33 - الفصل 33: الفصل السادس عشر (البارت الأول)

أحبك...

لكن كبريائي لا يسمح لي أن أقولها

أشتاقك...

لكنني أُخفي الشوق تحت قناع البرود.

أمشي بعيدًا، وأدّعي القوة، بينما قلبي يتهاوى مع كل خطوة.

*************************

في صالة الانتظار بالمستشفى، جلس عامر بجوار بدور، وعيناه معلقتان بباب غرفة الكشف. كان يحاول أن يبدو متماسكًا وهو يردد بنبرة جادة:

"اصبري شوية يا بدور...

الدكتور هيطمنا حالًا."

دخلت بدور بصحبة الممرضة، وبعد دقائق عاد عامر يرافقها إلى مكتب الطبيب. جلسا أمامه، وهو يقلب في أوراق التحاليل بهدوء قبل أن يرفع رأسه بابتسامة مطمئنة:

"الحمد لله...

مفيش حاجة خطيرة. مجرد برد في المعدة والتهابات بسيطة. محتاجة راحة، وشوية أدوية هتهدي الموضوع."

تبادلا نظرة صامتة، وكأن الهواء خرج فجأة من صدريهما. كانت بدور تنتظر كلمة أخرى، إشارة، أي تلميح...

لكن لم يأتِ شيء. غاص قلبها في الإحباط، بينما عامر حاول أن يخفي خيبة أمله بابتسامة باهتة:

"يعني...

مش حاجة تجلج، صوح يا دكتوور؟"

"خالص...

أسبوع بالكثير وهتكون زي الفل."

خرج الاثنان من عند الطبيب، تسير بدور بخطوات مثقلة، وجهها شاحب لكن ليس من المرض وحده. كانت صامتة، وعامر إلى جوارها يحاول كسر هذا الصمت الثقيل:

"الحمد لله يا بدور...

أهم حاجة إنك بخير.."

توقفت فجأة وحدقت في الأرض، دمعة سريعة لم تستطع منعها:

"أنا...

كنت فاكرة حاجة تانية."

اقترب عامر، وضع يده على كتفها برفق، صوته دافئ :

"ان ماكانتش دلوجتي...

بكره ان شاءلله يحصل .....

المهم إنك معايا."

لم تجبه، فقط أومأت برأسها في صمت، بينما قلبها يتخبط من الأمل المكسور

ما إن دخلا البيت حتى سارعت فاطمة إليهما بلهفة، ملامح القلق بادية على وجهها:

"خير يا ولدي؟ طمّنونا."

ردّ عامر باقتضاب:

"بسيطة يا حاجة...

شوية برد في معدتها وهتبقى بخير."

نظرت فاطمة إليه بيأسٍ خفيف، وهي تتمتم وكأنها تحدّث نفسها:

"برد؟...

طيب يا ولدي...

إن شاء الله خير."

التقطت بدور تلك النظرة التي لونت وجه فاطمة بشيء من الخيبة، فاستأذنت بصوت خافت كي تصعد إلى غرفتها. وبينما هي على الدرج، قابلتها سلمى، فبادرتها بابتسامة قلقة:

"ألف سلامة يا بدور، طنط فاطمة قالت إنك تعبانة."

ابتسمت بدور ابتسامة واهنة وردّت:

"الله يسلمك يا سلمى...

دي حاجة بسيطة، شوية برد والتهابات وهكون بخير."

– "لا، سلامتك أهم...

محتاجة أي حاجة؟"

– "لا تسلمي، هطلع أوضتي أرتاح شوية."

تركتها بدور وصعدت إلى غرفتها، وهي تحمل في قلبها ثِقل الإحباط والخيبة. جلست على طرف السرير، شاردة، وما هي إلا لحظات حتى دخل عامر الغرفة، نظر إليها مليًّا وقال بنبرة دافئة:

"إيه يا ست البنات...

سرحانة في إيه؟"

أجابت بصوت خافت:

"مفيش يا عامر."

قال وهو يقترب منها:

"أومال مالك اكده؟"

تنهدت بدور وقالت:

"يعني انت مشوفتش نظرة مرات خالي أول ما عرفت إن عندي برد في معدتي؟...

