اتمني البارت ينال اعجابكم....
لوعجبكم لاتبخلوا بالتصويت والتعليق علي الجزء اللي عجبكم ..دمتم بحب :)
**************
ليلةٌ يشتعل فيها كل قلب على شاكلته؛ منهم من يذوب كشمعة، ومنهم من يتأجّج كجمر، وآخرون يتوهّجون بين شوقٍ وغضبٍ وأملٍ لا يخمد.
*****************
ما إن انقضي اليوم في بيت ماهر، وعاد الجميع إلى منزلهم، حتى حمل كل واحدٍ منهم قصته الخاصة، يختبئ خلف الصمت والابتسامات المتعبة.
وحين دخلوا البيت، جلس عامر علي اقرب مقعد في الحديقة شارداً، لا يكاد يسمع ما يدور حوله. كان حديث بلال عن بيع الأرض يطنّ في رأسه، يثير أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات. قطع شروده صوت بدور وهي تقول برقة مترددة:
"مش هتطلع ياعمدة؟"
أومأ برأسه دون أن يرفع عينيه:
"اطلعي إنتي...
أنا هجعد شوية في المضيفة."
ظنّت بدور أنه يتعمّد إهمالها أو يعاقبها على حِدّة كلماتها صباحًا بعد أن عادوا من المستشفى، لكن قلبه كان بعيدًا عنها تمامًا؛ مثقلًا بالأسئلة: ماذا أراد بلال حقًّا؟ وهل أخته منى راضية أم مُكرهة؟
انسحب عامر إلى المضيفة، تاركًا خلفه بدور تصعد إلى غرفتها وهي تتمتم بضيق، وكأنها تحمل في صدرها زعل طفلةٍ لم تُفهم.
في الحديقة، ظلّ ياسين وميرهان واقفَين، يتجادلان بنظراتٍ أكثر مما بالكلام، حتى قطعت فاطمة الصمت قائلةً:
"يلا يا ولدي، اطلّع انت ومرتك أوضتكوا...
ريّحوا. يومكم كان طويل سفر وسهر." وانا كمان هطلع اوضتي ارتاح
أومأ ياسين برأسه مستسلمًا، وصعد إلى غرفته، بينما تبعته ميرهان تحمل في قلبها ما هو أثقل من التعب.
لكن ما إن بلغوا الطابق العلوي، حتى انشقّ الصمت بأصواتٍ متعالية تتسرّب من الغرفة المجاورة لهم ..وقفت ميرهان متسمّرة أمام الباب، تلتقط ما دار:
"إنت مالكش حق تكلّمني بالطريقة دي يا طارق"
– "لو مش عاجبك أسلوبي، يبقى حضرتك تراعي تصرّفاتك الأول"
– "أنا تاني؟! بتتهمني إني السبب؟"
في تلك اللحظة التفت ياسين وراءه، و رأى ميرهان تُصغي بانتباه. اقترب منها هامسًا بسخرية:
"واضح إن العركة دي على مزاجك تمام."
رمقته بعيونٍ مستنكرة:
"إنت بتقول إيه؟"
تجاهلها ودخل غرفته، لكنها لحقت به بعصبية:
"ياسين، قصدك إيه بالكلام ده؟ أقف ...
أنا بكلمك"
التفت إليها ببرود:
"ولا حاجة."
اشتعلت أكثر:
"لا، لازم أفهم قصدك..إيه اللي في دماغك؟"
اقترب منها قليلًا، ونظراته هذه المرّة أكثر صرامة:
"وطي صوتك...
ماتنسيش إننا لسه عرسان وفي شهر العسل. مش ناقصين فضايح."
ثم تركها ودخل الحمام يأخذ دشًا دافئًا علّه يهدّئ أعصابه.تاركًا ميرهان في ردهة الغرفة تغلي بالغيظ.
