفة من قهوته وقال بثقة هادئة:

"ويمكن إنتي ما فكرتيش كويس."

التفتت إليه بسرعة وقالت باستغراب:

"مفكرتش في إيه بالظبط؟"

رفع عينيه نحوها مباشرة، وقال بثبات:

"في كل حاجة."

نظراته أربكتها. لأول مرة تجلس أمامه بهذا القرب، ولأول مرة ترى عينيه البنيتين العميقتين تقتحمان عينيها بهذه الجرأة. ابتلعت ريقها وقالت محاولة التماسك:

"لا...

فكرت كويس...

في كل حاجة."

سألها وهو يضع فنجانه بهدوء:

"متأكدة؟"

لترد هي بتوتر واضح:

"قصدك إيه؟"

تنفست بعمق ثم قالت فجأة، وكأنها تخرج ما بداخلها:

"بصراحة...

إنت بالنسبة لي شخص مش مفهوم."

انعقد حاجباه وقال بجدية:

"مش مفهوم؟ في إيه؟"

تنفست بعمق وقالت:

في كل حاجة ...

طريقتك غامضة...

محدش يعرف إيه اللي جواك. مرة ألاقيك عصبي ومتحكم، ومرة تانية الاقيك بتتعامل كويس. وفجأة...

اتفاجأ منك بتصرفات مش متوقعة...

"

سكتت قليلًا ثم أكملت، والخجل يكسو وجهها:

"وكله كوم...

وفجأة تيجي تقولي تتجوزيني! طب إزاي؟"

ابتسم بخفة، وقال كأنه يستفزها:

"هو إيه اللي إزاي؟ هو طلب الجواز حاجة غريبة؟"

نظرت له مذهولة:

"طبعًا غريبة! أما يكون كله علاقتي بيك فيها رسميات شغل...

وغموض...

ومؤخرًا عصبية وتحكمات...

وفجأة تطلب جواز!"

مال قليلًا للأمام وقال بثقة:

"طيب...

تصرفاتي دي مش بتبينلك حاجة؟"

ارتبكت أكثر وقالت بعصبية:

"حاجة إيه؟"

صمت قليلًا، يترك كلماتها تتخبط في نفسها، بينما عيناه تفضحان ما يخفيه. ثم قالت هي باندفاع، محاولة فك اللغز:

"أنا نفسي مش فاهمة سبب رغبتك في الجواز...

إيه؟ عشان مش واضح."

ابتسم خالد ابتسامة صغيرة وقال:

"وهي الناس بتتجوز ليه؟"

أجابت بخفوت مرتبك:

"لأسباب كتير...

في ناس عاوزة استقرار وتكوين أسرة...

في ناس علشان عادة اجتماعية...

وفي ناس...

"

سكتت لحظة ثم أتمّت بخجل:

"وفي ناس بتتجوز عشان في بينهم حب وعايزين يكملوا حياتهم سوا."

مال خالد برأسه قليلًا وقال بابتسامة خبيثة:

"برافو عليكي...

وانتي بقى شايفة شخصيتي أي واحدة فيهم؟"

ازدادت ضربات قلبها، ارتبكت:

"معرفش."

لكن بداخلها، كان صوتها يهمس: "لو كان عايز استقرار أو عادة اجتماعية، كان اتجوز من زمان...

خالد مش النوع ده...

يبقى مش فاضل غير السبب الأخير."

احمرّت وجنتاها من الفكرة، فالتقط هو رد فعلها وابتسم بخبث، عينيه تلمعان:

"تفكيرك وصلك لإيه؟"

قالت بسرعة، محاولة تدارك خجلها:

"تفكيري موصلنيش لحاجة! بس تعرف الفرق بيني وبينك؟ إنك غامض في كل حاجة...

حتى في طلبك للجواز. لكن أنا...

يوم ما أفكر أتجوز، هكون واضحة. مشاعري واضحة...

مش هغلفها بغموض ولا أخبيها."

صمت خالد، وقد أدرك قصدها. طالما كان حذرًا في مشاعره وكلماته. أما هي، فقد ألقت أمامه بحقيقة صريحة.

وقفت فجأة وقالت وهي تلتقط حقيبتها:

"أظن معاد الطيارة وصل."

شكرتـه على القهوة بخفوت، وهمّت بالرحيل. تابعها هو بعينيه لحظات، ثم نهض ولحق بها، خطاه واثقة كعادته، بينما قلبها لم يعد يعرف إلى أين المفر.


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 0 مشاهدة · 2520 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026