29 - الفصل 29: الفصل الرابع عشر(البارت الأول)

كلما اقتربتُ منكِ...

ابتعدتِ عني

فأدركتُ أنني أمام امرأة لا تُروّض...

إمّا أن أملك قلبها دفعة واحدة...

أو أظلُّ غريبًا على عتبة روحها.

******************

مرَّ الليل كستارٍ ثقيل، يُغطي ما لا يجرؤ القلب على قوله. كل واحدٍ غارقٌ في حكايته، بين حيرةٍ وقلقٍ ورجاء.

وقبل ليلة زفاف ياسين وميرهان، كان البيت الكبير هادئًا من الخارج، لكنه في الداخل يعجّ بأحاديثٍ مكتومة، وقلوبٍ تتأرجح بين الأمل والخوف.

وما إن مضت ليلة الفرح بسلام، حتى بدأت صناديق الصمت تنفتح، ويخرج منها ما ظلّ حبيسًا طويلًا.

في الصباح،

جاءت منى إلى بيت والدتها، وجلست إلى جوارها، بينما تبادلت مع بدور بعض الأحاديث الودّية والابتسامات العابرة. غير أنّ الصمت سرعان ما تسرّب بينهنّ، حينها رفعت منى عينيها، وقالت بصوتٍ حاول أن يبدو ثابتًا، غير أنّ ارتعاشًا خفيًّا تسلّل بين حروفه:

"أنا وبِلال...

غدًا مسافرون إلى القاهرة. تحدّد موعد الحقن المجهري...

وقد قررت أن أبدأ."

رفعت فاطمة حاجبها:

"خلاص يا بِتّي...

خدتي قرارِك؟"

تنهدت منى:

"آه...

بقالنا أسبوعين بنتابع، وخلاص هتوكل على الله."

وضعت فاطمة يدها على يد ابنتها وربّتت عليها بحنان، ثم قالت وهي تتنهد:

"ربنا يحنّن عليكِ يا منى...

ويجبر بخاطرِك...

والمرة دي يرزقِك بالواد، يكون سليم ومعافى."

تململت بدور في جلستها وقالت بحدةٍ خفيفة:

"هو لازم واد يا مرات خالي؟! البنات زي الفل والله."

ابتسمت فاطمة وهزّت رأسها:

"البنات رزق وخير...

بس الواد يا بِتي...

زيادة خير. وبلال نفسُه في ولد يشيل اسمُه."

ثم رمقتها بطرف عينها وغمزت قائلة:

"وإنتي كمان يا بدور...

شدّي حيلِك، عايزين نفرح بعيالك إنتي والعمدة."

ارتبكت بدور وردّت وهي تخفي وجهها بين يديها:

"هو عنده فرح وفارس...

مش ناقصه حاجة."

ضحكت فاطمة بمكرٍ وقالت:

"يعني إنتِ مالِكش نفس يا بتّي يكون لك عيال منه؟"

انخفض صوت بدور وهي تقول بخجل:

"أكيد...

طبعًا."

في تلك اللحظة، خرج عامر من المضيفة، وقد التقط بعض أطراف الحديث. مرّ بعينيه على بدور نظرةً عابرة، ثم صعد إلى غرفته.

شعرت بدور بحرارةٍ تسري في وجنتيها، فظلت تتابعه بنظراتٍ قلقة حتى غاب عن عينيها.

...

بعد دقائق، دخلت بدور الغرفة. كان عامر يقف في التراس، يحدّق في أشجار الحديقة بصمتٍ غارق.

اقتربت منه وقالت بخفة:

"سرحان في إيه يا عمدة؟"

التفت إليها ببطء، وابتسم ابتسامة حنونة:

"سرحان في اللي ناسية العمدة اللي مابجتش تسأل فيا."

ضحكت بدور بدلعٍ خفيف:

"وأنت يعني اللي بتسأل؟! طول اليوم مشغول عني."

اقترب منها، وأحاط كتفيها بذراعه:

"حتى لو مشغول...

إنتِ دايمًا في بالي وجلبي."