******
أما ليلى، فما إن رأت الجميع يتجهون إلى غرفهم، حتى أسرعت بخطواتٍ متلاحقة نحو الدرج، كأنها تهرب من ظلٍّ يلاحقها، تهرب من كلمةٍ تُفتح، أو نقاشٍ لا تريد خوضه الآن. لكنه لم يتركها. لاحظ ارتباكها، وأدرك محاولتها للإفلات منه، وما إن وصلت إلى أولى درجات السلم حتى امتدت يده وأمسك بذراعها.
التفتت نحوه فجأة، عيناها مضطربتان، وصوتها خرج متوترًا حادًا:
"إزاي تمسكني كده؟!"
ابتسم بثقة هادئة زادتها ارتباكًا:
"هنِتكلم."
قالت بسرعة، كأنها تبحث عن مهرب:
"مش دلوقتي...
أنا مرهقة وعاوزة أنام."
اقترب منها قليلًا، وصوته يقطر استفزازًا:
"لأ...
دلوقتي. انزلي."
ارتبكت، وارتفع صوتها بحدة:
"قلتلك تعبانة."
رفع حاجبه ساخرًا، وقال بنبرة حاسمة:
" يا تيجي معايا ونتكلم، يا إمّا أطلع معاكي أوضتك ونتكلم."
شهقت بدهشة، وفي قلبها ارتعاشة لم تفصح عنها:
"إيه! تطلع معايا أوضتي دي؟!"
رفع حاجبيه ببطء، نظرة تحمل تحديًا صامتًا، كأنه يضع القرار بين يديها. لم تجد مفرًّا، فتنهدت بغيظ وتنهيدة استسلام:
"خلاص...
نزلت. اتفضل، عاوز تقول إيه؟"
أشار بيده نحو السلم، وفي عينيه بريق ساخر:
" اظن المكان هنا مش مناسب ...
تعالي على الجنينة"
نزلت بخطواتٍ متثاقلة، بينما تبعها هو، يراقبها في صمت، يخبئ ضحكة مكتومة في صدره، مستمتعًا بذلك التوتر الذي يكسوها.
أما ميرهان، فكانت واقفة في الغرفة تستشيط غضبًا حين خرج ياسين من الحمام، يلف كتفيه بمنشفة، وعلى وجهه ملامح الاسترخاء بعد حمامٍ دافئ. لكن عينيها المشتعلتين لم تتركا له فرصة.
قالت بانفعالٍ يكاد يشعل المكان:
"دلوقتي حالًا هتفهمني قصدك إيه...
وكمان عايزة أفهم إيه اللي مغيّرك الأيام دي!"
ابتسم باستهزاء، وهو يمر بجانبها متجهًا إلى الكومود:
"ميرهان...
روحي خدي دش ونامي، وريحيني من مناقشاتك اللي ما بتخلصش."
ارتفعت نبرتها أكثر، وصوتها ارتجف بالغضب:
"مش هرتاح يا ياسين غير لما أفهم...
ليه بتعاملني كده؟!!!!"
التفت إليها فجأة، وصوته هذه المرة جاد وحاد:
"اصبري شوية...
وهي فترة مؤقتة هتستريحي مني ومن معاملتي."
اتسعت عيناها دهشة:
"وليه فترة؟ طالما متفقين على الطلاق يبقى نخلص وخلاص...
"
اقترب منها خطوة، وصوته خرج غليظًا ممتزجًا بالغيظ:
"لو حضرتك تفكري قبل ما تتكلمي...
كان حاجات كتير اتغيرت."
تراجعت بخطوة، وفي عينيها سؤال مرتجف:
"قصدك إيه؟"
زفر بحدة، ثم قال متأففًا:
"قصدي إنك بعد أسبوع واحد من الجواز عايزة طلاق! فكرتي الناس هتقول عنك إيه؟ أنا بالنسبة لي مش فارقة...
لكن إنتي؟ شوفي سمعتك هتبقى إيه."
سكتت ميرهان، وكأن كلامه أصابها في مقتل، وأدركت حجم الكلمة التي ألقتها بلا حساب. ثم همست بصوتٍ مرتبك:
"يعني...
