27 - الفصل 27: الفصل الثالث عشر (البارت الأول)

"نظرة عابرة تكفي لتشعل حربًا بين القلب والكبرياء، ولحظة واحدة قد تغيّر كل شيء."

****************

بينما كانت خطواتهم تتجه نحو صالة الوصول، امتزجت ضوضاء المطار بالأنفاس المتلاحقة وكأنها إيقاع خفي يواكب التوتر الصامت بينهما. كانت ليلى تسير إلى جوار خالد، متحفظة، كأنها تفرض على نفسها جدارًا من البرود لا يسمح له بالاقتراب. لكن نظراته العابثة لم تتركها، يتأمل تفاصيلها بخبثٍ مكتوم.

وفجأة، مال بجسده قليلًا نحوها، حتى كاد أن يلامس أذنها، وهمس بنبرة ماكرة:

"سلمي وطارق نازلين البلد الليلة دي...

تفتكري ظريف تسيبي أختك بعد غياب أسبوع وتقعدي في فندق لوحدك؟"

التفتت إليه ليلى بسرعة، مدهوشة ومتغاظة في الوقت ذاته، وقرأت في عينيه تلك المتعة الشريرة التي يجدها دائمًا حين يراها تفقد رباطة جأشها. لم يكتفِ، بل أكمل بابتسامة خبيثة وهو يثبت نظره إلى الأمام:

"إلا إذا...

عايزة تقولي أسباب وجودك هنا في القاهرة."

كزّت على أسنانها وردّت بحدة مكتومة:

"انت بتستفزني...

صح؟"

رفع حاجبيه ببرود مصطنع، وقال بلهجة باردة:

"أنا؟ لأ أبداً."

لكنها لم تحتمل ترك زمام اللعبة في يده، فأرادت أن ترد له الطعنة صاعين، فابتسمت بخبث هي الأخرى، وثبّتت عينيها إلى الأمام كأنها لا تعبأ بوجوده، وقالت بسخرية لاذعة:

"بصراحة...

أنا ماعنديش مانع أقول السبب اللي خلاني أسيب البلد واجي هنا. لكن اعتقد انت هيكون عندك مانع ،، لو العيلة كلها عرفت إن البشمهندس المحترم، التقيل، اللي بيوزن كل تصرف،قرب لبنت عمه غصب وقلها كلام مستفز وكل ده ليه علشان في واحد طلبها منه؟!!!

ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها، فيما تجمدت نظراته للحظة، وضغط خالد على أسنانه في غيظ مكتوم، وهمَّ بالرد عليها لولا أن لمح من بعيد طارق وسلمى يقتربان.

فمال نحوها قليلًا، وصوته يتسرب من بين شفتيه ببطء:

"ماشي يا ليلى...

بس خدي بالك، أنا نفسي طويل."

أجابت بابتسامة سخرية أكثر ثباتًا:

"وأنا نفسي أطول."

اقترب أكثر وهمس بجملة حادة، نبرتها كالسهم المباغت لاستفزازها:

"بالمناسبة.. أنا مش ندمان على قرب ده."

ارتجف صبرها من جرأته، واشتعلت عينها غضبًا، وهمّت بالرد، لكنه تركها ببساطة، وتوجه نحو طارق، فاتحًا ذراعيه يعانقه، وكأن شيئًا لم يكن...

تاركًا خلفه قلبها يتخبط بين الغضب والذهول.

**********************

جلس ياسين أمام عمه ماهر بملامح جادة. كان قلبه يخفق لكن صوته خرج ثابتًا، حين قطع لحظة الصمت قائلاً:

عمي ماهر...

بخصوص كتب الكتاب اللي بعد يومين...

اسمحلي أقول عاوز أأجّله شوية.

لم يكد ينهي جملته حتى ارتسمت على شفتي ميرهان ابتسامة صغيرة، امتزجت بارتياح خفي، قبل أن تتبعها تنهيدة طويلة وكأنها أزاحت ثِقلاً عن صدرها. ذلك التفصيل لم يغب عن عين ياسين، الذي لمحها بطرف نظره، لكن اللحظة سرعان ما انكسرت بصوت ماهر الغليظ وهو يزمجر:

إيه الكلام ده يا ولد أخويا؟! هو اتفاقات الرجالة لعب عيال ولا إيه؟

رفع ياسين كفه بهدوء محاولًا تهدئة نبرة الغضب، ثم قال بثبات:

روق يا عمي...

