أسرعت ميرهان نحو الباب الموارب لتغلقه، قلبها يخفق بعنف، خشية أن يكون أحد قد التقط خيوط حديثها. لكن الأوان كان قد فات...
كان هو هناك، واقفًا في الظل، صامتًا، ينصت لكل كلمة وكأنها سهام تخترق صدره.
لم يُواجهها، لم يتكلم، بل انصرف سريعًا إلى الطابق العلوي، إلى التراس في سطح البيت، هاربًا من الأعين والوجوه. وقف هناك، والريح تعصف بثيابه، وأنفاسه تخرج متقطعة، كأنها تحاول أن تطفئ نيرانًا تشتعل بداخله.
ضغط على أسنانه وهو يتمتم في داخله:
"كنت فاكر إن عنادها رد فعل للي حصل بسبب رفض طارق لها ...
قلت يمكن كرامتها اتجرحت وبتحاول تخبي ضعفها. صدقت إن جوازنا اللي كان بالغصب ممكن مع الأيام يلين قلبها. بس واضح إني غلّطت في الحساب...
استعجلت، واندفعت."
وفي الأسفل، كانت المواجهة على أشدها.
صرخت ميرهان في وجه أمها بعصبية حادة:
"ماما! إنتي بتقولي إيه؟! أنا عمري ما حبيت طارق!"
تراجعت رجاء قليلاً، وعيناها تتسعان بدهشة وحيرة:
"بس يا بنتي...
يوم ما عرفتي إن أبوكي ناوي يخطّبك له، كنتي طايرة من الفرحة. ومع ياسين، كان العكس...
مع إن هو اللي اختارك بيده. وبصراحة، ما هوش مختلف عن طارق: الاتنين ما فيش بينهم فرق، في الشكل ولا في الأصل ولا في النسب...
يبقى إيه حكايتك يا بنت ماهر؟"
كأنها فجّرت بركانًا صامتًا...
انفجرت ميرهان وهي تبكي بحرقة:
"مشكلتي كرامتي مشكلتي ان مش هما اللي بيجيوا يخبطوا علي بابي زي اي بنت ويخطبوني كل مرة جواز بتخطيط بابا .. و مانكرش أن فرحت ماقلي طارق هيخطبك ولكن بعد ماعرفت أن بابا اللي أجبره اتكسرت وما رفضني كمان وفضّل سلمي انكسرت اكتر . ثم فيا ايه انا علشان أترفض؟! والمرة دي برضه جواز إجباري...
كرامتي راحت فين؟ أنا طول عمري حاسة إني بضاعة معروضة في السوق"
ثم انهارت، ودموعها تنساب على خديها:
"أنا ناقصني إيه؟ شكلي...
الحمد لله، الكل بيقول جميلة. متعلمة...
متربية. ولا عيبي إني بنت ماهر اللي الناس بتخاف منه؟!"
ضمّتها رجاء إلى صدرها بحنان، ومسحت على شعرها:
"لا يا حبيبتي...
إنتِ مش ناقصة حاجة، إنتِ كمال وجمال. بس ياسين راجل كويس، وشاريكي من قلبه."
رفعت ميرهان رأسها بعينين دامعتين، صوتها يرتجف بعنادٍ يائس:
"محترم؟! ده كمل اللي بدأه بابا...
خذني غصب. كله بالعافية والعند."
ارتبكت رجاء، وظهر الخوف في صوتها وهي تهمس:
"ميرهان...
هو أجبرك امبارح؟"
شهقت ميرهان بخجل، وارتبكت:
"ماما! إيه اللي بتفكري فيه ده ؟ لا طبعا...
ما حصلش حاجة. ولا هيحصل."
اتسعت عينا رجاء بدهشة، وهزّت رأسها بصرامة:
"إنتي بتقولي إيه؟ فوقي لنفسك يا بنتي. ياسين جوزك...
واللي بتعمليه لا دين ولا أصول يقبلوه. إنتي اتربيتِ على الصح...
راعي ربنا في جوزك وعيشي."
وقبل أن تُكمل، طرق الباب طرقًا خفيفًا، ودخلت صابرين تقول:
"يا حاجة، الحاج ماهر بيستعجلك علشان تمشوا."