هنفضل في الوضع ده لحد إمتى؟"
قال ببرودٍ :
"لحد ما أشوف الوقت المناسب."
صرخت في وجهه:
"أنا مش تحت أمرك. . لازم أعرف...
التمثيلية دي هتفضل قد إيه؟"
رد باستفزاز:
"مش أقل من شهرين."
شهقت بدهشة وغضب:
"شهرين كاملين؟!"
أجاب بصرامة:
"آه...
شهرين أرحم من أسبوع. على الأقل بعدهم يبقى عندك عذر قدام الناس. إنما أسبوع؟ هيتقال عنك إيه؟"
تركها واقفة، تشتعل بين ندمها وغيظها، بينما هو خرج إلى التراس، يبحث عن بعض الهواء يطفئ حرائق صدره. بقيت هي خلفه، وحدها في الغرفة، تتخبط بين كبريائها وجرحها.
************
بعد يومٍ طويل مُثقل بالتفكير والإرهاق، صعد عامر إلى غرفته وهو يجرّ خطواته المجهدة. فتح الباب بهدوء، فارتجف قلب بدور تحت الغطاء، وتظاهرت بالنوم، علّها تُخفي ارتباكها عنه.خلع عامر جلبابه ودخل الحمام، ترك الماء ينساب فوقه علّه يغسل عنه ضيق اليوم وثِقل القرارات. خرج بعدها، وألقى بجسده على الفراش، مستسلما للنوم، لكن همسات باكية، أشبه بتهتهات مكتومة، تسللت إلى أذنه. انتبه، فاقترب منها وهمس بصوت دافئ:
"بدور...
"
لم تجبه، بل زادت إصرارًا على كتمان بكائها. مدّ يده برفق، ثم أمسك بكتفيها وأدارها نحوه، ليفاجأ بدموعها المنحدرة على وجنتيها. ارتبك، ثم سألها بنبرة يختلط فيها القلق بالدهشة:
"إنتِ بتبكي ليه؟"
التفتت بعيدًا عنه، وكأنها تُصرّ على تجاهله. أعادها إليه بقوة هذه المرّة، وكرّر بصوت حازم:
"بجولك بتبكي ليه؟"
تمتمت باقتضاب، محاولة الهروب من المواجهة:
"مفيش...
"
زفر عامر بضيق، وقد بدأ الغضب يتسرّب إلى صوته:
"هو إيه اللي مفيش؟! ده بُكا ولا ما هوش بُكا؟ لآخر مرة بسألك...
بتبكي ليه؟"
اعتدلت بدور فجأة، وجلست على حافة السرير، وعيناها محمرّتان من البكاء، ثم قالت بحدة:
"خلاص...
هريحك مني ومن بكايا...
وأطلع من الأوضة خالص"
لم يُصدّق ما سمعه، فأمسك بذراعها بعصبية، ونظر في عينيها بعزم وصوته يقطر تحذيرًا:
"إياكِ...
إياكِ الجملة دي تتجال تاني وخلّي بالك...
غلطك في الكلام كتر."
ثم نهض من الفراش وهو يشتعل غضبًا، لم يستطع البقاء أكثر. تركها مضطربة، وغادر الغرفة بخطوات سريعة، متجهًا نحو المضيفة.
أما في الجانب الآخر، كان النقاش بين طارق وسلمى يزداد احتدامًا. هو يلقي باللوم، وهي تندفع تدافع عن نفسها بعناد، احتد صوته وهو يختم الجدال قائلاً:
"واضح إنك هتفضلي راكبة راسك، ومش شايفة نفسك غلط...
بس فوقي يا سلمى...
مش طارق صقر اللي مراته تتحداه...
ولا تصغّره قدام الناس"
ثم صفع الباب خلفه بعنف، تاركًا الغرفة تغصّ بصداه وارتجافها بصمتٍ موجوع.