واسمعني للآخر.

تعلقت عينا ماهر به، فاستجمع ياسين كلماته وأكمل:

أنا قصدي...

زي ما حضرتك قلت قبل كده ،انا وميرهان مش غرب عن بعض، متربين سوا وعارفين بعض من سنين. وإيه لزوم كتب الكتاب دلوقتي وبعدها فترة الفرح؟ ليه ما نخليش كل حاجة في يوم واحد؟ كتب الكتاب والفرح والدخلة كمان...

نضرب عصفورين بحجر واحد ونخلص.

التفت سريعًا نحو ميرهان وهو يبتسم بثقة ويغمز لها بخفة، كأنما يتعمد استفزازها. احمر وجهها غضبًا وخجلًا في آن، واشتعلت عيناها بوميض مكتوم لا يعرفه سواه.

أما ماهر فقد مال بظهره إلى الوراء، يحك لحيته ببطء وهو يتأمل العرض غير المتوقع، قبل أن يهز رأسه قائلاً بجدية:

والله كلام معجول يا ياسين...

أنا موافج.

كانت الكلمة كصفعة على وجه ميرهان. شهقت بخفة، ثم نهضت بعصبية تكاد تخفيها عن الجميع، واستأذنت مغادرة المكان، وهي تشتعل غيظًا من ثقة ياسين المفرطة وقدرته على إدارة دفة الحوار.

لكن ماهر لم يلتفت كثيرًا إلى انفعال ابنته، بل استدار نحو زوجته قائلاً بحزم:

شوفي يا حاجة رجاء، جهّزي المطلوب وخلّصوا اللي وراكم.

ثم عاد بعينيه نحو ياسين، صوته هذه المرة أقل حدّة وأكثر جدية:

بس كده يبجي محتاجين وقت...

شبكة وجهاز، والفيلا تتجهز.

ابتسم ياسين بثقة وهو يسند ظهره إلى المقعد قائلاً:

الشبكة يوم واحد وتكون عندنا، والجهاز كمان نفس الحكاية. هنزل مع ميرهان القاهرة ونظبط كل حاجة. فيلا المعادي تقريبًا جاهزة، نشتري العفش ونوديه هناك. أما جناحي في القصر...

خلال كام يوم أكون مظبطه. وبالنسبة للفرح، إخواتي يشرفوا على ترتيباته.

ارتسمت على وجه ماهر ابتسامة رضا، وربت على ذقنه مرة أخرى قبل أن يرد:

كلام سليم. يبجى كده بعد أسبوعين بالتمام نعمل الفرح.

سكت لحظة، ثم مالت عيناه إلى البعيد، كأنما يتخيل المشهد بعظمته، وخرج صوته محملًا بفخر وغرور:

وعايز فرح يتهز له البلد كلها...

والبلاد اللي حوالينا كمان. بنت النائب ماهر صقر مش هتتجوز إلا بجوازة يفضل الناس يحكوا عنها سنين.

*****************************

عانقت سلمي أختها ليلى بحرارة، ثم همست لها ضاحكة:

"مقولتليش يا ليلى إنك هتيجي مع البشمهندس تستقبليني."

ابتسمت ليلى ابتسامة متحفظة وهي تخفي ارتباكها:

"احنا مجناش سوا...

اتقابلنا هنا بس."

هزّت سلمي رأسها وهي تلمح الجمود على وجه أختها، ثم قالت بخفة:

"مفهوم."

قطع خالد الحديث وهو يتدخل بنبرة هادئة:

"أظن بعد السفر الطويل ده، جعانين...

إيه رأيكم نتعشّى سوا قبل ماننزل البلد؟"

ابتسمت سلمي بتعب:

"أنا والله مش جعانة للأكل...

أنا جعانة للنوم."

قهقه طارق مازحًا وربّت على معدته:

"لا، اتكلمي عن نفسك! أنا هموت من الجوع. يلا بينا يا بوص...

الحقنا على أقرب مطعم."

ثم مال نحو سلمي بخفة هامسًا:

"والموضوع بتاع جعانة للنوم ده...

هنشوفه بعدين."

خجلت سلمي بينما انفجروا جميعًا بالضحك.

بعد دقائق، كانوا جميعًا يجلسون في مطعم مطل على النيل. وما إن استقروا حتى استأذنت سلمي للخروج إلى التراس، مشيرة إلى ليلى أن ترافقها حتى يأتي العشاء.

