31 - الفصل 31: الفصل الخامس عشر (البارت الأول)

كلُّ قلبٍ لوحةٌ مخفية

بين ثناياه لون الفرح، وظلّ الخوف، وخطوط الوجع.

قلبٌ يرقص على ذكرى

وآخر يزهر في صمت

وثالث يتوارى خلف صلابةٍ كاذبة...

لكنها جميعًا، حين تُلامسها لمسة صدق،

تفصح عن حقيقتها: أنها خُلقت للحب.

*************************

بعد العملية، بدت "منى" شاحبة الوجه، مرهقة الجسد، بالكاد تتحرك من فراشها. الطبيب أوصاها بالراحة التامة أربعة عشر يومًا؛ لا جهد ولا إرهاق، فقط صبر وانتظار حتى تستعيد عافيتها. كانت عيناها تبحثان عن شيء من الحنان، عن كلمة تُطمئن قلبها المضطرب.

لكن بلال كان غائبًا عنها روحيًا وإن كان حاضرًا بجسده. عقله مشغول بصفقة جديدة مع سيف، تكرارًا للصفقة الأولى نفسها. على الورق، تصدير حاصلات زراعية من فاكهة وخضار. وفي الخفاء، بين الصناديق، شحنة من الحشيش مُغلّفة بعناية، لا يراها إلا من يعرف خباياها. كل شيء يجري بمهارة شيطانية؛ صورة براقة في العلن، وفساد يتخفى في الظلال.

أما في الجونة، فكانت الأجواء بين ميرهان وياسين مشبعة بالبرود والاحتقان. جلسا على مائدة صغيرة تطل على البحر؛ الموج هادئ، لكن القلوب مضطربة

ميرهان، بعينين مشتعلة بالغيظ، قطعت الصمت قائلة:

"يعني هو ده الطبيعي بالنسبالك؟ تطنّشني كده وتعمل حسابك إني مش موجودة؟"

ابتسم ياسين ابتسامة باهتة، ورفع كوب العصير بهدوء:

"هو أنا قلتلك حاجة؟ بالعكس...

سايبك على راحتك."

ضربت ميرهان الطاولة بيدها في انفعال:

"راحة إيه بس! إنت بتتجاهلني يا ياسين...

بتعاملني ببرود متعمد، وده وجعني أكتر من أي كلمة جارحة."

ردّ بنبرة باردة، وهو يشيح بوجهه بعيدًا:

"مهو يمكن إنتِ اللي واخدة الأمور بحساسية زيادة."

تنفست ميرهان بحدة، والدموع تلمع في عينيها المكابرتين:

"حساسية؟! أنا مش لعبة عندك عشان تعاملني كويس وقت ما يعجبك وببرود وقت ما يريحك"

أما هو، فظل جامدًا كالصخر، يتعمد أن يُبقي المسافة بينهما، وكأنه يخوض معركة صامتة، لا بالسيف ولا بالكلمة، بل بالبرود المميت.

***************

مرّ الأسبوع ثقيلاً على ليلى، كأن الأيام تُعاندها عمدًا. كانت تُحاول أن تُقنع نفسها أن الأمر لا يعنيها، وأن غيابه لا يترك فراغًا في حياتها، لكنها كلما حاولت الإنكار وجدت قلبها يخذلها.

خالد...

ذاك الرجل الغامض الذي لا يكشف عن نفسه إلا بقدر ما يشاء. عنيد، مكابر، يُلقي كلمات قليلة فتظل تدور في رأسها أيامًا. حتى حين يغيب، يترك وراءه أثرًا لا يُمحى.

كانت تستعيد ملامحه دون قصد: نظرته الصارمة، طريقته في الصمت وكأنه يُمسك العالم كله بداخله، وحتى لحظات مزاحه الخاطف التي لا تمنحها فرصة لتلتقط أنفاسها. كل هذا كان يربكها.

لكنها ما زالت تُكابر، ترفض الاعتراف أنها تفكر فيه أكثر مما ينبغي.

تقول لنفسها كل ليلة:

"هو مش فارق معايا...

هو أصلاً متعجرف وعنيد...

دايمًا عايز يكسب أي معركة حتى لو بالكلام. وأنا مش هسمح لنفسي أفكر فيه بالدرجة دي."

ثم تسكت، وتصمت طويلًا، لتجد صورتَه تعود من جديد، تُحاصرها من بين فراغاتها الصغيرة، وكأن عناده يلاحقها حتى وهي وحدها. إنه الغائب الحاضر...

والمكابرة لم تعد كافية لتُبعده عن خاطرها.