بصّتلي كإنها كانت متأملة حاجة وخيبت ظنها."

ضحك عامر بخفة:

"حاجة إيه بس؟...

انتي مكبّرة الموضوع."

هزّت رأسها بحزن:

"لا يا عامر...

مش مكبّرة. وانت كمان...

من ساعة ما الدكتور قال برد والتهابات، نظرتك اتغيّرت."

ابتسم عامر محاولًا التخفيف:

"أنا كمان؟ لا...

ده انتي كبرتِ الموضوع جوي."

لكن بدور ردّت بعصبية وهي تهمّ بالقيام:

"لا، مكبّرتش"

أمسكها عامر من يدها وأعادها إلى مكانها برفق، وقال بحزم ممزوج باللين:

بُصي يا بدور...

أمي زي أمِّك بالظبط. يمكن اتعشمت تسمع خبر غير اللي طلع، وما قدرتش تخبّي زَعَلها. الكبار ساعات بيتصرّفوا عَ طبيعتهم.

أمّا أنا...

ما أناش مستعجِل عَ حاجة."

قالت بدور بمرارة:

"طبعًا مش مستعجل...

علشان عندك ولاد، هتستعجل ليه؟"

سكت عامر لحظة، الحزن يغطي ملامحه، قبل أن يرد بصوت منخفض:

"إنتي شايفة كده؟"

أجابت بعصبية:

"أيوة طبعًا."

وقف عامر فجأة وقال بفتور:

"لا...

ده شكلك قلة النوم تعبت أعصابك. روحي ارتاحي."

ثم تركها وغادر الغرفة متجهًا إلى الأسفل، فيما بقيت هي غارقة في مشاعرها المتناقضة.

****************

ما إن هبط عامر درجات السُّلَّم حتى رنَّ هاتفه، فإذا بماهر على الطرف الآخر يدعوه وجميع العائلة إلى غداءٍ بمناسبة رجوع ياسين وميرهان من شهر العسل. أجابه عامر بهدوء:

إن شاء الله يا عمي، بعد صلاة العصر نكون عندكم.

أغلق الهاتف، ثم نزل إلى الحديقة فوجد فاطمة تجلس مع سلمى وطارق. قال وهو يتقدّم نحوهم:

"عَمِّي ماهر عزَمْنا عَ الغَدا النهارده."

هزّت فاطمة راسها مؤيّدة وقالت:

"أيوه يا وَلْدي...

الحاجة رَجاء كانت جالتلي من يومين إن يوم ما العرسان يروّحوا، هنتلَمّ كِلّنا عندهم."

قطّب طارق حاجبيه وقال:

اعفونا إحنا يا عمدة.

سلمي رفعت حاجبها باستغراب:

ليه بس ما نروحش؟

أجاب طارق ببرود:

ملهوش لزمة...

كفاية الحاجة والعمدة يروحوا.

هزّت فاطمة راسها معترضة:

"لا يا وَلْدي...

العزومة للكل، نروّح سوا كِلّنا."

قال عامر مؤيِّد:

"وأنا كمان شايف كِدَه...

وهَرِن عَ خالد ييجي من المستشفى عَ بيت عَمّه دُغري."

قالت سلمى وهي تبتسم بمكر:

وليلى كمان تنفع تيجي مع خالد.

ثم رمت نظرة سريعة نحو طارق، فالتقط مقصدها على الفور، وانحنى نحوها هامسًا:

ماصدقتي إنتي!

أومأت برأسها بخفة، وضحكت بدلع، فابتسم هو بدوره، لكن دون أن يُفلتها من عينيه.

***************

في المستشفى، كانت ليلى تجلس في مكتبها الخاص، متكئة إلى الخلف تحتسي قهوة بعد يوم طويل من العمل، عيناها شاردتان في البعيد. على الباب المفتوح، كان خالد مسندًا كتفيه إلى الحائط يتأملها بصمت حتى تنحنح فجأة، فانتفضت من جلستها.

