الفصل السادس عشر: معرفة الذات

في وسط الممر بدأ الشاب بالتمتمة بصوت خافت لا يكاد يُسمع.

آه... لماذا أتوقع حقاً أن ينتهي بي الأمر في مهمة؟ والأسوأ من ذلك أنها غداً. يا أخي، تمنيت على الأقل أن يُؤجّلوها أسبوعاً؟ واضف إلى ذلك، أنا من بين جميع القادة؟

، أنا الأصغر. حقا، دائماً الحظ لا يُجاريني. أحسنت أحسنت أيها القدر، في المرة القادمة حاول أن تقول لي في وجهي أنك ستقتلني عوضاً عن كل هذه الأوهام. على الأقل حينها لن أُحاول القتال بل سأتقبّل الوضع وأقول انتظرني فقط لأكتب وصيتي الأخيرة، بدلاً من أن تُعطيني أملاً وفي النهاية تُحطّمه.

ما رأيك في هذا يا أش؟

ردّ الشبح بهدوء:

أتوقع أنك ستموت.

ألا يمكنك على الأقل أن تُحفّزني؟ أن تقول لي سوف تنجح، أثق فيك يا أخي؟ من دون أي مجاملات مُتكلَّفة. لقد كسرتني حقاً.

أنت من أراد هذا الكلام. أنت متناقض حقاً يا آدم؛ تقول إنك ستموت، وعندما أُريد إخبارك بالحقيقة تقول لماذا أخبرتني؟ يجب أن تُراجع نفسك.

ابتسم الشاب ابتسامة خافتة.

أُفكر في هذا حقاً.

صمت قليلاً. لم يُساعده الكلام، لم يجد إلا أن يُفكر ويتمنى ألا تكون هذه المهمة بالسوء الذي تبدو عليه.

تكلّم أش مجدداً:

ما رأيك في هذه المهمة؟ هل تتوقع أنها مجرد ذهاب إلى الموت أم أن ثمة شيئاً آخر؟

أجاب آدم بهدوء:

لا أتوقع أن هناك شيئاً آخر. ماذا قد يكون؟ هذا العقل يعجز عن تصوّره.

«أومأ أش برأسه ببطء وصمت لحظة.»

في الحقيقة لم يكن يُفكر في المهمة بقدر ما كان يُفكر في سيرينا. تلك النظرات، تلك العينان، حتى اللامبالاة التي أبدتها طوال الحوار. من المستحيل أن يكون هناك إنسان بهذا الجمود الكامل، لم تتغير ملامحها لحظة واحدة كأنها أعادت تشغيل المشهد مرات عديدة قبل أن تعيشه. كان أش يشك فيها. لا يوجد إنسان مثالي إلى هذا الحد، حتى هو لم يكن كذلك ولن يكون. ربما كان شكّه في محله، لكنه لن يُفيد في شيء. لن يجعل المهمة أسهل، الشيء الوحيد الذي سيُحدثه هو زيادة الحذر فقط.

بعد إيكال هذه المهمة إليّ لم أكن أعرف إن كنت سأنجو أم أموت. لكن ربما السبب الذي يدفعني للنجاة لم يكن لأنني أُحب الحياة بل لأن هناك ما يجعلها تستحق. عائلتي وأصدقائي في عالمي الأصلي. كلما تذكّرتهم كلما اشتدّ الحنين نحو تلك الذكريات. هذا ما يدفعني.

ابتسم الشاب ابتسامة خفيفة، ثم هدأت نبرته قليلاً وهو يواصل:

ليس لأنهم مثاليون، وأنا لا أبحث عن ذلك. بل في الواقع هم عاديون، ربما يخطئون أو حتى يغضبون، لكنهم دائماً موجودون. وهذا يكفيني. أن تعرف أن هناك أشخاصاً ينتظرك، يفكرون بك، حتى لو لم يقولوا هذا في وجهك. الأعين والتصرفات تخبرك بهذا.

توقف لحظة، ثم أخذ شهيقاً عميقاً، ونظر إلى الممر البعيد وهو يتابع بصوت أصبح شبه هامس:

حقاً، أتساءل ماذا يفعل جوليان الآن... أتمنى أنه لم يدخل هذا السيناريو حقاً.

نظر إلى الأرض لثانية، ثم رفع عينيه مجدداً:

أو حتى لا يعرف أنني الآن في عالم آخر... ذلك الشخص يقلق كثيراً علي.

واصل مسيره في الممر صامتاً، غير مُلاحِظ الجنود الذين كانوا يتدافعون في محاولة للوصول إلى مهماتهم. بعضهم أدّى له التحية فأومأ برأسه دون أن ينطق. ليس لأنه لا يعرف الكلام، بل لأن هذه المواقف لم تكن تُناسبه. حتى في عالمه الأصلي لم يكن من الناس الذين يذهبون إلى التجمعات أو يتحدثون كثيراً، بل كان من نوعية الناس الخجولة المندفعة فقط نحو النوم وقراءة الروايات والذهاب إلى المدرسة.