ثم تظاهر بالزعل وقال:

"بس أنا واضح لا في بالك ولا جلبك حتي ."

فتحت عينيها بدهشة:

"ليه بتقول كده ياعامر ؟"

قال بجديةٍ هادئة:

"سمعتك تحت بتجولي عامر عنده عيال...

هو إنتِي مش نفسك يكون ليكي عيال مني؟"

ارتبكت بدور واحمر وجهها:

"لا...

مش قصدي كده، كنت بهزر مع مرات خالي."

اقترب أكثر وهمس وهو يبتسم بمكر:

"يا سلام...

وأنا مفروض اصدج أنه هزار"

قالت بلهفة:

"صدقني...

كنت بهزر. متزعلش بقي. "

خفض صوته أكثر وأقترب منها :

"لو عايزة تراضيني...

أثبتيلي"

اتسعت عيناها بدهشة:

"أثبتلك إزاي؟!"

اقترب أكثر، ونظر إليها نظرة مشتعلة:

"تثبتيلي إنك نفسك في ولاد مني."

ارتجفت بدور وتراجعت بخجل:

"إنت مصدّقت بسرعة"

ضحك عامر واقترب منها ثانية:

"طبعا مصدّجت...

"

وقبل أن يقترب منها أكثر، انفتح الباب فجأة ودخل فارس وفرح وهما يصرخان بلهفة:

"بابا بابا ....

فارس طيّر العصافير من القفص "

توترت بدور وابتعدت في الحال، بينما أطلق عامر زفرة ضيق وقال ساخرًا:

"العصافير اللي طارت ولله عقلي أنا اللي طار؟!"

ثم غمزها هامسًا وهو يخرج:

"بالطريقة دي...

شكلنا هنكتفي بفرح وفارس...

مفيش فرصة نجيب غيرهم."

ابتسمت بدور بخجل، ووجنتاها تتوهجان كأنهما يفضحان ما يخبئه قلبها.

*************************

نقرات متتالية على الباب أربكت الأجواء. هبّ هو واقفًا من على الأريكة، بينما فزعت هي من سريرها متوترة. بصوت جهوري سأل:

ــ مين؟

جاءه صوت الخادمة من خلف الباب:

"صباح الخير يا ياسين بيه...

الحاجة باعتلكم الفطور."

مشى بخطوات متململة، فتح الباب مواربًا، أخذ الصينية ووضعها على المنضدة دون أن ينظر إليها أو يعلق. ثم دخل الحمام وأدار الماء، ليأخذ حمامًا دافئًا يبعد به عن توتر الأمس.

أما هي، فكانت الغيظة تشتعل في قلبها.، تتذكر رده القاسي عليها في الليلة السابقة، وها هو الآن يزيد الأمر تجاهلًا وبرودًا. تنهدت بغيظ ـ"ماشي يا ياسين...

فاكر إنك بالتجاهل ده هتخليني أرجع في كلامي؟! بالعكس...

ده أنا بعند أكتر."

خرج هو من الحمام، ينشف شعره بالمنشفة، ثم حمل صينية الفطور ووضعها في التراس. التفت نحوها وقال ببرود:

هتفطري؟

ردت بعصبية:

"مش عاوزة."

قال ببرود أشد: براحتك.

دزز

جلس يتناول طعامه بهدوء، يقلب في هاتفه بين مقاطع الفيديو، ويطلق ضحكة عابرة بين الحين والآخر، كأن وجودها إلى جواره لا يعني شيئًا. لم تعد ميرهان قادرة على الاحتمال، فاندفعت إلى البلكونة وقالت بحدّة

"إيه البرود اللي عندك ده؟!"

رفع عينيه نحوها وقال بهدوء مستفز:

نعم؟

قالت بانفعال:

"آه...

مالك بتعاملني كده ليه؟!"

تنفّس بعمق ثم وقف واقترب منها ببطء، وقال بحدة هادئة:

أولًا...

مايصحش واحدة محترمة تكلم جوزها بالشكل ده.

ثانيًا...