في الخارج، انسابت أنوار القاهرة على صفحة النيل العتيق. وقفت ليلى واجمة، تحدّق في البعيد وقد غاصت في أفكارها. قطعت سلمي صمتها قائلة بقلق:

"مش هتقولي ليا يا ليلى مالك؟"

"مالي؟ مانا كويسة." ردّت ليلى بدهشة مصطنعة.

هزت سلمي رأسها وهي تراقبها:

"لأ...

مش كويسة. صوتك في التليفون ماكانش مريحني، وإقامتك في القاهرة طولت. والنهاردة...

اتأكدت إن في حاجة مضايقاكي."

تنفست ليلى بعمق، وكأنها قررت أن تزيح الحمل عن صدرها دفعة واحدة، ثم قالت بلا مقدمات:

"خالد طلب يتجوزني."

اتسعت عينا سلمي في دهشة حقيقية، وردّت بارتباك:

"بتقولي إيه؟...

خالد وانتي؟ إزاي؟"

أجابت ليلى وهي تطرق بعينيها:

"زي ما بقولك...

من أسبوع قالي عاوز يتجوزني."

"كده...

من غير مقدمات؟ ولا كان في حاجة بينكم وأنا مش واخدة بالي؟" سألتها سلمي بذهول.

قاطعتها ليلى سريعًا:

ياستي مفيش قصص ولا مقدمات. هو قال، وأنا قلت لأ.

سلمي مندهشة:

"لا؟! إزاي وليه؟ حد يرفض خالد؟ ده راجل...

جمال، وأخلاق، وكاريزما، وكفاية إنه أخو طارق!"

ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة، ثم لكزت أختها بخفة:

"آه طبعًا...

كل اللي يهمك إنه أخو طارق."

ضحكت سلمي، لكنها عادت بنبرة جادة:

"يعني فعلاً قلتي لا؟"

"أيوه...

رفضت." ردت ليلى بإصرار، لكن قلبها كان يرتجف من مجرد تذكر الموقف.

ـأطرقت سلمي لحظة، ثم همست:

"يبقى ده السبب إنك جيتي القاهرة...

رفضتيه ومقدرتيش تبقي في وشه."

أومأت ليلى برأسها في صمت، لكنها أخفت السبب الأعمق...

قالت سلمي بنبرة متفحصة:

"طب ليه رفضتيه؟"

ترددت ليلى ثم قالت بحيرة:

"مش عارفة...

ده الرد اللي جه في بالي."

قالت سلمى وهي تراقب أختها باهتمام:

"طيب...

هو فجأة كده قالك عايز يتجوزك؟"

ارتبكت ليلى، وأجابت بعد لحظة صمت:

"يعني...

آخر فترة تصرفاته اتغيرت."

سكتت، كأنها مترددة في إضافة المزيد، ثم تنهدت وأضافت:

"...

وخصوصا من يوم ما دكتور عمر ...

طلبني للجواز."

شهقت سلمي بدهشة:

"إيه ومين عمر ده كمان؟"

قصّت ليلى عليها ما جرى مع عمر، فأطرقت سلمي تفكر، ثم قالت:

"طب انتي مش واخدة بالك؟ خالد كان غيران.. وكل تصرفاته كانت بتفضحه. فاكرة فرح وائل؟ لما كنتي مع وليد...

خالد حضر شوية ومشي من غير ما يسلم عليكي. وافتكري لما كنا في دبي وقعدنا مع دكتور هشام في مزرعة الخيول,, قال لطارق: تلاقيه حبيبها المتخفي، قالها وهو بيغلي غيرة."

انقبض قلب ليلى وهي تسترجع تلك المواقف. صور متفرقة عادت إلى ذاكرتها: نظرات حادة، انسحاب مفاجئ، كلمات تحمل سخرية ظاهرة ومرارة خفية. شعرت للحظة بارتباك حقيقي، لكنّها حاولت أن تتمسك بجمودها، فابتلعت ريقها وقالت:

"حتى لو...

، إحنا مفيش بينا حاجة. وفجأة ييجي يقولي عايز يتجوزني؟."

ابتسمت سلمى وأجابت بنبرة هادئة:

"علشان يا ليلى، خالد مش من النوع اللي بيعبر بسهولة عن مشاعره. هو متحفظ في كل شيء...