********
في الحديقة، جلسا متقابلين. الصمت كان سيّد اللحظة، لا يقطعه سوى حفيف الأشجار في الليل. ليلى تهز قدميها بلا وعي، أصابعها تعبث ببعضها في توترٍ ظاهر، بينما هو يجلس بثباتٍ يليق بهيبة الصقور، عيناه معلّقتان بها، تخترقان ارتباكها الذي كان يزيده متعة ويزيدها ارتباكًا.
قال بهدوء ساخر:
"يااه...
الموضوع موترك للدرجة دي؟"
انتفضت على وقع صوته، وردّت باندفاع مرتبك:
"موضوع إيه؟"
ابتسم بخفة وهو يثبت عينيه عليها:
"الموضوع اللي بتفكّري فيه."
تنفست بعمق وقالت بنبرة واثقة مصطنعة:
"مبفكرش في حاجة."
أومأ بإيماءة صغيرة، وواصل:
"طيب...
تمام. بس أنا بفكّر."
سألته بتوجس:
"بتفكّر في إيه؟"
مال بجسده إلى الأمام، وابتسامة ساخرة تلمع في عينيه:
"بفكّر في الرد اللي هتقوليه ليا على كلامك في بيت عمي ماهر."
شعرت بحرارة في وجهها، وأجابت مرتبكة:
"معنديش رد."
رفع حاجبيه في سخرية، وقال مستفزًا:
"يعني أفهم من كده إنك قبلتي الجواز مني برضا...
وحب."
كلماته سقطت عليها كالقنابل، فارتبكت أكثر:
"انت فاهم كويس إني اتحطيت في موقف صعب...
وزنّ عمي ماهر ما بيخلصش...
"
هز رأسه ببرود وقال:
"آه...
ولاقيتي موضوع الخطيب اللي اخترعتيه زمان هيتكشف، قولتي أختار خطيب جديد...
واهو يكون قدامهم و يسكتوا."
ابتلعت ريقها بصعوبة. جزء من كلامه فيه صدق، لكنها لم تستطع أن تواجه حقيقة أعمق: أن قلبها نفسه ارتاح – رغم حيرته – حين خرجت منها كلمة الموافقة. وكأنها لم تُجِب فقط لإسكات ماهر وابنه، بل لإسكات صوتها الداخلي الذي يتخبّط منذ زمن.
رمقها خالد بعينيه وسأل بحدة:
"إيه...
رحتي فين؟"
ارتبكت:
"معاك."
قال بنبرة هادئة:
"سمعك."
ردّت مترددة:
"الحقيقة...
كلامك صح. أنا قلت بدل الزن كل شوية...
أقول إني مخطوبة لك ...
وهيسكتوا."
ضحك خالد، واتكأ للخلف مستمتعًا:
"وانتي مقتنعة بإجابتك؟"
ارتبكت أكثر:
"آه...
مقتنعة...
ومش مقتنعة...
ليه يعني؟"
مال بجسده فجأة للأمام، حتى صار قربه يربكها أكثر من كلماته، وصوته المنخفض يزداد عمقًا وهو ينظر في عينيها مباشرة:
"تمام...
مع إنك كان ممكن ببساطة تقولي إنك رافضة جوازك من سيف. محدش هيجبرك. خصوصًا إنتي مش من النوع اللي بيقبل فرض رأي عليه."
ثم صمت لحظة، ابتسم ابتسامة جانبية وقال:
"بس خليني أقول...
إني مصدقك."
اعتدل فجأة للخلف من جديد، ونبرته صارت أكثر جدية:
"طيب...
بعد ما حضرتك قلتي قدام الكل إننا اتخطبنا...
مفكرتيش في توابع الحكاية دي؟"
ردّت بارتباك:
"توابع إيه يعني؟"
ابتسم ابتسامة عريضة، نبرته أكثر استفزازًا:
"واضح إنك مفكرتيش. أولًا: نهاية الخطوبة دي إيه؟"
سكتت ليلى، وعيناها تهربان بعيدًا. تابع هو بثبات:
"الطبيعي...