وبينما كانت ليلى تتأرجح بين عقلٍ يأمرها بالتماسك وقلبٍ يجرّها إلى حيث لا تريد، كانت أجواء القصر تستعد لليلة مختلفة.

سلمي، بعفويتها المعتادة، أصرت أن يكون هناك احتفال صغير بعيد ميلاد ليلى، ولو بكيك وشموع وضحكات خفيفة. ليلى حاولت التملّص مرارًا، لكن لم يكن بوسعها الهروب.

وقفت في شرفة الغرفة، تتابع الطريق المؤدي إلى البوابة، تنظر إلى كل سيارة تمر، ثم تعود لتوبّخ نفسها في صمت.

دخلت سلمى فجأة، لمحت عينيها المعلقتين بالطريق، فابتسمت بخبث وقالت:

"هو إيه يا ست ليلى؟ مستنية حد؟"

ارتبكت ليلى وأجابت بسرعة:

"حد؟! حد مين يعني؟ قصدك إيه؟"

ضحكت سلمى وهي تقترب:

"لا أبداً...

بس شايفة عينك بتجري ورا العربيات كل ما واحدة تقرّب من البوابة. قلت يمكن مستنية ضيف غالي."

ردت ليلى باقتضاب، تحاول أن تخفي اضطرابها:

"بيتهيألك...

أنا كنت سرحانة شوية."

أومأت سلمى بمكر:

"طيب يا ستي...

المهم يلّا بقى، الناس تحت بيجهزوا لحفلة صغيرة، مش هنضيع وقت وأسيبك تتأخري."

قالت ليلى وهي تحاول التهرب:

"يوووه يا سلمى...

إنتِ لسه مصممة على الحفلة؟ مفيش داعي لكل ده. هنا مش متعودين على كده."

أجابت سلمى بابتسامة عريضة:

"مين قال مش متعودين؟ دول مصدقوا. وكله مستنيك."

ثم اكملت سلمى، وهي تلحقها بنظرة مليئة بالدهاء، تمتمت بخفة:

"يلا يا حلوة...

جهزي نفسك، يمكن اللي مستنياه ييجي."

حاولت ليلى أن تغيّر الموضوع، فأدارت ظهرها للشرفة متجهة نحو الغرفة:

"خلاص يا سلمي...

سيبيني أجهز بقى."

في تلك اللحظة، دوّى صوت محرك سيارةٍ يقترب من البوابة ، قلبها قفز في صدرها بعنف، كأنّه يريد أن يسبقها ليرى القادم. اندفعت الدماء إلى وجنتيها، واختلط الحياء بالترقّب. حاولت أن تتجاهل، أن تقنع نفسها بأنّ الأمر عابر...

لكن قدميها خانتاها، وأعادتاها بخطواتٍ مترددة نحو الشرفة.

هناك، عند البوابة الحديدية الضخمة، توقفت سيارة سوداء لامعة، وبهدوءٍ مقصود فُتح الباب. خرج منه رجل طويل القامة، ثابت الخطوات، لم تخطئه عيناها مهما حاولت أن تنكر...

كان هو. خالد قد عاد

تجمّدت للحظة، فيما ارتسمت على شفتيها ابتسامة لم تستطع أن تخفيها. أما سلمى، فقد شبكت ذراعيها على صدرها، وحدّقت فيها بمرحٍ لا يخلو من السخرية:

"أهاااا...

يبقى هو ده اللي كنتِ بتستنيه يا ليلو"

ارتبكت ليلى أكثر، رفعت يدها لتبعد شعرها عن وجهها وهي تقول بلهجة متعثرة:

"إنتي بتقولي إيه بس يا سلمى؟! أنا...

أنا ماكنتش مستنية حد."

ضحكت سلمى بصوتٍ عالٍ وهي تغادر الغرفة:

ـ"طبعًا ياستي...

ماكنتيش مستنية. يلا...

انزلي بقى "

ظلّت ليلى واقفة، يديها ترتجفان قليلًا وهي تحاول أن تتمالك نفسها. نظراتها لم تفارق مدخل البيت حيث كان خالد يتقدّم بخطوات ثابتة نحو باب البيت المفتوح، ملامحه الجادة لا تعكس شيئًا، لكن قلبها كان يقرأ ما وراء صمته أكثر من أي كلمات.

ارتفعت أصوات أفراد العائلة في بهو البيت لحظة دخول خالد. كان مرهقًا من السفر، لكن هيبته حضرت قبل خطواته. ابتسم عامر وهو يفتح ذراعيه له:

"حمد الله عالسلامة يا هندسة."