إيه؟ خير؟

ابتسم ساخرًا وهو يقترب، ثم جلس على أحد الكرسيين أمام مكتبها:

شكلك كنتِ في دنيا تانية.

اعتدلت في جلستها مرتبكة:

لا...

أبداً. بس مرهقة شوية من ضغط الشغل. خير...

جاي ليه؟

أجاب وهو يتصنّع الجدية:

هو ممنوع أجي مكتبك ولا إيه؟

قالت بتعجب:

لأ مش ممنوع...

بس أول مرة أشوف مدير سايب مكتبه وجاي لمكتبنا المتواضع.

ابتسم بخبث:

اعتبريها تفتيش مفاجئ.

ضحكت:

تفتيش! يا سلام!

ثم أضاف مازحًا:

وعلى فكرة كمان...

مخصوم منك يومين علشان قاعدة وسرحانة.

ردّت ساخرة:

لا والله .. هو السرحان كمان ممنوع في وقت البريك؟

ثم قالت بجدية:

لابجد...

إيه اللي جابك مكتبي؟

أجاب خالد بهدوء:

عمي ماهر عامل عزومة غدا النهاردة بمناسبة رجوع ياسين وميرهان...

وكلنا معزومين.

ترددت ليلى قليلًا ثم قالت:

هو ينفع ما روحش؟ ملوش لازمة أروح.

اقترب بنبرة متفهمة:

أنا عارف إن عمي ماهر ساعات بيبقى سخيف...

بس النهاردة مختلف. دي فرصة العيلة كلها تتجمع. الأحسن تروحي.

ردّت باستسلام:

طيب...

إن شاء الله.

نهض خالد وقال وهو يتهيأ للمغادرة:

خلصي اللي وراكِ، ونص ساعة أعدي آخدك نروح سوا.

سارعت بالرفض:

لا...

لا مفيش داعي. هتصرف أو أخلي بيومي يوصّلني.

توقف خالد أمام مكتبها ونظر إليها متسائلًا:

اشمعنى يعني؟

قالت مرتبكة:

ـيعني...

مفيش داعي كل شوية أركب معاك وأسمع تلميحات من هنا وهنا.

رفع حاجبه متسائلًا:

تلميحات؟ مين لمح؟

قالت بسرعة:

انت نسيت موال ميرهان وياسين لما كانوا بيتوصّلوا سوا وكلام عمك ماهر وقتها؟ ودلوقتي عايزنا نروح سوا...

وعند عمي ماهر كمان؟

ضحك خالد وهو يجلس من جديد:

آه...

انتي قلقانة إن عمي ماهر يدبسنا في جوازة لبعض زي ما عمل مع ياسين وميرهان؟

ارتبكت ليلى، واحمرّ وجهها وهي تزيح نظرها عنه:

يدبسنا إيه...

وجوازة إيه! ومين أصلاً هيقبل بحاجة زي دي؟

سكت خالد لحظة، ثم نظر إليها نظرة غامضة وقال بنبرة محملة بمرارة:

مين هيقبل...

؟ معاكِ حق.

ونهض مغادرًا بخطوات سريعة. وعند الباب التفت وقال ببرود:

بيومي هيكون عندك بعد نص ساعة يوصلك.

ثم غادر دون أن ينتظر ردّها.

أغلقت ليلى الباب خلف خالد، وأسندت ظهرها إليه، كأنها تستند إلى جدار تتكئ عليه خوفًا من الانهيار. رفعت يدها إلى وجهها، تهمس مرتبكة:

"يا خبر...

إزاي قلت كده! أنا قصدي مين يقبل بكلام عمي ماهر وتهديداته، مش قصدي مين يقبل الجواز نفسه...

طب هو ليه خد الكلام على نفسه؟!"

خطت خطوات قلقة داخل الغرفة ثم جلست على مقعدها من جديد، تضرب أصابعها على الطاولة بعصبية:

"بس حتى موضوع الجواز...

لحد دلوقتي كل مرة يلمّح وأنا أهرب، ما وافقتش ولا حتى أدّيت إشارة. يبقى مالي زعلانة ليه؟! مش هو الطبيعي...