«الأمر لم يتغير شيئاً هنا. بل ربما ازداد وضوحاً.»

الآن يذهب أحياناً للتدريب، لم يكن يُحبه، بل لأنه إن لم يفعل فسيأتي وحش ويقضي عليه، ولا يريد تجربة الموت مرة أخرى أبداً. وثانياً، ربما لا يُلاحظ أحد هذا، لكنه حقاً أراد العودة إلى منزله.

في الحقيقة السبب الذي جعله لا يشكو حتى الآن ولا يفتقد عالمه بصوت عالٍ هو أنه تعلّق. نعم، ربما هذا أكثر عيب لاحقه. هو آدم، دائماً يحب بسرعة. لا يعني الأمر رومانسية، بل فقط إن أسدى إليه أحد معروفاً واحداً فقد كسب صداقته حقاً. ثم تنشأ تلك الرابطة التي...

صمت آدم للحظة، ثم هز رأسه وكأنه يحاول ترتيب أفكاره، وتابع بنبرة أهدأ:

لا يحسبها، ولا ينتظر مقابلاً. بل لأن تلك الذكرى تبقى تلاحقني لسنوات، عالقة في ذاكرته.

تنهد:

ربما قد يبدو الأمر سيئاً، لكن بعد أن اعتدت عليها أصبحت عادية جداً. حتى باقتناعي أن ذلك الشخص قد نسيني من عقله... لكن ذلك الجميل من المستحيل أن يفنى

تنهّد قليلاً وواصل أفكاره.

«تُجبرني على الحزن لاحقاً.»

لم تكن هناك أي علاقة صمدت معه طويلاً، لا في عالمه ولا هنا على الأرجح. دائماً ينتهي الأمر بالرحيل، إما هم يرحلون أو يكون هو المخطئ فتنقطع الأشياء. حدث له كثيراً حتى تعوّد عليه. لكن لماذا حقاً؟

أغمض عينيه لوهلة، ثم فتحهما وبدأ يتكلم بصوت أثقل قليلاً، محاولاً أن يجد الكلمات:

لكنه في الواقع لم يكره أحداً منهم أبداً. هذا هو العيب الحقيقي، الذي مهما حاول، لن يتمكن من نزعه.

توقف. يبدو أنه يبحث عن تفسير:

ربما هذا هو الشيء الذي يجعل لديَّ تلك المبادئ التي حتى أنا أكرهها، لكن لا أعرف لماذا أنفذها.

صوته أصبح محملاً بحزن خفي:

حتى الذين كرهتهم... الذين خانوا ثقتي، الذين ضحكوا من ورائي... لم يكن باستطاعتي أن أكره. بل فكرت في تلك المواقف: هل أنا هو المشكلة؟ هل هناك خطأ فعلته؟ أو حتى هل أدين لهم بشيء؟

هز رأسه ببطء:

وبعد هذا يأتي ذلك الحزن الذي يبقى عالقا

في الذهن.

دائماً يسأل ويقول لنفسه: لماذا أنا دائماً الشخص الذي يحزن؟ الذي ربما يبكي؟ الذي يتعلق بسرعة؟ هذا أكثر عيب يكرهه في ذاته. حاول مراراً لدرجة لم تعد المحاولة تبدو حقيقية، لكن بقي معه ذلك الشعور؛ أن تكون صديقاً لشخص ثم تزول تلك الذكريات كأنها لم توجد أصلاً.

لكن ربما سيكون جيداً في النهاية. أنا لديّ أصدقاء في الأرض، لا بل ليسوا مجرد أصدقاء بل هم عائلة حقيقية. وحتى هنا هناك أشخاص يهتمون بي. التناقض الذي يحدث لا أعرف كيف أُفسّره. هل لأنني أُحبهم كليهما وأتعلق بسرعة؟ كلما فتحت هذا الموضوع وجدت نفسي غريقاً فيه. لا أعرف ولا أريد التفكير فيه.

حاد عن كومة الأفكار السلبية ونظر بدافع الفضول نحو النافذة المجاورة.

لم يرَ إلا مجموعة من الأطفال بوجوههم الطفولية المتوهجة.

ضجيجهم المرح يُسمع حتى من هنا. لم يسع الشاب إلا إظهار ابتسامة لم يعرف سببها، لكنه تابع شروده ينظر إلى لعبهم بجدية وهم يستمتعون بكل لحظة. كانت هذه المشاهد تجعله لا شعوريا يُبدد كومة الهموم والحزن التي كانت بداخله، كأنه أراد أن يكون معهم ويلعب وينسى أنه عالق في جسد غيره وأنه لا يعرف أصلاً إن كان سيعود إلى عالمه يوماً أم لا.

«خطرت له فكرة عابرة.»

هل يجب أن أُخبر كيدو وثروفين بالمهمة؟

لكن أش سبقه:

لا داعي لذلك يا آدم. القائدة سيرينا أخبرتهما بالتأكيد قبل أن تُخبرك.