أي خطوبة بتنتهي بجواز."
تاهت بين صرامة كلماته ونبض قلبها الذي يزداد اضطرابًا. كبرياؤها يحاول أن يحميها، لكن إحساسًا دفينًا بداخلها كان يفضحها. حاولت أن تستعيد رباطة جأشها وقالت:
"لا...
مش هيوصل لجواز. أصلا...
أنا كده كده، السنة اللي بابا الله يرحمه طلب مننا نقعدها هنا فاضلها شهر وشوي وتخلص. فيعني...
خلينا قدام الكل مخطوبين ظاهريًا لحد ما الفترة دي تعدي."
كلماتها اخترقت قلبه كسهم، لكنه أخفى ما شعر به خلف ابتسامة باهتة:
"آه...
يعني لعبة لفترة."
وقف، وأضاف بصوت منخفض لكنه صارم:
"طيب...
بما إن حضرتك اللي بدأتي اللعبة...
واخترتي هتنتهي إمتى...
يبقى أنا موافق. بس خلي بالك...
اللعبة دي هتكون بقوانيني أنا."
ارتبكت من كلماته، وكادت أن تسأله عما يقصد، لكن قبل أن تنطق رأت طارق يقترب من الجنينة، الغضب يشتعل في عينيه. تنهدت بضيق، ثم انسحبت مسرعة إلى غرفتها، تاركة وراءها ارتباكها...
وابتسامة غامضة على وجه خالد.
لحظات وخرج ياسين هو الأخر من غرفته بخطواتٍ متثاقلة، هاربًا من نقاشاتٍ طويلة مع ميرهان لم يكن في مزاجٍ لفتحها. أراد أن يتنفس ليلًا بعيدًا عن ثقل الجدال، فاختار الحديقة ملاذًا.
التقى هناك بخالد وطارق، وكأن الأقدار جمعت الثلاثة على نفس الهروب. كان الصمت أول ما جمعهم، قبل أن يلمح خالد نور المضيفة المشتعل في البعيد، فمال برأسه متسائلًا:
"هو العمدة لِسّه صاحي؟"
رد ياسين وهو يزفر:
"باين كده...
"
توجهوا بخطوات بطيئة نحو المضيفة، فوجدوا عامر جالسًا متكئًا على الكرسي الخشبي، سيجارته بين أصابعه، وشرودٌ ثقيل يغطي ملامحه. دخانها يتصاعد كثيفًا، كأنه يفضح ما بداخله من غيظٍ وكتمان.
قال خالد بابتسامة خفيفة:
"مسّا الخير يا عمدة."
اعتدل عامر قليلًا، نظر إليهم بعينيه المثقلتين وقال:
"مسّا النور يا هندسة...
إيه الحكاية؟ شايفكم كلكم لساتكم منمتوش."
ابتسم طارق وأجاب وهو يمد يده ليمسك بكرسي جانبي:
"هو مش باين لها نوم الليلة دي؟"
تدخل ياسين ساخرًا، وهو يرفع حاجبه:
"والله شكل عمّي ماهر حاطّط في الأكل حاجة صحّتنا زيادة عن اللزوم."
قهقه طارق وهو يربّت على كتف أخيه:
"كويس إنها جت على قد ان مصحصحين...
كان زمانا بنعمل مصيبة دلوقتي"
خالد وهو يميل على الكرسي مبتسم نص ابتسامة:
"ماهو طبيعي يا ياسين...
اللي ياخد بنت ماهر يستاهل يصحى الليل كله."
ضحك عامر هذه المرة، وانحنى قليلًا للأمام وقال وهو يلوّح بيده:
"لا ومش أي حما كمان"
انفجر الأربعة في ضحكة صافية، كانت كمنفذ هواء وسط ليلٍ خانق. لحظة خفيفة، خففت عنهم ثقل الليلة
ثم تابع خالد مازحًا:
" لا بس إيه اللي مصحيك لحد دلوقتي يا عمدة؟"
رد عامر بابتسامة باهتة:
"إيه يا هندسة، هتستلّمني لوحدي؟ ما الكل سهران."