هو حضرتك عايزاني أعمل إيه بالضبط؟ أبطل آكل؟ أبطل أضحك؟ أقعد في ركن الأوضة وأبكي على ميرهان هانم اللي طردتني من جنتها؟"

ارتبكت من كلماته وقالت بعصبية:

ياسين...

اتكلم كويس.

اقترب أكثر وقال بنبرة حادة لكنها محسوبة:

لا...

إنتِي اللي لازم تتكلمي كويس. وماتنسيش إنك دلوقتي بتكلمي جوزك.

مر بجوارها عائدًا إلى الغرفة، ثم توقف فجأة والتفت بحدة، صوته جاف وحاد:

"وبالمناسبة...

ما تدخليش البلكونة بالمنظر ده تاني. في غُفر وعُمّال واقفين تحت في الجنينة، والعيون ما بترحمش."

ارتبكت ميرهان، وحدّقت في نفسها سريعًا، ثم ردّت باندفاع دفاعي:

"هو أنا لابسة إيه يعني؟! دي بيجامة عادية."

ابتسم ياسين ابتسامة ساخرة، والتفت نحوها، عيناه تجولتا عليها من أعلى إلى أسفل بنظرة أربكتها، وقال بسخرية:

"هي دي بيجامة؟! دي قنبلة موقوتة."

ارتبكت ميرهان وتورد وجهها بخجل، بينما تظاهرت بالتماسك وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه.

*******************

انتهى الجميع من تناول الفطور، قال طارق وهو يتكئ على الكرسي:

"إيه يا بوص...

خلاص ناوي بُكره على السفر؟"

أومأ خالد برأسه بهدوء:

"إن شاء الله."

تدخّل عامر وهو يقلب فنجان قهوته:

"هتجعد جد إيه في دبي يا هندسة؟"

رد خالد باقتضاب:

"أسبوع...

إن شاء الله."

ابتسمت سلمى بخفة وقالت ممازحة وهي تنظر إلى طارق:

"مش كنا رحنا إحنا كمان دبي؟! وحشتني أوي."

رد طارق وهو يربت على يدها:

"إن شاء الله يا حبيبتي...

هنظبّها قريب. بس اليومين دول لازم أكون موجود، خصوصًا إن ياسين هيسافر عشرة أيام، وخالد كمان مسافر، يعني أنا اللي لازم أبقى ماسك كل حاجة."

خلال تلك الأحاديث ، انسابت نظرات ليلى إلى خالد في خلسةٍ حذرة، كأنها زلة بغير قصد. لكن عينيه التقطتاها في اللحظة ذاتها، فتلاقت النظرات سريعًا...

لمعة خاطفة سرعان ما كسرتها ارتباكة ليلى وهي تخفض بصرها بخجل، قبل أن تستأذن فجأة وتنهض.

خطت مبتعدة، فتبعتها سلمى بخطوات خفيفة وهي تمازحها:

"إيه يا ليلى...

هتروحي فين؟ مش إنتِ قلتي النهارده أجازة؟"

أجابت ليلى بارتباك:

"هروح الإسطبل شوية...

أغير جو."

ضحكت سلمى بخفة وقالت:

"ماشي يا ستّي، غيري جو زي ما تحبي."

وبينما غادرت ليلي، بقي خالد ساكنًا في مكانه، يتابع خطواتها حتى اختفت عن عينيه. ارتسمت على وجهه ابتسامة بالكاد تُرى، ثم أدار وجهه ليخفيها، وعاد يتظاهر بالانشغال بفنجان قهوته.

*****************

رنّ الهاتف، جاء صوت سيف واثقًا:

"أيوه يا بلال...

حولتلك نصيبك النهارده على البنك."

تنفّس بلال براحة وقال:

"تمام يا سيف...

ربنا يسترها ومحدش يكتشف القصة دي."

ضحك سيف بسخرية:

"يكتشف إيه يا عم؟ البضاعة بقالها أسبوع عند الجماعة، والفلوس اتحولت خلاص. إنت بس شد حيلك...

لسه في حاجات أتقل جاية."