ابتسم خالد بهدوء وصافحه بحرارة، بينما لم يترك طارق الفرصة تفوته، فغمز بعينه مازحًا:

"ده انت ظابط نفسك على المواعيد يا بوص...

لِحقتنا قبل ما نطفي الشمع ونقسم التورتة!"

ضحك بعضهم، واكتفى خالد بابتسامة قصيرة وهو يسلم على الجميع واحدًا واحدًا، حتى اقترب من أمه فاطمة، فانحنى وقبّل يدها بحنو:

"إزيك يا حاجة....

"

ردّت بحنانها المعهود:

"الحمد لله على سلامتك يا ولدي."

نظر خالد حوله وكأنه يلتقط تفاصيل الجو، ثم ابتسم ممازحًا:

"إيه ده...

شكله في عيد ميلاد النهاردة."

لم تنتظر سلمى طويلًا، فقفزت باندفاعها المعتاد:

"أيوه ....

عيد ميلاد ليلى."

اتجهت عيون الجميع نحو ليلى التي شعرت بالدماء تتدفق إلى وجهها، بينما خالد رفع حاجبه وقال بابتسامة مقتضبة، تحمل برودًا متعمدًا:

"ولله...

كل سنة وانتي طيبة، وعقبال مية سنة."

ارتبكت ليلى، ابتسمت بخجل وهمست بصوتٍ متعثر:

ـ"شكرًا."

جلس خالد بين إخوته، بينما راحت فاطمة تنادي على صابرين:

"جهزي العشا للبشمهندس."

أسرع خالد في الردّ وهو يلوّح بيده:

"لا يا حاجة، أنا كلت في الطيارة."

هزّت رأسها متذمرة:

"هو أكل الطيارة ده أكل يا ولدي؟"

ضحك خالد بخفة، وقال ممازحًا:

ـ "والله مش هقدر يا حاجة...

بس إذا كان ولابد، هاخد حتة صغيرة من التورتة."

وفي اللحظة نفسها، ألقى نظرة جانبية نحو ليلى، نظرة خاطفة مشوبة بشيءٍ من الخبث، جعلتها ترتبك أكثر.

قفزت سلمى بسرعة وهي تخبط كتف أختها:

"طبعًا ...

ليلى هتعملك طبق مخصوص...

مش كده يا ليلى؟"

تلجلجت ليلى:

"آه...

ثواني."

أسرعت لتقطع له قطعة من التورتة، يداها ترتعشان وهي تضعها في الطبق، ثم قدّمته له. مد خالد يده وتناول الطبق وهو يرمقها بعينين ثابتتين:

"شكرًا...

وكل سنة وانتي طيبة."

رفعت عينيها نحوه بخجل، وهمست:

"وانت طيب."

أخذ لقمة صغيرة، ثم وضع الشوكة جانبًا ونهض:

"معلش يا جماعة...

هستأذنكم أطلع أوضتي أرتاح. مرهق جدًا من السفر."

غادر بخطواته الهادئة، تاركًا وراءه فراغًا لم يملأه أحد. تبادل الجميع الأحاديث والضحكات، لكن ليلى بقيت جامدة في مكانها، تحاول أن ترسم ابتسامة مصطنعة بينما قلبها يغلي.

داخلها صرخت في نفسها:

"يعني معقول! غايب أسبوع كامل...

والنهاردة عيد ميلادي...

وكل اللي عمله إنه قعد عشر دقايق بالعافية وقال كلمتين والسلام؟"

شعرت بغصّة تُطبق على صدرها، تلعن لهفتها التي جعلتها تحصي الأيام بانتظاره.

اقتربت سلمى من طارق بعد أن غادر خالد إلى غرفته، وهمست متعجبة:

"هو خالد مستعجل ليه كده؟ طلع فوق بسرعة...

!"

رد طارق وهو يهز كتفيه بلا مبالاة:

"شكله مرهق من السفر."

قالت سلمى بحدة:

"حتى لو مرهق، كان قعد شوية...

خصوصًا النهاردة عيد ميلاد ليلى. إيه بقى؟ عايز يتجوزها وأول مناسبة ليها يتجاهلها بالشكل ده؟!"

ضحك طارق ساخرًا:

"يعني هي ليلى وافقت عليه؟ ما هي رفضته. يبقى جواز إيه بقى؟"

أجابت سلمى بثقة:

"والله اللي أعرفه إن اللي بيحب حد ومتمسك بيه مش بيتنازل بسهولة عنه...

بس واضح إن خالد رمى كلمة الجواز كده وخلاص."

ابتسم طارق ضاحكًا وهو يغمز لها:

"يا واد إنت...