رد خالد وهو يهز رأسه مازحًا:
"لا يا سيدي، أنا هستجوبكم واحد واحد...
بس قلت نبدأ بالكبير."
ضحك طارق بسخرية، وهب واقفًا ثم قال:
"إذا كان كده...
أنا منسحب."
وقف ياسين بدوره وهو يشير له بيده:
"ومين سمعك؟ أنا وراك."
لكن عامر رفع يده بإشارة توقف، وابتسامة هادئة على وجهه وقال:
"لا...
استنوا. في كلمتين الأول لازم نتكلم فيهم."
جلس طارق مترددًا، وعاد ياسين بدوره وجلس من جديد. التفت خالد نحو عامر وسأله بجدية:
"خير يا عامر؟"
اتكأ عامر على الكرسي، نفث دخان سيجارته وقال:
"خير إن شاء الله...
النهارده بلال ابن عمتكم قالي إنهم عاوزين يبيعوا أرض منى ويستبدلوها بأرض تانية على أطراف البلد...
أرض بتاعة رجل الأعمال أحمد الدهشوري."
سارع طارق معترضًا:
"وليه يبيع أرض منى؟ ما يشتري من ماله لو عاوز."
ضحك ياسين ساخرًا:
" ده بلال؟ الطمع بعينه...
نسيت لما العمدة طلب بدورلجواز واشترط بلال ان تتكتب الأرض القبلية باسمها"
ارتسم الضيق على ملامح عامر،لمح خالد ضيق عامر من الحديث، فقطع كلامهم بهدوء:
"ممكن نسكت شوية ونسمع العمدة للآخر؟"
أخذ عامر نفسًا عميقًا وقال:
" هو بيقول معهوش سيولة تكفي علشان كده بيكمل بارض مني ...
وأنا ماعطيتوش لسي رد. لسه مش عارف أختكم رأيها إيه...
ولا عارف بالضبط موضوع الأرض اللي هيشتريها. حكاية ايه"
اندفع طارق قائلًا:
"لا، كنت رديت عليه من ساعتها: وقلت له ارض أختي مش للبيع."
ابتسم ياسين بسخرية وقال:
"وهو هيغلب؟ هيقول لك أرض مراتي...
ساعتها تبقى كلمة منى هي الفاصلة."
قال عامر بجدية وبنبرة حاسمة:
"إحنا ملناش حج نرفض أو نوافج . القرار الأول والأخير لأختكم. اللي لينا فيه كلمة وحدة: الأرض دي ما تطلعش برّه العيلة."
تدخل خالد بتفكير عميق وقال:
"يبقى لازم نتكلم مع منى ونسمع قرارها الأول...
وأنا كمان هتأكد من موضوع الأرض اللي عايز يبدلها. بس في كل الأحوال، بقيمة الارض اللي هتتبدل ينكتب لمنى نصيبها ، ما ينفعش تفضل بإيد بلال. كلها"
هزّ ياسين رأسه موافقًا وقال:
"بالظبط...
دي أقل حاجة، الأرض تبقى باسمها هي."
وأضاف طارق مؤيدًا:
"طبعًا...
دي أمانها وأمان ولادها، ما ينفعش يسيبها سايبة."
أومأ عامر ببطء وقال مؤكدًا:
"وده بالفعل اللي ناوي أعمله...
لو اتأكدنا إن قرارها إنها تبدل الأرض...
يبجي لازم نجهز نفسنا للشراء فورًا. ودي مهمتك يا ياسين...
أول ما نوصل لقرار، تخلص كل الإجراءات."
ابتسم ياسين بثقة وأجاب:
"تمام يا عمدة...
اعتبر الموضوع خلص."
ثم بعد أن خفت ضحكاتهم، مال ياسين نحو خالد ساخرًا:
" ثم تعال هنا يا بوص...
