32 - الفصل 32: الفصل الخامس عشر (البارت الثاني)

دخلت ليلى الإسطبل بخطوات مترددة ، إذا بعينيها تقعان على مشهد لم تتوقعه؛ دُرّة تقف شامخة، حول عنقها شريط أحمر من الستان معقود في شكل فيونكة، ومثبت فيه بطاقة صغيرة. تقدّمت بخطوات مترددة، والدهشة تسبقها، ثم التفتت إلى عم بيومي الذي كان يربت على ظهر الحصان بخفة.

قالت بارتباك:

"إيه ده يا عم بيومي؟!"

نظر لها بابتسامة خجولة وهو يحك رأسه:

"علمي علمِك يا دكتورة....

أنا ماليش دعوة."

وانصرف مسرعًا، بينما ابتسامة خبيئة ترتسم على وجهه.

مدّت ليلى يدها نحو الظرف، فتحته ببطء، لتتفاجأ بورقة مختومة تحمل عنوانًا واضحًا:

"شهادة نقل ملكية...

من خالد شاكر صقر، إلى ليلى عاصم صقر."

تسمرت في مكانها، تنظر تارةً إلى الورقة وتارةً إلى الفرس. قلبها يخفق بعنف، وكأن الكلمات لا تستوعبها. وفجأة، اخترق الصمت صوتٌ دافئ رخيم جاء من خلفها:

"كل سنة وإنتِ طيبة."

التفتت بسرعة، فإذا به خالد، يقف بسترته الرياضية البسيطة التي زادت من وسامته وقوته حضورًا، يداه في جيب بنطاله، وعيناه تلمعان بثقة.

قالت وهي ترتبك وتنظر إليه ثم إلى دُرّة:

"إيه...

إيه ده؟ أنا مش فاهمة حاجة."

اقترب منها بخطوات واثقة،وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة:

"إيه اللي مش مفهوم يا دكتورة؟"

تلعثمت:

"أنا قصدي...

دُرّة...

وأنا...

"

ضحك بخفة واقترب أكثر، حتى صار صوته أوضح وأعمق:

ـ "دُرّة كانت بتاعتي...

ومن النهاردة بقت بتاعتك رسمي. هدية عيد ميلادك."

شعرت ليلى بوجنتيها تشتعلان، لا تعرف أتبتهج أم تخجل. ابتسمت بخجل لم تعهده في نفسها من قبل، وقالت وهي تخفض عينيها:

"أنا أصلًا ماكنتش أعرف إنها بتاعتك...

كنت فاكرة بس إنك اشتريت خيول كتير هنا."

ضحك خالد، ونظراته لا تفارقها:

"ولو كنتي عرفتي...

كنتي هتركبيها برضه؟"

ازدادت حمرة وجهها، وارتسمت ابتسامة مرتعشة على شفتيها. لأول مرة تُهدي إليه ابتسامة صافية، جعلته يسهو للحظة وهو يراقبها، ثم تنحنح محاولًا استعادة صلابته:

ـ"بصراحة...

٩٠٪ من الخيول هنا أنا اللي جبتهم، ومن ضمنهم دُرّة. ولما لقيتك متعلقة بيها، قلت لنفسي تبقى بتاعتك ومحدش يركبها غيرك."

رفعت عينيها إليه ببطء، لأول مرة تشعر بالفرح الحقيقي، ليس فقط لامتلاكها "دُرّة"، بل لما تخفيه الكلمات من اهتمامٍ أكبر. تلعثمت وهي تمسك الورقة:

"أنا مش عارفة أقولك إيه."

قال خالد بثقة، وهو يقترب أكثر:

"قولي...

قبلت."

نظرت له متسائلة، وهي تشد حبل دُرّة وتمشي خطوة للوراء:

"قبلت إيه؟"

اقترب حتى صار بجوارها، وقال وهو يحدّق في عينيها بعمق:

"الجواز."

ارتبكت بشدة، وحاولت تغيير دفة الحديث، فقالت بحدة خجولة:

"أفهم من كده إن دُرّة رشوة عشان عرض الجواز؟"

انفجر خالد ضاحكًا بصوت عالٍ غير معتاد. رمقته ليلى بدهشة حقيقية، فهذه أول مرة تراه يضحك بعفوية هكذا.

قالت بخجل:

"دي أول مرة أشوفك بتضحك كده...

على طول كلامك محسوب وضحكتك محسوبة...

لكن النهاردة حاساك مختلف."

غمز لها بخفة:

"البركة فيكي."

احمرّ وجهها خجلًا، وأشاحت بوجهها بعيدًا. لكن صوته لحقها من الخلف:

"أنا لسه مستني رد على فكرة."

التفتت نصف التفاتة وقالت بعد تردد:

"ممكن أعرف...

ليه؟"

رفع حاجبيه باستغراب:

"هو إيه اللي ليه؟"

"ليه عاوز تتجوزني؟"

أمسك خالد بلجام دُرّة، وصمت لحظة، كأنه يبحث عن الكلمات. ثم قال بجدية نادرة:

"يعني تقدري تقولي...