زفر بلال وقال بتهكم:

"هو في أتقل من كده؟! إنت متعرفش أنا الأسبوعين اللي فاتوا كنت على أعصابي...

كل لحظة خايف حاجة تتقفش في الميناء."

رد سيف ببرود:

"بقولك إيه يا بلال؟ اجمد...

وبلاش كتر كلام في التليفونات."

أطرق بلال برهة ثم قال بخفوت:

"آه...

صح. ماشي. سلام."

أغلق بلال الخط بتوجس، بينما سيف ظل ينظر لنفسه في المرآة مبتسمًا بزهو، كأنه يزداد ثقة مع كل خطوة يخطوها في طريق مظلم لانهاية له ..

***************

في الإسطبل، اعتلت ليلى صهوة درة، تجوب بها الممرات بخطوات متوترة، بينما عقلها لم يكن مع الحصان، بل بعيدًا...

هناك حيث يقف هو. تساؤلات متلاحقة تنهش رأسها:

إنسان غامض فعلاً...

من أسبوعين طلب يدي للزواج، وكان واضح إنه عايز يقرب، وفجأة دلوقتي نادر ما بشوفه، ولا بيتكلم كتير معايا.

سكتت لحظة ثم عادت ترد على نفسها بحدة:

بس برضه يا ليلى...

إنتي ما ادّيتيهوش فرصة. الأوقات القليلة اللي جه فيها المستشفى كنتي بتتهربي، وفي البيت طول الوقت مع سلمى أو بدور، حتى هنا في الإسطبل عمرك ما بتيجي لوحدك. هيكلمك إزاي؟

ارتبكت أكثر، ثم همست بتوتر:

وبعدين...

هو أنا أصلًا عايزة يكلم معايا ليه؟ مش أنا اللي رفضته؟

زفرت بعصبية، وقبل أن تغرق أكثر في أفكارها، سمعت وقع حوافر خلفها، وصوتًا أجش يقول بنبرة هادئة:

"وصلتي لحد فين في تفكيرك؟"

التفتت فجأة، فوجدته أمامها. ارتبكت وقالت محاولة التماسك:

"قصدك إيه؟"

ابتسم خالد ابتسامة خفيفة، وقال:

"شايفك بقالك شوية بتكلمي نفسك ومش مركزة."

ردّت بسرعة:

"لا، أبداً...

بيتهيألك."

ضحك بخفوت:

"يمكن." ثم أشار إلى فرسها: "على العموم، شاطرة إنك عرفتي تروّضي درة هي عنيدة. مش أي حد بيعرف يسيطر عليها."

ابتسمت ليلى بثقة:

"بالعكس، أنا مش شايفاها عنيدة. يمكن عندها شوية كبرياء...

بس مش عناد."

ثم نظرت نحو حصانه تيمور وقالت بنبرة خفيفة:

"يمكن اللي عنيد بجد...

هو تيمور."

ضحك خالد وقال:

"وبقيتي تحللي شخصياتهم كمان؟"

أجابت بابتسامة:

"مش تحليل...

بس شخصياتهم واضحة."

هزّ رأسه مؤيدًا:

"تحليلِك صح. تيمور عنيد شوية."

قهقهت ليلى بسخرية:

"شوية؟! ده عنيد جدًا...

وغامض كمان."

ابتسم بخبث وسألها:

هو مين الغامض ؟"

ارتبكت، ونظرت بعيدًا:

"قصدي تيمور...

يعني هكون بتكلم عن مين"

أومأ خالد ببطء وقال:

"تمام...

تيمور."

حاولت ليلى تغيير مسار الحديث، فقالت:

"كويس إنك رجعت تركبه...

كنت غايب عن الإسطبل بقالك فترة."

ابتسم خالد ابتسامة غامضة:

"أنا نفسي أجي كل يوم...

بس قلت بلاش أزعج درة وصاحبتها."

نظرت إليه باستفهام:

"تزعج؟ إزاي يعني؟"

اقترب قليلًا وقال بهدوء:

"قصدي إني ملاحظ إن في حد بيتعمد يختفي من أي مكان أكون فيه، فقلت أسيبه براحته."