لماذا تتوقع هذا يا أش؟

لأن تصرفات كيدو اليوم كانت مختلفة. حتى حركاته وطريقة مشيته كانت غريبة في ذلك القتال. قدّمت أن خسارته كانت بسبب الإرهاق، لكن في الواقع كان شارداً بعض الشيء. ربما هو نفسه لم يُلاحظ هذا في أفكاره، لكن بالنسبة لي أنا كشخص يرى حتى أدق التفاصيل، ذلك الشعور لم يكن هامشياً بل كان يُوضح كل شيء.

توقّف لحظة ثم أكمل:

أما ثروفين، فبما أن كيدو عَلِم فبالطبع سيعلم ذلك الثعلب الصغير. كل معلومات الحصن بين يديه. لذلك لا تقلق، فهو ربما أكثر شخص يجب أن تحرص على أن يكون في صفّك.

حسناً، شكراً يا أش على كلماتك. كنت حقاً متوجهاً نحو...

لم يُكمل.

توقّف خطوه فجأة.

نافذة على جانب الممر.

لم يجد نفسه إلا يمدّ يده ويفتحها. اندفع الهواء البارد نحو وجهه بحدة جعلت بشرته تتقشّع، لكنه لم يتوقف عن التحديق فيما بالأسفل. ربما لأنهم كانوا يُذكّرونه بنسخته القديمة حين كان طفلاً لا يحتاج إلى هذا التفكير المُفرط، ولا يعرف ذلك العيب الذي لازمه لاحقاً. كل هذا لم يكن ليحدث لولا... فتاة

حاول دفع تلك الفكرة بعيداً.

كأنها كلمات محرّمة لا يجوز التفكير فيها.

بدأ آدم يتكلم بصوت أشبه بالهمس، وكأنه يجمع أجزاء صورة مبعثرة:

الأمر كان مثل الشظايا المتناثرة. يجب أن تجمعها لتشكل الصورة الحقيقية. في الحقيقة، كنت أجمعها... لكن دائماً ما تأتي تلك... لا أعرف من هي.

توقف للحظة، ثم أردف وهو يحدق في الفراغ:

لكن هناك شيء واحد: أنا فتاة تراودني دائماً. أبداً. كأنها فقط محيت من ذاكرتي. لا أعرف كيف، ولا من فعلها.

استنشق الهواء بعمق كما لو كان يحاول استنشاق جرعه أكبر:

لكن... كل هذه المشاكل حدثت بسبب استماعي لعائلتي. لو فقط واصلت تناول ذلك الدواء... لو ما فكرت حتى في تلك الفكرة.

صوته أصبح أكثر هدوءاً وحسرة:

في الواقع، لم أتوقف قبل أن أنتقل حتى إلى هذا العام العالم.

حسب بأصابعه كأنه يجري عملية جمع بسيطة:

حوالي أربعة أشهر... والآن أضف إليها شهراً ونصف، يصبح المجموع خمسة أشهر ونصف. مدة هائلة. هذا يفسر تلك الذكريات والأشياء التي توقعت أنها قد حُذفت من ذاكرتي.

ابتسم ابتسامة خفيفة مليئة بالألم، ثم قال:

أتوقع أن هذا سبب جديد يجعلني أعود إلى عالمي... شرب ذلك الدواء.

لم يفهم ما الذي قاله لنفسه تلك اللحظة مهما حاول. فقط أدرك أنه لا يريد أن يتذكّر.

تكلّم أش مُستدركاً الوضع بعد أن لاحظ شرود آدم المتواصل، دون أن يُزيح نظراته عن النافذة:

أتوقع أنه يجب عليك الذهاب للاستمتاع قليلاً مع هؤلاء الأطفال. ففي النهاية ليس لديك أي وقت تعتبره عطلة حقيقية. مكافأة لإبعاد تفكيرك السلبي، وأفضل الأشخاص لهذا هم الأطفال، لأنك لن تجدهم بارديـن أو قاسيين بل فقط ابتسامة تُسعدك وتُبعد تلك الهموم.

نظر إليه آدم ثم قال:

لكنني لست جيداً مع الأطفال. ليست لديّ قدرة التواصل الجيدة ولا حتى كلمة جديدة أقولها.

ابتسم الشبح وقال:

لا يجب أن تكون اجتماعياً أو حتى ودوداً. فقط النقاء والصدق مع هؤلاء قد يكفي. أنا لا أقول هذا من دافع الشفقة بل من تجربة شخصية.

فكّر الشاب في كلمات أش قليلاً.

ربما أراد فعلاً أن ينسى كل الأعباء

ولو لساعة، أن يبتعد عن الضغوط وعن التدريب وعن كل شيء يربطه بهذا العالم الخيالي.

أخذ نفساً عميقاً ثم قال:

حسناً. أتمنى ألا تكون فكرة سيئة. فلنستمتع قليلاً... أتمنى ذلك.

2026/05/26 · 9 مشاهدة · 1551 كلمة
Kayn
نادي الروايات - 2026