أجابت رجاء وهي تنهض:
"حاضر يا بنتي...
نازلة."
التفتت نحو ابنتها، واحتضنتها آخر مرة، وهمست بحزم وحنان مختلطين:
"فوقي يا ميرهان...
وراعي ربنا. ياسين كويس، وشاريك بجد."
وغادرت رجاء الغرفة، تاركة ميرهان غارقة في ارتباكها، تتخبط بين كبريائها الجريح...
وبين كلام أمها الذي ينقر في رأسها كجرس لا يتوقف.
أما فوق، كان ياسين يحدّق في الأفق بعينين غامقتين، يهمس في صمته: "هي شايفاني إيه بالضبط؟ غاصب...
ولا زوج؟ ولا قدرها اللي هربت منه ومش عايزة تعيشه؟
***************
في إحدى الجلسات المعتادة بينهم،أشعل سيف سيجارة وأخذ ينفث دخانها ببطء، ثم التفت إلى بلال قائلاً بنبرة متعمدة:
"ها يا بلال...
مش ناوي تخلص وتشتري الأرض اللي قلتلك عليها؟ دي فرصة مش هتتعوض."
أجابه بلال متململًا:
"يا عم أنا قلتلك، مافيش سيولة دلوقتي."
قهقه سيف ساخرًا، ثم ضرب بيده على كتف بلال:
"سيولة إيه بس؟ مش مراتك عاملة لك توكيل؟ ما تبيع أرضها وتبدل...
الأرض اللي أنا عارضها عليك دي أحسن ميت مرة من أرض مراتك
دي فيها مباني وجزء مزارع كمان، غير الزراعي...
دخلها مضمون."
تجهّم بلال وقال بحدة مصطنعة:
"قلتلك مش عاوز حد يقول عليا كلمة...
وطمع في ارض مراته."
أطلق سيف ضحكة ساخرة:
"كلمة مين يا عم؟ إنت عامل حساب ولاد عمك قوي كده ليه؟ دي أرض مراتك، من حقك تبدل وتغير وتبيع وتشتري زي ما تحب. وبعدين هو مش لمستقبلها وولادها؟ ما تبقاش طيب زيادة...
الدنيا دي مش بتسيب لحد حاجة بسهولة."
سكت بلال، وكأن كلمات سيف تسللت إلى عقله مثل خيوط دخان تلتف حوله. ظل ساكتًا لكن ذهنه مشغول، يفكر ويحسبها من جميع الجوانب.
وحين عاد إلى البيت ذلك المساء، دخل على غير عادته وهو يلين في كلامه مع منى. جلست منى على طرف الكنبة منهمكة في إعداد بعض الأغراض للسفر، فاقترب منها بلال وهو يتكلف ابتسامة.
"ها يا أم البنات...
مستعدة لسفر بكره؟"
رفعت منى رأسها بتوتر، ثم قالت بصوت خافت:
"ربنا يسهل يا بلال. مش هخبّي عليك، أنا قلبي مش مطمّن. خايفة من العملية...
ومن اللي بعدها كمان."
ربّت بلال على يدها وقال بتصنع:
"ربنا كريم...
المهم نعمل اللي علينا. ويمكن ربنا يرزقنا المرة دي بالولد...
وياسلام لو طلعوا توأم"
ارتبكت منى وقالت بسرعة، كأنها تدفع الفكرة بعيدًا:
"توأم؟! لا يا بلال...
ده خطر أكبر. كفاية ولد واحد لو ربنا أراد ويارب يكون سليم مش زي ملك."
تنحنح بلال وتظاهر بالهدوء:
"زي ما ربنا كاتب...
يا سلام لو العيلة كبرت. يبقى خير ونعمة."
أطرقت مني برأسها وقالت:
"اللي ربنا عاوزه هيكون."
ثم أخذ يتحايل عليها، يجلس بجوارها ويمسك يدها بلطف، محاولًا أن يدخل في الموضوع دون أن يثير شكوكها:
"بصي يا منى...
أنا كنت بفكر كده...
العيلة لو كبرت وبقى عندنا أولاد أكتر، لازم يكون في ظهرهم سند. وأنا شايف إن في فرصة مش هتتكرر."