اللي بتفهمي في الحب والعلاقات"

ضحكت سلمى، ورفعت رأسها بغرور طفولي وهي تقول:

"أومال إيه؟ إنت فاكرني إيه يعني؟"

قرب وجهه منها هامسًا:

"فاكرك إيه؟ ده إنتِ الباشا بتاع قلبي"

ارتبكت سلمى وخفضت عينيها خجلًا، وقالت بصوت متوتر:

"طارق...

بس بقى ....

مامتك باصّة علينا."

ضحك طارق ورد بخفة:

"معاكي حق...

يللا بينا على أوضتنا نكمل كلامنا."

أمسكت سلمى كتفه ضاحكة:

"إيه أوضة إيه؟! معقول نسيب عيد ميلاد ليلى ونطلع؟!"

قال طارق ساخرًا:

ـ "يا حبيبتي قولنالها كل سنة وهي طيبة، قطعنا التورتة، أكلنا، طفينَا الشمع...

مطلوب إيه تاني؟"

وبينما كانا يتجادلان، استأذن عامر قائلًا وهو ينظر إلى بدور:

ـ"يللا إحنا بقى نطلع نرتاح، يومنا كان طويل."

قالت فاطمة مؤيدة:

ـ "جوموا يا ولدي ارتاحوا...

كتر خيرك جبت أختك منى من المستشفى وطول اليوم معاها. روحوا ارتاحوا."

ابتسمت بدور بخجل وقالت:

ـ "تصبحوا على خير."

ثم صعدت مع عامر إلى الطابق العلوي.

علق طارق وهو يتابعهم مبتسمًا:

"شايفة يا سلمى؟ العمدة بيفهم"

ثم تمطى بتكاسل وأضاف:

ـ "وأنا كمان شكلي النوم غلبني...

هقوم أطلع. مش يللا يا سلمى؟"

لكن سلمى ظلت تراقب ليلى التي جلست شاردة، عيناها معلقتان في الفراغ. كرر طارق:

ـ "سلمى...

يللا يا حبيبتي. شكلك نمتي وإنتي قاعدة."

انتفضت سلمى بسرعة وقالت:

ـ "لا، مش عاوزة أنام دلوقتي."

ضحك طارق وغمز لها بخبث:

ـ "مش عاوزة تنامي إيه...

ده إنتي بتنامي وإنتي قاعدة"

ارتبكت سلمى من نظرته وفهمت قصده، فقامت على استحياء. أما فاطمة، فظلت تراقبهما بضحكة مكتومة تكاد تفلت منها.

وقبل أن تغادر، قالت سلمى بخجل:

ـ "تصبحوا على خير."

ردت ليلى بأقتضاب وهي ما زالت غارقة في شرودها:

ـ "وإنتوا من أهله."

بعد لحظات....

استأذنت ليلى من فاطمة بصوت خافت للخروج إلى الحديقة:

"طنط فاطمة...

لو تسمحيلي أقعد شوية في الجنينة قبل ما أطلع."

ابتسمت فاطمة بحنو وهي تستند على عصاها:

"اجعدي يا بتي، الهواء برّه يشرح الصدر...

أنا بجى هطلع أوضتي أنام، النهار كان تقيل."

أومأت ليلى برأسها شاكرة، ثم خرجت إلى الحديقة. الليل كان هادئًا، والنسيم البارد يلامس وجهها كأنما يحاول أن يمسح عنها بقايا ثقل اليوم. جلست على أحد المقاعد الحجرية وسط العشب، تحدّق في السماء التي ازدانت بنجوم متناثرة، قلبها مثقل بأسئلة لا تجد لها إجابة.

وبينما هي غارقة في شرودها، سمعت وقع خطواتٍ قادمة من ناحية البوابة الجانبية، ثم صوتًا مألوفًا يناديها بتحيةٍ خافتة:

"مساء الخير يا دكتورة."

التفتت ليلى بسرعة، فابتسمت برفق:

"مساء النور يا عم بيومي...

خير؟"

اقترب بيومي وهو يمسح بيده على جبينه:

"والله يا دكتورة، الفرسة درّة طول اليوم متعصبة...

كنت جاية أجولكم عشان تشوفوها."

قطّبت ليلى حاجبيها ونهضت فورًا من مكانها:

"دُرّة؟ متعصبة؟ طيب أنا جاية أشوفها دلوقتي."

تحركت بخطواتٍ سريعة نحو الإسطبل وما إن دفعت الباب الخشبي للإسطبل حتى ارتجف في يديها، وانفتح بصريرٍ خافت، لتتفاجأ بما لم يكن في الحسبان...


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 2 مشاهدة · 1801 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026