وأظنّك إنتِ كمان كده. فممكن شاف إن الجواز هيبقى أقصر طريق يعبر بيه عن اللي جواه."

ثم مالت نحوها وقالت بثقة:

ـ"عموماً، فكّري كويس. شكله في مشاعر ناحيتك...

وأنا متأكدة إنك كمان عندك مشاعر، بس بتكابري."

انتفضت ليلى بسرعة وقالت بنبرة حاسمة:

"أنا؟! لا طبعاً."

صمتت سلمى قليلًا، ثم نظرت إليها بحدة مازحة وقالت:

"آه...

بأمارة إنك كنتي بتنزلي تفطري بدري عشان تسبقيه قبل ما يروح المستشفى، وتروحي معاه وترجعي معاه؟! وبأمارة إنك طرتي من الفرح لما اتعمل اسطبل جديد مخصوص علشان تركبي الخيل براحتك؟"

ارتبكت ليلى وقالت متحفظة:

"الاسطبل ده اتعمل لستات العيلة كلها."

قهقهت سلمى وقالت بسخرية محببة:

"ستات مين يا حبيبتي؟ أنا عن نفسي مبقربش من الخيل إلا نادر جداً. وبدور لسه عايزة تتعلم. مفيش غيرك إنتي اللي معروفة بحبك للخيل. وبعدين إنتي عارفة إن العمدة كان رافض في الأول إن الستات يركبوا في الاسطبل المكشوف، فخالد إدّى أمر يبنوا اسطبل جديد مخصوص. قال إيه...

علشان حريم العيلة! حريم إيه يا ليلى...

الموضوع كله كان علشانك."

ابتسمت ليلى بخجل، ولم تدرِ بما تجيب. عندها اقتربت سلمى أكثر، وقالت بصوت جاد ورقيق:

"فكّري تاني في قرارك...

متضيعيش رجل زي خالد."

وعلى الجهة الأخرى، كان طارق يجلس مع خالد على مائدة العشاء. تبادلا بعض الأحاديث الخفيفة بينما كانا في انتظار الطعام. رفع طارق حاجبيه مازحًا وقال:

"متعرفش ليلى هتقعد هنا في القاهرة لحد إمتى؟ أصل سلمي صدّعت دماغي بالموضوع ده."

أشعل خالد سيجارته بهدوء، ونفث دخانها ببرود وقال:

"بكرا هتكون في البلد."

نظر له طارق مبتسمًا، وقال:

"مش عارف يا بوص، حاسس إن في قصة."

ابتسم خالد بخفة وقال بهدوء:

"طلبتها للجواز."

قهقه طارق بصوت عالٍ، واعتدل في جلسته متفاجئًا:

"إيه! لا...

دي عايزة قعدة لوحدها."

ثم تناول سيجارة من علبة خالد، وأشعلها قبل أن يضيف بمرح:

"كان قلبي حاسس يا هندسة إن فيك حاجة."

ابتسم خالد بسخرية وهدوء:

"أشمعنى؟"

رد طارق ضاحكًا:

"يا بوص...

من أيام دبي، واهتمامك بيها وغيرتك كانت باينة. ونظراتك وهي راكبة الخيل ماحدش ماخدش باله منها. وبعدين هنا في مصر، تعيينها في المستشفى...

وتبني اسطبل مخصوص، قال إيه...

علشان حريم العيلة!"

ثم انفجر ضاحكًا وأضاف:

"حريم مين يا خالد؟ سلمي اللي بتدوخ من لفتين؟ ولا مني أختك اللي بتترعب من الخيل؟ ولا يمكن علشان الحاجّة؟!"

قاطعه خالد محذرًا:

"ماتتلم يا برنس."

ضحك طارق وقال:

"أتلم إيه بس؟ احكي يا بوص...

إيه اللي بيحصل من ورانا؟"

ابتسم خالد ابتسامة ساخرة وقال:

"مافيش حاجة بتحصل ولاحاجة. كل القصة إني طلبت إتجوزها...

وهي ردت وقالت لا."

طارق شهق بدهشة أكبر:

"لا؟! دي بهزار!"

رد خالد بجدية:

"والله ما بهزر."

قال طارق مستغربًا:

"وليه بقى؟"

هز خالد كتفيه وهو ينفث دخان سيجارته:

"بتقول عني غامض و مش فاهماني...

بس بكره هتفهم."