نظرت إليه منى بريبة:
"فرصة؟ تقصد إيه؟"
قال وهو يثبت نظره في عينيها:
"في أرض حلوة جدًا معروضة للبيع. أرض كبيرة...
جزء منها مباني، وجزء مزارع، والباقي زراعي. بتاعة رجل أعمال، وهو ناوي يبيعها رخيصة عشان محتاج سيولة."
أومأت منى برأسها في حذر:
"تمام...
بس وإنت معاك سيولة لكل ده؟"
ابتسم بلال ابتسامة واهنة:
"هنا بقى مربط الفرس. السيولة ناقصة. لكن...
ممكن نلاقي حل."
رفعت منى حاجبيها مستغربة:
"حل إزاي؟"
اقترب أكثر وهمس:
"نبيع أرضك. نعرضها للبيع ونبدل...
ونجيب الأرض التانية. يا منى دي صفقة عمرنا، وهتكون دخلها أحسن بكتير من الأرض اللي عندك."
شهقت منى بدهشة:
"أرضي؟! بس أرضي موقعها كويس وبتدخل إيجار ثابت! ليه أفرط فيها؟"
رد بلال بإصرار، وكأنه يحاول إقناع نفسه قبلها:
"بس الأرض التانية يا منى...
دخلها هيبقى أضعاف. فيها مزارع وزراعة، وهتكبر معانا. يعني الخير خيرين."
ترددت منى وهي تعض على شفتها:
"مش عارفة...
الموضوع مش بسيط يا بلال. خليني أفكر."
قال بسرعة وكأنه يخشى أن تفلت منه:
"مايستاهلش تفكير طويل. الفرصة دي لو راحت مش هتتعوض. و في الآخر كلها أرض...
هنا ولا هناك، إيه اللي هيفرق؟"
ظلت منى صامتة لحظات، ثم قالت بقلق:
"طيب...
شوف مع إخواتي الأول. إحنا عندنا عرف إن أرضنا ما تطلعش برّه. لازم نديهم الأولوية."
أطرق بلال رأسه وهو يخبئ غيظه، ثم قال بفتور:
"طيب...
هشوف."
لكن عينيه ظلت تحمل بريقًا مريبًا، وكأن وسوسة سيف ما زالت تحفر في أعماقه.
************************
ها هي لحظة الوداع وقد اجتمع أفراد العائلة أمام السيارة، يودّعون ياسين وميرهان وكأنهما على أعتاب رحلة شهر العسل الذي لم يكن سوى صورة مُعلّبة أمام الجميع. تبادلا الابتسامات وأدوار العرسان السعداء، بينما في العمق كان الفتور يكسو ملامحهما، كأنهما يمثلان مشهدًا مرسومًا بعناية لا أكثر.
في الوقت نفسه كان خالد يستعد هو الآخر للرحيل، إلى القاهرة أولًا ومنها إلى دبي في اليوم التالي. وعند السيارة، امتزجت الأحاديث بالضحكات والوداع، حينما التفت ياسين إلى خالد ممازحًا:
"هنعتبك يا بوص بتوصيلة المطار."
ابتسم خالد ابتسامة هادئة وأجاب:
"يبقى ردّها لي يا عريس."
قهقه ياسين بخفة وهو يعلّق:
"إدبس انت الأول واتجوز، وساعتها مش هوصلك المطار...
هوصلك أوروبا على طول!"
انفجر الجميع بالضحك، لتتسلل من بين الضحكات نظرة خاطفة من خالد إلى ليلى، نظرة قصيرة لكنها اخترقت الحواجز، جعلتها ترتبك وتخفض رأسها في استعجال.
قال خالد بهدوء وهو لا يزال يتبعها بعينيه:
"إن شاء الله."
رفع ياسين حاجبيه بدهشة مصطنعة وضحك قائلًا:
"إيه ده؟! البوص بيقول إن شاء الله؟! لا لا...
ده في تطور كبير أوي."
انفجروا مرة أخرى بالضحك، بينما كان طارق وسلمى يتبادلان نظرات خفية وضحكات قصيرة، تختبئ بين همسات لا يلتقطها أحد.
تدخلت فاطمة بصوتها الحنون، رافعة كفيها نحو السماء:
"يا رب يا ولدي...