ارتبكت ليلى أكثر، وسألته بصوت منخفض:

"مين بالظبط؟"

ابتسم بمكر وقال:

"درة...

وصاحبتها."

أحسّت بحرارة تتصاعد في وجنتيها، وأخفضت بصرها بخجل. أكمل خالد بنبرة هادئة:

"على أي حال...

فرصة إني مسافر دبي أسبوع. كده هترتاحوا مني شوية."

تمتمت ليلى مرتبكة:

"تسافر بالسلامة." ثم أسرعت تستأذن وغادرت على ظهر درة.

ظل خالد واقفًا في مكانه، عيناه ما زالتا عالقتين بالاتجاه الذي اختفت فيه. شدّ على لجام تيمور وكأنما يفرغ ما يضطرم بداخله في قبضته، ثم تسللت الكلمات من صدره همسًا كأنها اعتراف:

حيرتيني معاكي

مرة تفتحيلي باب بعينيكي، ومرة ترميلي وراءه ألف قفل.

إيه اللي جوّاك؟ خوف؟ ولا لعبة عناد؟

أغمض عينيه لحظة، وابتسم ابتسامة باهتة لا تخلو من مرارة:

يمكن لو كنتِ سهلة...

ما كنتش وقفت عندك.

بس صعوبتك هي اللي بتسحرني، وبرودك اللي بيستفزني، وصمتك اللي بيجرّني وراك من غير ما أحس.

ترددت الكلمات داخله أكثر مما خرجت، فابتسم ابتسامة واهنة لا يدري إن كانت سخرية من نفسه أم استسلامًا لضعفه.

شدّ لجام تيمور بقوة، كأنه يفرغ فيه توتره، ثم امتطاه وانطلق بخطوات حازمة، تاركًا الريح تصفع وجهه بقسوة. لم تكن الريح وحدها ما يصفعه، بل تلك النظرات المترددة التي لا يستطيع أن يفهمها، ولا أن يقاوم سحرها.

*************************

قال ياسين وهو يرمقها بنظرة ماكرة:

"يلا يا هانم، قومي غيّري البيجامة دي وجهّزي نفسك ننزل تحت...

أكيد الجماعة مستنّينا. مش معقول هنقضي اليوم كله هنا في الأوضة، يفتكرونا عرسان بجد."

ارتبكت ميرهان من تلميحاته، وازدادت حرارة وجهها، فأسرعت نحو الدولاب، التقطت ملابسها بعصبية، ثم دخلت الحمّام وأغلقت الباب خلفها بقوة، هامسة بغضب:

"وقح"

لكن صوت ياسين لحقها من الخارج، وهو يضغط على أسنانه بغيظ:

"على فكرة...

سمعتك. وغلطاتك كترت أوي يا ميرهان."

تجمدت مكانها، تضع يدها على فمها بلا وعي، وقد اختلط ارتباكها بخجلٍ حارق جعل قلبها يخفق بعنف، كأنها انكشفت تمامًا أمامه.

بعد لحظات ....

هبط ياسين وميرهان إلى الطابق السفلي، حيث كان أفراد العائلة يتجمعون في الحديقة الواسعة، والتهاني تتوالى عليهم بابتسامات ومصافحات. بدت ميرهان متماسكة، تردّ بكلمات مقتضبة، بينما ياسين يشارك بابتسامة مصطنعة، كأنها قناع يخفي ما يغلي تحته.

مال نحوها هامسًا، وصوته مشبع بالسخرية:

"ما شاء الله...

تستاهلي جايزة أوسكار. اللي يشوفك يقول عروسة وفرحانة بجوازها."

التفتت إليه ميرهان بابتسامة باردة، وردّت باستفزاز وهي تشد على كلماتها:

"من بعض ماعندكم....

"

لمعت عينيه بخبث، لكنه آثر الصمت، بينما كانت هي تستعيد وقارها سريعًا.

وما هي إلا لحظات حتى شقّ ماهر ورجاء طريقهما إلى الحديقة. تململ ياسين، وزفر بامتعاض وهو يهمس:

"كملت...