حاسس إنك شبهي."

ـ "شبهك؟"

أومأ برأسه:

"بالظبط."

رفعت حاجبيها مستغربة:

ـ "هو ده السبب؟"

رفع حاجبيه متسائلاً: "مش كفاية؟!"

هزت رأسها بخفة:

"أكيد التشابه حاجة كويسة...

بس الجواز مش بس علشان اتنين شبه بعض. وبعدين...

إحنا أصلًا عمرنا ما خدنا وقت طويل نتكلم. أنا معرفش عنك غير حاجات قليلة...

وإنت كمان."

قاطعها بثبات:

"اللي أعرفه عنك كفاية."

نظرت إليه طويلاً وقالت:

"طيب وأنا؟ إيه اللي أعرفه عنك؟ وبعدين...

الجواز مش بس معرفة...

فيه كمان مشاعر."قالتها بخجل، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا، كأنها أفلتت كلمة لم تكن تنوي قولها.

ابتسم خالد، وكأنه التقط ما وراء كلماتها:

"مظبوط كلامك."

التفتت بسرعة:

"هو إيه اللي مظبوط؟"

– "كلامك."

ازدادت ارتباكًا، أدركت أنه فهم قصدها، لكنه – كعادته – لم يصرّح بشيء، فقط ترك التلميح يثقل الجو من حولها.

قال بهدوء:

"أنا مطلبتش نتجوز بكرة...

أكيد هناخد وقتنا. وأكيد هتعرفيني أكتر."

ثم ابتسم وهو يغيّر الموضوع بخفة:

"ها يا دكتورة...

مش عاوزة تاخدي لفة بدُرّة بعد ما بقت بتاعتك رسمي؟"

ابتسمت بخجل، وارتبكت وهي تجيب:

"آه...

طبعًا."

سألته بعد لحظة:

"وإنت مش هتمسي على تيمور؟ بقلك أسبوع سايبه."

ابتسم خالد:

"طبعًا."

وتوجّه نحو الأسطبل، أحضر تيمور، وقفز على ظهره بخفة. لحقته ليلى على ظهر "دُرّة"، وانطلقا معًا في فضاء الليل. الهواء الطلق يلفح وجهيهما، والأصوات تنحسر خلفهما. كلٌّ منهما يحمل في صدره طوفانًا من الكلمات المكبوتة، لكنهما تركا أجسادهما للريح والخيول تتحدث بالنيابة عنهما.

*********************

مرّ أسبوع كامل وهما على ذات الحال؛ هو يزداد برودًا وانسحابًا، وهي يزداد توترها وقلقها. لم تفهم شيئًا؛ كل كلمة بينهما تتحول إلى شوكة، وكل نظرة إلى جدار صامت.

رنّ هاتفها، نظرت إلى الشاشة ثم أجابت بسرعة:

– "أيوة يا بابا...

آه إن شاء الله...

حاضر."

وأغلقت المكالمة، قلبها يزداد اضطرابًا.

توجهت نحو التراس، حيث كان ياسين يجلس متجهمًا، يلعب بهاتفه بلا اهتمام. وقفت أمامه وقالت بهدوء متردد:

"ياسين...

بابا عازمنا بكرة، لما نوصل البلد، على الغدا عندهم."

رفع رأسه ببطء، وفي عينيه لمعة ساخرة:

"إيه...

هنكمل التمثيلية هناك كمان؟"

تغير وجهها فجأة، وارتفع صوتها وقد انفجر الغضب المكتوم في صدرها:

"كفاية بقى استفزاز بقالك أسبوع وأنت بتستفزني. والتمثيلية اللي بتقول عليها دي...

أنت السبب فيها مش أنا! أنا مجبرتكش."

وقف ياسين بحدة، اقترب منها خطوة وعيناه تضيقان بسخرية مريرة:

"ما تقلقيش...

إحنا هنهيها قريب."

ثم استدار وغادر المكان بخطوات سريعة، تاركًا ميرهان واقفة، وجهها شاحب وقلبها يعلو ويهبط. وضعت يدها على صدرها كأنها تكبح ارتجافه، بينما تدور في رأسها أسئلة متلاحقة كالسيل:

"هو في إيه؟ إيه اللي قلبه كده؟ من أسبوع كان طاير بالجواز، مش عامل حساب لرفضي له...

دلوقتي هو اللي بيتجاهلني، وعايز ينهي كل حاجة ....

هو بيلعب بيا؟ ولا إيه اللي بيحصل؟"

شعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها، وأنها في مواجهة لغز لم تستطع بعد أن تفك شيفرته.

*******************

كانت منى ممددة على ظهرها، تتأمل سقف الغرفة في صمت، أنفاسها واهنة بعد العملية، والوسادة تحت رأسها كأنها تحمل كل ثقل جسدها. ارتفعت أنفاسها قليلاً حين سمعت وقع خطوات بلال يدخل الغرفة.

ألقى السلام بنبرة جافة، ثم تنحنح وجلس على طرف السرير،قال وهو يراقب ملامحها المرهقة:

"مني...