يوم فرحك هيكون فرحتي الكبيرة."
ابتسم خالد ابتسامة صادقة وهو يردّ:
"دعواتك يا حاجة."
لكن عينيه ظلّتا معلّقتين بليلى، التي احمرّت وجنتاها خجلًا قبل أن تفرّ سريعًا إلى داخل البيت، متوارية عن الأنظار. واكتفى هو بابتسامة صغيرة على طرف شفتيه، كمن يفرح حتى بهروبها.
ثم انطلقت السيارات نحو المطار وسط دعوات الجميع، فيما بقيت خلفهم خيوط من التوتر الخفي والابتسامات المواربة، كأن كل قلب يحمل سره وحده.
********************
في مكالمة هاتفية سادها التوتر، كان صوت سيف ينساب ماكرًا عبر السماعة وهو يقول بثقة:
"يا بلال، بعد يومين هنصدر باقي المحاصيل...
وهنعمل زي المرة اللي فاتت. المرة دي الصفقة أكبر بكتير."
تردّد بلال، وتلعثم صوته وهو يرد:
"مش عارف يا سيف...
ما كفاية اللي فات، أنا خايف نتقفش."
انقضّ صوت سيف فجأة، حادًّا وقاطعًا:
"إيه؟! المرة دي نسبتك هتكون الضِعف."
ارتبك بلال أكثر، لكن الطمع تسلّل إلى كلماته وهو يكرر بلهفة:
"الضعف؟!"
ابتسم سيف بمكر، وقال مطمئنًا:
"أيوه...
الضِعف."
بلال ما زال مرتبكًا، فتمتم بتوتر:
"بس أنا اليومين دول في القاهرة...
مني هتعمل العملية بكرة."
ردّ سيف ببرود محسوب:
"يبقى بعد بكرة...
حاول تنزل يا بلال ونخلص موضوع المينا. لازم ننهي كل حاجة قبل ما ياسين يرجع من السفر ويرجع يمسك بزمام الأمور. خلينا نطلع بقرشين كبار."
ظل بلال لحظة صامتًا، يتأرجح بين الخوف والطمع، ثم قال مترددًا:
"طيب...
هنزل بعد بكرة."
أنهيا المكالمة، لكن الارتباك ظل ينهش قلب بلال، فيما ارتسمت على وجه سيف ابتسامة لئيمة، كمن اعتاد اللعب بالنار ولا يخشى الاحتراق.
**********************
جلست بدور أمام المرآة، تمسك بالمشط وتجرّ خصلات شعرها ببطءٍ يكشف شرودها أكثر مما يهذّب ملامحها. عيناها زائغتان في فراغٍ بعيد، حتى إنّها لم تنتبه للخطوات التي اقتربت خلفها. فجأة اخترق الصمت صوت رخيم دافئ:
"إيه يا ست البنات...
سرحانة في إيه كل ده؟"
ارتجفت خفيفة، واستدارت إليه بعينين متسعتين:
"خضّيتني يا عامر"
ضحك عامر بهدوء واقترب منها، يمد يده ليلمس كتفها بحنان:
"لا ده شكله موضوع كبير...
كل ده مش واخدة بالك إنّي واجف وراكي؟"
قامت من مكانها متلعثمة، تحاول إخفاء ارتباكها:
"معلش...
سرحت شوية."
رفع عامر حاجبه مبتسمًا:
"لا سرحتي شويتين؟"
لم تملك سوى أن تضحك بخجل، بينما هو يقترب أكثر وكأنه يريد أن يقرأ ما تخفيه عيناها. قال بلطف:
"ها قوليلي كنتي سرحانة في إيه؟"
ارتبكت بدور، ثم أطرقت رأسها وهمست بصوتٍ مشوب بالقلق:
"بصراحة...
قلقانة على منى."
تغيرت ملامح عامر للحظة، ثم تنهد قائلاً:
"ربنا يعينها إن شاء الله. مع إنّي بصراحة، موضوع العملية ده مش داخل دماغي...
يعني نعاند جدر ربنا؟ بالعافية بس ماجدرش برضك ألوم بلال، طبيعي يتمنّى يكون له واد. ربنا يكتب الخير وتجوم منى بالسلامة."