إني مش موافقة!"

أطرقت برأسها، ثم رفعت عينيها إلى السقف تنهيدةً ثقيلة:

"بس...

ليه حاسة بلخبطة دي كلها؟ من يوم ما رجع من السفر وأنا متلخبطة...

وفي عيد ميلادي لما كتبلي (دُرّة) ـ بأسمي وانا حاسة بشعور مختلف..ـحتي قربه مني ، وضحكته اللي ما كنتش بتظهر غير مؤخراً، إحساسي وإحنا مع بعض...

هو ده كله إيه؟!"

وضعت يدها على صدرها، كأنها تحاول كتم ارتجاف قلبها، وهمست:

"لا بس برضه مانستش اللي هو عمله بالاجبار معايا حتي معتذرش لحد دلوقتي هو مفكر ان هديته ما كتب درة باسمي هاتنسيني تصرفه ...

وكمان أنا مفهمتش لحد دلوقتي هو عايز يتجوزني ليه. وإيه قصده بالجملة اللي قالها من يومين: (إنتِ شبهي)؟! شبهك في إيه يا خالد؟!"

تنهّدت، وأخذت تحدث نفسها بمشاعر متناقضة: بين خوف يجرّها إلى الرفض، وحنين خفيّ يقترب منها دون إذن...

بين عقلٍ يحاول التماسك، وقلبٍ يرتجف بشيء لا تعرف اسمه بعد.

في الجهة الأخرى، جلس خالد بمكتبه يفتح الأوراق ولا يقرأ منها شيئًا. أمسك بالقلم بقوة حتى كاد ينكسر بين أصابعه، ثم تمتم بحنق:

"كفاية يا خالد...

عمرك ما خلّيت حد يمس كرامتك. قربت منها، اهتمّيت، عرضت الجواز مرّة واتنين...

وهي في كل مرة بتهرب. خلاص...

ما تذلش نفسك."

ابتسم ابتسامة مريرة، ثم ضرب القلم على المكتب:

"واضح إن انا مش في دماغها أصلاً. ولا تكون سايقة التقل عليّا؟! لا هي مفكرة نفسها إيه؟! ده أنا خالد صقر"

سكت لحظة، لكن صدى الكلمات الأخيرة ارتدّ في داخله كطعنة: الكبرياء يتصارع مع ما لا يريد أن يسمّيه حبًا.

************************

في الطائرة، كانت عودتهما إلى الوطن تحمل في طياتها صمتًا أثقل من الغيوم التي تحلق بها الأجنحة. لم تدرك ميرهان كيف استسلمت رأسها لتسكن فوق كتفه، وكأنها تبحث عن ملاذٍ من تعب السفر وثِقَل الأفكار. ظلّ ياسين يرمقها في سكون، وقلبه يدق بإيقاع متسارع يخون هدوء ملامحه. أخذ يحدث نفسه بمرارة: "ليه يا ميرهان؟...

حبيتي اللي ماحبكيش واللي حبك وجعتيه؟!!

زفر بعمق، كأنما أراد أن يطرد ما يعتصر صدره، ثم أفلتت منه عبارة بصوتٍ مسموع قليلًا:

"أنا الغبي...

"

اهتزّت ميرهان من غفوتها، وانتبهت فجأة إلى أن رأسها كان يستند على كتفه. ارتبكت، رفعت رأسها بسرعة وقالت متوترة:

"فضل اد ايه ونوصل "

لم يلتفت إليها كثيرًا، اكتفى بنظرة عابرة إلى هاتفه وهو يجيب ببرود:

"قربنا...

تقريبًا ربع ساعة ونوصل."

ساد بينهما صمت قصير، قطعه صوتها وهي ترفع رأسها بكبرياء يخفي ارتباكها:

"أخيرًا...

"

جملة قصيرة، لكنها اخترقت صدره كطعنة؛ إذ شعر أنها لم تكن موجهة للرحلة فحسب، بل لوجوده بجوارها أيضًا.


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟

✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:

👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور

🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/09/02 · 0 مشاهدة · 1613 كلمة
yare.yare
نادي الروايات - 2026