فاكرة الأرض اللي كلمتك عنها قبل كده؟"

أدارت وجهها ببطء نحوه، صوتها خافت ومبحوح:

"أرض إيه يا بلال؟"

نفذ صبره سريعًا، وانفلت صوته غاضبًا:

"الأرض يا مني...

بتاعة رجل الأعمال اللي على طرف البلد، اللي فيها المزارع. قلتلك عليها قبل كده!"

حاولت أن تستجمع نفسها، ثم قالت بهدوء:

"آه...

افتكرت. مالها؟"

اقترب بجسده، عينيه تلمعان بإصرار:

"خلاص...

مصمم أشتريها. دي فرصة مش هتتعوض. وزي ما قلتلك...

مفيش قدامنا غير نبيع أرضك ونبدل ونشتري هناك. والمشتري جاهز."

اعتدلت قليلاً رغم ألمها، وقالت بسرعة وقلق:

"مشتري إيه يا بلال؟! أنا قلتلك ميت مرة...

إخواتي مش هيقبلوا أي حتة أرض تتباع برّه العيلة!"

تنحنح بلال بضيق، مسح على ذقنه ثم قال وهو يتنهد بتأفف:

"طيب يا مني...

بكره هكلم العمدة. خلينا نشوف آخر الموضوع."

سكتت منى، لكن قلبها كان يدق بعنف، تعرف أن المواجهة قادمة، وأن بلال سيفتح على نفسه أبوابًا لا قِبَل له بها.

***************

في منتصف الليل، استيقظت بدور متألمة، تتلوى من وجعٍ حاد في بطنها، تارةً تخرج مسرعة إلى الحمام، وتارةً تستند إلى الجدار من شدة الدوخة. عامر ظلّ بجوارها طوال الليل، يسندها ويده التي لا تفارق كتفها. لم يغمض له جفن، عيناه تترقبان كل حركة، قلبه يزداد قلقًا كلما سمع صوت تقيؤها المتكرر.

وحين بزغ الصبح، كان صوته حاسمًا وهو يقول:

"يلا يا بدور، هنروح المستشفى نتطمن."

حاولت أن تبتسم وتخفي ضعفها:

"مافيش حاجة يا عامر...

يمكن حاجة بسيطة."

لكن عامر لم يقتنع، فأمسك بيدها وأصرّ:

"لا...

صحتك عندي بالدنيا."

نزل الاثنان معًا من الدرج، وهناك صادفتهما فاطمة ألقت عليهما التحية:

"صباح الخير يا ولدي. يلا صابرين جهزت الفطور"

رد عامر بهدوء:

"صباح الخير يا حاجة."

ثم أردف سريعًا:

"بعدين نفطر، بدور تعبانة شوية...

هنروح المستشفى."

ارتبكت فاطمة واقتربت منهما:

"خير يا ولدي؟"

بادرت بدور لتخفف من قلقها:

"مفيش حاجة يا مرات خالي، بطني مش مظبوطة شوية."

قالت فاطمة بحنان:

"طيب يا بنتي، خلي صابرين تعمّلك شوية كراوية ولا يانسون."

قاطعها عامر بجدية:

"عملت يا حاجة، وشربت...

مفيش فايدة. من بالليل وهي تعبانة وترجيع مستمر ودوخة. إحنا ماشيين نتطمن، ادعيلها."

أومأت فاطمة برأسها وهي تتابعهما بعيون قلقة، ثم تمتمت مع نفسها وهي تبتسم:

...

ليكون اللي في بالي؟ ونِبي شكله حصل"

التقط طارق كلماتها وهو ينزل الدرج ومعه سلمى، فقال ممازحًا:

"إيه اللي شكله حصل يا حاجة؟"

ابتسمت فاطمة محاولة إخفاء ما دار في بالها:

"ولا حاجة يا ولدي...

" ثم ربتت على كتفه، ونظرت إلى سلمى بعينٍ لامحة:

"شدوا حيلكم إنتو كمان."

رفع طارق حاجبيه بدهشة:

"أشد حيلي في إيه يا حاجة؟"

أجابت ضاحكة:

"عايزين نشيل عيالك يا ولدي."

ارتبك طارق قليلاً، بينما احمر وجه سلمى من الخجل. فقال ممازحًا وهو يحاول إخفاء ارتباكه:

– "إيه يا حاجة، هو إنتي كنتي بتحلمي بينا طول الليل ولا إيه؟ صاحية مركزة معانا قوي."

ضحكت فاطمة بخفة:

"لا بحلم ولا حاجة يا ولدي...

يلا على الفطور."

نظر طارق إلى سلمى بطرف عينه وهمس لها وهو يبتسم:

"قال أشد حيلي قال ...

أكتر من كده؟"

فلكمته سلمى بخجل على كتفه وقالت:

"يا طارق...

"

ضحك بخفة ورد:

"يا نعم؟"

قالت بلهجة آمرة ممازحة:

"يلا على الفطار بقى."

أجابها مبتسمًا:

"أمرك."

ثم نزلا معًا، بينما بقي القلق عالقًا في قلب فاطمة...


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 0 مشاهدة · 1490 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026