إيه المفاجآت اللي فجّرت بيها بيت عمّك النهاردة؟"
التفت عامر، وكأنه تذكّر الأمر للتو، وقال بابتسامة متسائلة:
"أيوه يا خالد...
إيه القرارات الجديدة اللي نزلت علينا فجأة دي؟"
ابتسم خالد باقتضاب، وقبل أن يجيب، سبقه طارق قائلًا بمرح:
"بس بذمتكم مش أحلى مفاجأة؟"
قهقه ياسين ساخرًا:
"خبر الموسم يا جماعة! البشمهندس خالد صقر، راهب العيلة، ودّع العزوبية."
ضحك عامر وأومأ برأسه:
"ولله معاك حج ياياسين...
خبر الموسم فعلاً."
ضحك خالد وقال وهو يحاول الهروب من سخريتهم:
"واضح إني هبقى مادة التسلية الليلة دي."
علق ياسين سريعًا وهو يغمز:
"مش تسلية بس...
ده إنت طلعت مش سهل يا بوص...
لا باين عليك حاجة، ولا حد شمّ خبر...
واتاريك بتحب وتخطّط وتقرر من ورانا"
اعتدل خالد في جلسته، ثم قال ممازحاً مع ياسين: انت مصدقت بقي تستلمني
ثم نهض فجأة وهو يربّت على كتف عامر:
"أنا هستأذنكم بقى...
قبل المواضيع ما تتطوّر."
ضحك الثلاثة في وقتٍ واحد، فقال عامر وهو يومئ له:
"اتفضل يا عريس...
وخير ما عملت واخترت."
أضاف طارق وهو يصفّق بخفة:
"ربنا يتمّم بخير يا حبيبي."
ابتسم خالد ابتسامة باهتة، وتركهم متجهًا إلى غرفته، وقلبه مثقل بأسئلة متناقضة: أيفرح لأنه خطا خطوة كانت مؤجلة؟ أم يحزن لأنها جاءت وليدة موقف؟ هل تبادله مشاعرها وتُكابر، أم أنها لم تشعر به قط؟ ومع ذلك كان صوته الداخلي يلحّ: إنها تكابر...
لحظات، وتبعه عامر مستأذنًا، يصعد الدرج بخطوات مثقلة كأنها تحمل ثِقل الدنيا معه. وحين فتح باب غرفته، باغتته صورة بدور غارقة في نومٍ عميق، كأن البكاء استنزفها حتى آخر دمعة.
وقف في مكانه لحظة، ينظر إليها بصمتٍ تتناوب فيه مشاعر متناقضة؛ شيء من الحنان يشده إليها، وشيء من القلق يثقل صدره. اقترب قليلًا، ثم جلس على طرف السرير يتأمل ملامحها المتعبة، وعينيها المتورمتين من الدموع. مدّ يده ببطء، وكأنه يخشى أن يوقظها، وتحسّس خصلات شعرها المنسدلة على الوسادة ،ارتسمت على شفتيه ابتسامة مترددة، قبل أن يزفر تنهيدة طويلة، ويستلقي بجوارها. لم يطل به التفكير، إذ سرعان ما غلبه النعاس، مستسلمًا بدوره لنومٍ لا يخلو من الاضطراب.
أما ياسين وطارق، فظلّا في الحديقة صامتَين، يتبادلان نظراتٍ مترددة، وكأن كلًّا منهما يهرب من الصعود إلى غرفته ومواجهة جولةٍ جديدة من المشاحنات التي تنتظره...
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔥 هل ترغب في قراءة بقية فصول هذه الرواية كاملة وبدون انتظار؟
✨ جميع الفصول القادمة متوفرة ومكتملة مجاناً وبدون إعلانات على موقعنا الرسمي:
👉 https://kimostories.site/novel/188/زهور-بين-أجنحة-الصقور
🌸 انضموا الآن إلى عائلة كيمو ستوريز واستمتعوا بآلاف الروايات الحصرية! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━