أبوكي كمان جاي يهنينا."

ارتبكت ميرهان للحال، واعتدلت في جلستها فجأة، ثم نهضت لتستقبل والدها وأمها بابتسامة مرتبكة تخالطها رعشة دفينة، محاولة أن تُخفي اضطرابها خلف واجب الاحترام.

دخل ماهر بصوته الجهوري المجلجل، وقد سبقه ضحكه العالي:

"إيه يا عرسان؟ صباحيتكم مباركة...

ربنا يسعدكم!"

وأشار بيده للغفير أن يُدخل الصناديق الكبيرة المكدّسة، وهو يهلل ويفرد ذراعيه كأنه جاء بالغنائم.

ابتسمت فاطمة بتودّد، وقالت وهي تحاول تخفيف الموقف:

"تعبت نفسك ليه يا حاج ماهر؟"

ردّ ماهر وقد نفخ صدره فخرًا:

"دي أقل حاجة يا حاجة فاطمة...

أقل من الواجب"

في تلك اللحظة، ارتمت رجاء في حضن ابنتها، تقبّلها بحرارة وهمست:

"مبروك يا حبيبتي...

الله يسعد أيامك."

جلسوا جميعًا، وتدافعت الأحاديث بين المجاملات والضحكات. قطع ماهر الكلام موجّهًا نظره نحو ياسين:

"ميعاد طيارتكم امتى يا ياسين؟"

أجاب ياسين بهدوء:

"الساعة ستة يا عمي."

رمقته ميرهان بنظرة متوترة، لكنها سرعان ما أشاحت بوجهها. التقطت رجاء الخيط وقالت بلهجة أمومة حانية:

"جهزتي شنطتك يا بنتي؟ ولا أساعدك؟"

أجابت ميرهان بتصنّع:

"هجهّزها يا ماما...

"

ثم استأذنت، ولحقتها رجاء بحجة المساعدة. وما إن أغلقتا باب الغرفة خلفهما حتى التفتت رجاء إلى ابنتها بقلق:

"مالك يا ميرهان؟ حاسّة إن في حاجة بتخنقك."

تنفست ميرهان بحدة، وقالت بصوت مضطرب:

"هيكون في إيه يا ماما؟ كله تمثيلية...

بنمّثلها كلنا"

اتسعت عينا رجاء فزعًا:

"تمثيلية؟ إزاي يعني؟"

ردّت ميرهان بمرارة:

"تمثيلية جوازي من ياسين"

شهقت رجاء وهي تضع يدها على فمها:

"إيه! إنتي بتقولي إيه يا بنتي؟ إنتي اتجوزتي ياسين بجد...

دا مش هزار"

صرخت ميرهان، وصوتها يرتعش بالغضب المكبوت:

"ما انتي عارفة...

جواز غصب محدش سمعني ولا حد فكر في قلبي...

بالنسبة لي مش معتبراه جوزي ولا هاعتبره "

اشتعل وجه رجاء غضبًا:

"انتي اتجننتي يا ميرهان؟! ياسين جوزك ودا أمر واقع...

اتعدّلي بدل ما أروح أحكي لأبوكي دلوقتي"

احمرّت عينا ميرهان بالدموع وهي ترد بعصبية:

"أبوكي...

أبوكي...

هو اللي عمره ما كان غير نقطة وجع في حياتي"

شهقت رجاء، وحاولت تهدئتها:

"استعيذي بالله...

حبي جوزك وقربي له، ياسين محترم وشاريكي."

قهقهت ميرهان بسخرية مرة:

"محترم؟! وشارياني؟"

تنهدت رجاء بعجز:

"أيوه...

شاريكي. إيه اللي مخليكي مش طايقاه كده؟ علشان عايزك بتصديه؟ إنما لو كان طارق...

كان زمانك مرمية تحت رجليه"

لم تدرك رجاء أن كلماتها الأخيرة لم تتبخر في الهواء...

فخلف الباب، كان هناك من يقف ، يسمع كل كلمة، كأنها طعنة انغرست في صدره.


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 0 مشاهدة · 2345 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026