أغمضت بدور عينيها، وخرج منها دعاء مبحوح:
"يا رب...
"
لكن قلبها ظلّ مثقلًا؛ فهي تعلم أنّ هذا الحمل محفوف بالمخاطر، وأن منى قد لا تمرّ بسلام. والأسوأ أن الطفل المنتظر ربما يرث الجينات الملعونة نفسها التي حملتها ملك من قبل. غير أنّ لسانها انعقد، لأن منى كانت قد ترجّتها ألا تبوح بشيء لإخوتها، كي لا يزداد القلق فوق قلقهم.
ظلّت بدور صامتة، تحمل سرًّا أكبر من طاقتها، فيما كان عامر يرمقها بعينيه المتسائلتين دون أن يلحظ ما يخفي وراء ابتسامتها المرتبكة من خوفٍ عميق.
*****************************
في أحد الفنادق الفخمة بالجونة، صعد ياسين وميرهان إلى الجناح الذي خُصّص لهما؛ جناح واسع يضم غرفتين تفصل بينهما صالة أنيقة. ما إن أغلق الباب خلفهما، حتى التفتت ميرهان إليه، وعيناها تمتلئان بقلق مكتوم:
"ياسين...
مردتش على سؤالي."
رمقها ببرود وهو يخلع سترته:
"سؤال إيه؟"
ترددت لحظة، ثم قالت بنبرة مضطربة:
"كنت بتقول من يومين حجزنا لتركيا...
إيه اللي خلّى السفر بقى الجونة؟"
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهه، وقال ببرود:
"هو هيفرق إيه؟ تركيا ولا الجونة...
؟ يعني هناك كنّا هنمثّل أحسن إننا متجوزين؟ ولا يمكن عشان محدش عارفنا ولا فاهم لغتنا، كنا هنتخانق براحتنا!"
اشتعلت عيناها بالغضب المكبوت، فردّت بحدة:
"ياسين، بطل تريقة.. أنا ما يفرقش معايا تركيا ولا الجونة...
أنا بس عايزة أفهم. إمبارح بتقول حاجة، والنهاردة حاجة تانية. إيه اللي في دماغك؟"
اقترب منها، يحدّق بعينيه اللامعتين ببرود، وقال بلهجة واثقة:
"قراراتي مش محتاجة تفسير، ولا استئذان. وبصراحة، أنا لقيت إن مفيش داعي للسفر بعيد. نمثّل يومين هنا ونرجع."
ثم التقط هاتفه، وكأنه أنهى الحديث، وقال ببرود متعمّد:
"عن إذنك."
وغادر الغرفة، تاركًا ميرهان وحدها تتخبط في صمتها، رأسها مثقل بتساؤلات لم تجد لها جوابًا: "مش ده ياسين اللي أعرفه...
ولا دي طريقته معايا. آه، أنا رفضت يقرب مني...
بس رد فعله غريب، وتجاهله الأغرب."
أما ياسين، فقد نزل إلى بهو الفندق وجلس في ركنٍ منعزل، يحدّق في اللاشيء. داخله كان يعجّ بصرخات مكتومة، وكلمات رجاء ــ أمها ــ لا تزال ترنّ في أذنيه كالمطارق. لحظة الحقيقة كادت أن تجرّه لإلغاء السفر كله، لكنه تراجع. لو لغى الحجز، العائلة هتسأل.. والعيون كلها هتفتّش ورا السبب.
فقرّر أن يُسقط تركيا من الحسابات، وأن يستبدل الرحلة الكبيرة برحلة صغيرة داخل مصر، ليموّه الحقيقة. لقد شعر كان في داخله كمن تلقّى صفعة موجعة؛ فقد رسم في خياله رحلةً تُشبه الحلم، "شهر عسل" حقيقي يفتح فيه قلبه لميرهان، ويعترف بحبه الكبير لها، ويعرض نفسه عليها سندًا وملاذًا، تعويضًا عن قسوة أبيها وجفاء أخيها.
لكنها، بصدّها وإصرارها على رفضه، لم تترك لتلك الأحلام إلا رمادًا متناثرًا...
سرابًا يتبدّد مع كل نفسٍ يزفره.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟
✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:
👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور
🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━