ابتسم طارق وربت على كتفه:

ـ "يبقى نقول مبروك من دلوقتي...

أنا عارفك، ماتحط حاجة في دماغك مش هتسيبها."

نظر خالد إليه نظرة جادة وقال:

"بس إياك الكلام ده يطلع بره. أنا وهي محتاجين وقت."

ضحك طارق وقال مطمئنًا:

"سرك في بير يا بوص."

ابتسم خالد ساخرًا وقال:

"آه...

وأنا عارف البير بتاعك مخروم."

فضحكا معًا، وضحكتهما أخفت وراءها أسراراً أكبر مما قيل.

*********************

في تلك الأمسية الثقيلة، جلس بلال في شرفة فيلا سيف على أطراف البلدة، تلك الفيلا التي طالما جمعت بعض شباب العائلة في سهرات بعيدة عن العيون ،أشعل سيف سيجارة وأخذ ينفث الدخان بتثاقل، قبل أن يفتح الحديث بصوتٍ خافت:

"في قطعة أرض عشرة فدادين...

معروضة للبيع عند مدخل البلد. صاحبها رجل الأعمال أحمد التميمي. والأجمل إن فيها جزء داخل كردون المباني...

يعني مشروع يدر دهب لو اتعمل صح."

رفع بلال حاجبه مترددًا وقال:

السيولة اللي معايا مش هتكفي أخلص فيها.

ثم اكمل كلامه وهو يرمق سيف :

طب ما تخدها إنت.

قهقه سيف ضاحكًا ثم أضاف ساخرًا:

أخدها منين يا حسرة؟ ما إنت عارف خالك كاتم على نفسي ومش سايبلي مليم أتصرف فيه.

ثم مال للأمام، صوته ينساب بخبث:

بس عندي فكرة.

شد بلال جسده إلى الأمام بفضول:

فكرة إيه؟

ابتسم سيف ابتسامة باردة:

خلي منى تبيع أرضها...

تبدل بيها هناك. تبعد عن أرض العيلة ووجع الدماغ.

ارتبك بلال للحظة، ثم رد سريعًا:

"أقنعها تبيع أرضها؟! استحالة...

مش ممكن توافق."

ألقى سيف برأسه للخلف ساخرًا:

ياسلام! يعني ملكش تأثير عليها؟ ولا لسه إخواتها اللي بيتحكموا في كل نفس بتتنفسه؟

اشتعل الغضب في عيني بلال، ورد بانفعال:

"طبعا ليا تأثير...

ونص! وبالمناسبة...

أرضها دلوقتي أنا اللي بشرف عليها، وعندي منها توكيل أتصرف وأدير العمال والمزارع."

قهقه سيف ضاحكًا بسخرية:

"طب ما هو ده المطلوب.. الورق في إيدك...

ليه مستني؟"

زفر بلال بقوة وقال:

اتصرف إيه؟ مفيش بيع هيتم غير بمعرفتها. إنت عايز الناس يقولوا عني إيه؟

اقترب سيف أكثر، وصوته هذه المرة صار أثقل، يحمل خبث الإغواء:

يقولوا اللي يقولوه...

المهم مصلحتك. ولا ناوي تفضل طول عمرك تحت جناح عامر وخالد...

كل حاجة ترجع لهم، وكل قرار لازم يختموا عليه؟"

صمت بلال، وعيناه غاصتا في البعيد. الكلمات اخترقت أعماقه كالخنجر؛ فقد طالما شعر أن أبناء خاله يمسكون بخيوط كل شيء، وأنه مجرد تابع لا أكثر. لأول مرة راودته فكرة أن يتمرّد...

أو على الأقل يثبت لنفسه أنه ليس مجرد ظل في العائلة.

*********************************

بعدما انتهوا من العشاء وغادروا المطعم، ساد بينهم جو من الألفة الممزوجة بلمحات خفية من توتر لم يلحظه سوى ليلى وخالد. قاد خالد السيارة بهدوء نحو فيلا طارق، حيث طلب الأخير أن يمر ليأخذ سيارته استعدادًا للسفر بها

عند وصولهم، ترجّل طارق وسلمى من السيارة، وتبعتهما ليلى وهي تهمّ بالنزول، غير أنّ خالد أوقفها بصوت منخفض وهادئ:

"أظن هما حابين يسافروا لوحدهم بالعربية."

التفتت ليلى إليه بغيظ مكبوت وقالت:

"هما قالوا لك كده؟"

ابتسم خالد ابتسامة وادعة وقال بثقة:

"مش محتاجة حد يقولي."

ضاقت عيناها وردّت بنفاد صبر:

"عموماً...

أنا أصلاً ماكنتش هركب معاهم. هطلب تاكسي وأرجع الفندق."

قال خالد بنفس الهدوء، وكأن حدّتها لا تعنيه:

"براحتك."

في تلك اللحظة، عادت سلمى بخطوات مسرعة وقالت بحماس:

"ها يا ليلى...

تعالي نوصلك الفندق تجيبي شنطتك ونرجع سوا البلد."

ترددت ليلى وقد بدا عليها الارتباك:

"مش عارفة يا سلمى...

أروح البلد ولا أفضّل هنا."

نظرت لها سلمى بدهشة وقالت بعتاب واضح:

"يعني إيه؟ أنا هقعد هناك وانتي هنا؟ ارجوك يا ليلى، ما تسيبينيش لوحدي."

شعرت ليلى بالحرج من كلام أختها، وضاقت أنفاسها حتى قالت بضيق:

"طيب...

هروح أجيب حاجتي من الفندق."

حينها، أشار خالد بطرف عينه لطارق إشارة صامتة، فهمها على الفور. ابتسم طارق بخبث وقال:

"والله يا ليلى كان نفسي نجي معاكي الفندق ونساعدك، بس اسفين...

فاصلين تمام ويدوب نلحق نرجع البلد."

نظرت له سلمى بدهشة وقالت:

"إيه يا طارق! دي نص ساعة؟"

ابتسم طارق وهو يغمز لها:

"لا يا حبيبتي، الطريق زحمة وهنتأخر. وبعدين مش حضرتك بتقولي جعانة نوم؟"

ثم أضاف وهو يلتفت نحو خالد:

"وكده كده خالد موجود...

وفاضي. يروح مع ليلى الفندق ويجيبوا شنطها، ويرجعوا سوا."

ابتسمت سلمى بخجل وقد فهمت تلميحه، وقالت بسرعة:

"آه...

تمام."

انتفضت ليلى وقالت بعصبية:

"تمام إيه!؟ لا، خلاص...

طالما أنتم مستعجلين، اتفضلوا. أنا هطلب عربية أو تاكسي يوصلني الفندق."

قهقه طارق وهو يلوّح بيده:

"عربية ولا تاكسي؟! وإبن عمك واقف؟ طيب يا دكتورة، هترجعي البلد إزاي بليل كده؟"

أجابت ليلى بغيظ:

"هتصرّف."

هزّ طارق رأسه وقال بنبرة حازمة ممزوجة بالمرح:

"لأ، معندناش ستات تركب مع غرب في نص الليل. ابن عمك موجود، ولا إيه يا بوص؟" قالها وهو يغمز لخالد.

لم يعلّق خالد بكلمة، بل اكتفى بابتسامة هادئة أقرب إلى الغموض، ثم خطا بخطوات ثابتة نحو السيارة فتح الباب الأمامي المقابل له ببطء، كأنه يمنحها خيارًا لا يحتمل الرفض، وقال بصوت منخفض يحمل إصرارًا لا يُناقش:

"تفضلي."

وقفت ليلى مكانها لثوانٍ بدت أثقل من الدهر، تتأرجح بين كبريائها الذي يأبى الانصياع، وفضولها الذي يأبى الانسحاب. زفرت بعمق، وكأنها تطرد شيئًا من ضيق صدرها، ثم أرسلت إلى أختها نظرة خاطفة فيها استئذان صامت، قبل أن تتحرك ببطء. خطواتها نحو السيارة بدت كأنها تُساق إلى مواجهة لم تختر زمانها ولا مكانها.

جلست أخيرًا إلى جواره، وضمّت حقيبتها الصغيرة إلى صدرها كدرعٍ هشّ، فيما كانت عيناها تراقب الأمام بصرامة مصطنعة، تحاول أن تُخفي بها الارتباك المتسلل إلى أعماقها. أما خالد، فجلس إلى مقعده ويده على المقود، وابتسامة جانبية مرت بهدوء على شفتيه، تلك الابتسامة التي لا تُفصح عمّا يدور في رأسه، لكنها تُشعل في قلبها نار الحيرة أكثر.


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 1 مشاهدة · 2604 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026